أعلنت كلٌّ من أميركا وبريطانيا وأستراليا في 15 أيلول 2021 عن إقامتها لحلفٍ أمنيٍ باسم «أوكوس»، ودارت عقب هذا الإعلان نقاشات موسّعة حول مدى ما يمثل هذا الحلف من تحول في «الجغرافيا السياسية»، ودارت تباعاً لذلك نقاشات حول قيمة هذه الخطوة من الناحية الإستراتيجية. وقد تَشكَّل شبه إجماع على كون هذه الخطوة تُعد بمثابة تبدلٍ رئيسٍ في «الجغرافيا السياسية» العالمية، فهي تمثل تحولاً عملياً في أولوية السياسة الخارجية الأميركية نحو منطقة «الإندو باسيفيك»، التي تُعد المجال الحيوي للصين، ناهيك عن كونها خطوةً أميركية ملموسة ضمن محاولاتها لعرقلة تقدم الصين في المجالات الاقتصادية والتقنية والتنموية عموماً. تطرّقت عدة مقالات بارزة إلى أهمية هذا الحلف وإلى ما يمثله في «الجغرافيا السياسية»، فمثلاً أكد أستاذ العلاقات الدولية البروفيسور «ستيفن والت» على أن سبب نشوء هذا الحلف وطريقة تشكيله يكشفان عما يتجه إليه العالم في قابل الأيام، وقالت مجلة «ذي إيكونوميست» في غير مقال بأن إقامة هذا الحلف تحاكي محطات تاريخية من قبيل زيارة الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون إلى الصين في سبعينيات القرن الماضي، وبأن حلف «أوكوس» يعيد تشكيل المشهد الإستراتيجي في منطقة «الإندو باسيفيك» برمّته.

لكن، رغم إجماع الآراء على أهمية ما يمثله هذا التحالف الأمني الثلاثي في السياسة الدولية، يبقى النقاش مفتوحاً حول ثقل هذا الحلف في الميزان الإستراتيجي، وإذا ما كان يُعد تبدلاً حقيقياً في ميزان القوى في مواجهة الصين في منطقة «الإندو باسيفيك». كان أبرز ما تمخّض عن حلف «أوكوس» توقيع أستراليا على عقد شراء ثماني غواصات حربية أميركية الصنع تعمل بالدفع النووي، وذلك عوضاً عن اثنتي عشرة غواصة حربية تعمل بالوقود التقليدي، كانت أستراليا قد تعاقدت على شرائها من فرنسا سابقاً، قبل إلغاء العَقْد لمصلحة عَقْد «أوكوس» الأميركي.
وتتميز الغواصات النووية الدفع عن نظيراتها التقليدية بأنها أسرع بنحو خمسة أضعافٍ، أي بنحو عشرين عُقدة بحرية للغواصات النووية الدفع في مقابل أربع عُقَد بحرية للغواصات التقليدية الدفع، وكذلك تتميز الغواصات النووية بأنها ذات قدرة عالية على الإبحار لمسافاتٍ بعيدةٍ، ومددٍ زمنيةٍ طويلةٍ، دون الحاجة إلى التزوُّد بالوقود، فمن الممكن القول بأن الغواصات النووية قادرةٌ عملياً على مواصلة العمل طالما توفّر لطاقمها الغذاء، ما يجعل من هذه الغواصات أداةً مثاليةً في عمليات فرض الحصار البحري على الدول، علماً بأن كلاً من مخزون الغذاء على متن الغواصة، وعدد الأيام التي يستطيع الطاقم قضاءها قبل أن يعتريهم الإرهاق، هما أمران ثابتان بمعزل عن نوع الوقود الذي تستخدمه الغواصة.
وتُعد الغواصات النووية أداةً فعالةً في عمليات الرصد والتجسّس أيضاً، وذلك بسبب قدرتها على الإبحار بصمت، ما يُصعِّب عملية اكتشافها وتعقبها من قبل الخصم. لكن في المقابل، وبناءً على معايير «برنامج ترايدنت النووي» البريطاني، تحتاج القوات البحرية إلى ثلاث غواصاتٍ بالحد الأدنى لضمان وجود غواصةٍ واحدةٍ في عمق البحر، وهذا يخفض القدرة العملانية للبحرية الأسترالية من ثلاث إلى أربع غواصات ، كانت لتحققها الصفقة الفرنسية، لتصير غواصتين أو ثلاثاً في أفضل الحالات حسب ما تُؤمِّنه صفقة «أوكوس» الأميركية، ونستذكر هنا جملة الأدميرال «هوراشيو نيلسون» حينما قال: الكثرة فقط هي التي تُبيد. ويجادل البروفيسور هيو وايت، أستاذ الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الوطنية الأسترالية، في مقال عن صفقة غواصات «أوكوس» النووية، بالقول إذا ما كان هدف أستراليا الانضمام إلى أميركا في حرب عسكرية ضد الصين، فعندها يكون خيار الغواصات النووية منطقياً، ويتابع، لكن أستراليا ليست قادرة على خوض حرب ضد جيش التحرير الشعبي الصيني وحيدةً، وبدون تواجد أميركي عسكري في منطقة «الإندو باسيفيك»، أما في حال وجود أميركا في المنطقة، فلا فرق عندها بين إذا ما كانت الغواصات الأسترالية نووية أم تقليدية، ويُفهم من حديثه بأنه في هكذا حرب ضد دولة نووية كبرى كالصين، يقع العبء الأكبر على عاتق أميركا، فهل من شأن غواصتين - أو ثلاث في أحسن الحالات - قلب موازين القوى بشكل جوهري في بحر الصين الجنوبي؟
وزيادةً على ذلك، كان يفترض أن تتسلّم أستراليا الغواصات الفرنسية بحلول عام 2030، بينما تحتاج الغواصات النووية الأميركية حتى عام 2040 على أقل تقدير لتكون جاهزة، وحتى ذاك الحين، على الأرجح أن تكون الصين قد حسمت لمصلحتها قضية تايوان، التي تعدها أميركا أمراً رئيساً في مشروع مناهضتها للصين، ناهيك عن أنها ستكون قد عزّزت تواجدها بشكل واسع بالفعل ضمن مجالها الحيوي.
أما إذا كان الحديث عن حلف «أوكوس» الأمني بصفته الشق العسكري من إستراتيجية أميركية أوسع لمناهضة الصين، فهكذا إستراتيجية يلزمها بالضرورة أولاً جانب اقتصادي، ولا سيما كون المنافسة الأميركية مع الصين تتركز على صعود هذه الأخيرة كعملاق اقتصادي عالمي، وثانياً، يلزمها تحالفات أميركية صلبة ذات مغزى وفعالية. ونجد بأن أول تداعيات حلف «أوكوس» كان إغضاب فرنسا، أحد حلفاء أميركا في «الناتو»، ووصف وزير الخارجية الفرنسي سياسة الرئيس الأميركي جو بايدن بالسياسة «الترامبية»، لكن بدون «تويتر»، وعدَّها «طعنة في الظهر» ممن يفترض كونهم حلفاء لفرنسا، ووصل الأمر إلى استدعاء فرنسا لسفيرَيها في أميركا وأستراليا للتشاور. وكانت ردة فعل الفرنسيين مفهومة، سيما أن صفقة الغواصات التي خسرتها كانت تُقدر بأكثر من 65 مليار دولار أميركي.
وأثار إقامة حلف «أوكوس» تساؤلاتٍ جدية لدى أعضاء حلف شمال الأطلسي عن موقع «الناتو» في الإستراتيجية الأميركية في مرحلة مناهضة الصين، حيث أقام الأميركيون هذا الحلف الثلاثي من وراء ظهر الأوروبيين، ذلك خلا بريطانيا التي كانت شريكة أميركا في تحالفها الجديد، ولا سيما أن الإعلان عن تحالف «أوكوس» جاء مباشرةً عقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي لم تنسّق فيه أميركا مع شركائها لا من أوروبيين ولا من غيرهم.
وأما في الجانب الاقتصادي، فكان معبِّراً ما كتبته مجلة «ذي إيكونوميست»، حيث عنونت: وأخيراً أميركا تُبدي جديةً في مناهضة الصين في آسيا، لكنّ تقوية التحالفات العسكرية ليست وحدها أمراً كافياً، لتمضي بالقول إن علاقة أميركا بالصين يلزمها أكثر من مجرد استعراضٍ للقوة، وإنه ينبغي على أميركا تضمين إستراتيجيتها جوانب أخرى، من قبيل التعاون مع الصين حول التغيّر المناخي ضمن قواعد للتنافس الاقتصادي، وهنا فالسياسة الأميركية لا تزال تعاني. وقد كان لافتًا قيام الصين بتقديم طلب انضمامٍ إلى «اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ» بعد يوم واحد فقط على إعلان إقامة حلف «أوكوس»، هذا الاتفاق التجاري الذي يمثل المنطقة التجارية الحرة الكبرى في العالم، والذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2017، ما أشار إلى عقليةٍ أميركيةٍ تجاريةٍ انعزاليةٍ، ولا يبدو أن أياً في أميركا يخطط إلى العودة إلى هذا الاتفاق بما في ذلك إدارة الديمقراطيين الراهنة، رغم تصريحات جو بايدن الانتخابية عن «تصحيح» ما قامت به إدارة دونالد ترامب، وعن نيته إعادة تقوية الشراكات الأميركية مع دول العالم. ويُعد تقديم الصين لطلب الانضمام هذا تعبيراً عن توجهاتها الاقتصادية، ويمكن إدراجه في سياق مناكفة أميركا، رغم الشكوك حول إمكانية قبول طلب الصين في هذه المرحلة من قبل الدول الأعضاء في «الشراكة عبر المحيط الهادئ».
إذاً، بنظرةٍ شاملةٍ لحلف «أوكوس» من جميع زواياه، نجد أنه يمثل تبدلاً عميقاً في «الجغرافيا السياسية»، كونه يعبر عن احتلال مناهضة الصين لرأس أولويات السياسة الخارجية الأميركية لسنوات قادمة، لكنه يظل خطوة عسكرية منقوصة «نصف إستراتيجية» كما وصفته مجلة «ذي إيكونوميست»، فعزّزت أميركا بهذه الخطوة العسكرية التحالف القائم أصلًا مع أستراليا، التي تُعد قزماً إذا ما قورنت بالصين سواءً أكان بعدد السكان أم بالقوة العسكرية، ناهيك عن كون أستراليا تعتمد بشكلٍ رئيسٍ على الصين في الجانب التجاري. مما لا شك فيه أن أميركا قد حقّقت ربحاً تجارياً من بيع الغواصات النووية الباهظة الثمن، لكنه يبدو قصير الأمد في مقابل تعثرٍ إستراتيجيٍّ طويل الأمد، نتيجة إثارتها مجدداً للشكوك حول مصداقيتها، وعن مراعاتها لمصالح حلفائها، سواءً أكانوا من «الناتو» أم من الدول الأخرى. فهل كانت إذاً أستراليا «بقرةً حلوباً» أخرى تم ابتزازها في حلف «أوكوس»؟ حيث استبدلت أستراليا صفقة فرنسية بأخرى أميركية تفوقها مرة ونصف مرة في القيمة، من أجل حيازة عتادٍ عسكريٍ مشكوك في حاجتها إليه، حسب ما خلص إليه البروفيسور «هيو وايت» بالقول: عند الأخذ في الحسبان مجموع العوامل المرافقة لتشغيل الغواصات النووية، تفوز الغواصات تقليدية الدفع بكل تأكيد، فيا ليت أدارت أستراليا تعاقداتها بقليل من المنطق.
وهل خضعت حكومة «موريسون» إلى تهديد البروفيسور الأميركي المعروف وأستاذ العلوم السياسية «جون ميرشايمر»، حيث كان قد خاطب نخبة من الإستراتيجيين الأستراليين خلال ندوة بعنوان «هل تستطيع الصين النهوض بسلام»، أقيمت في عام 2019 في أستراليا، قائلاً: يرى البعض أنه يوجد هناك بديل، السير مع الصين عوضاً عن أميركا، وفي هذا الخيار أقول - إذا قرّرتم السير مع الصين فعليكم فهم أنكم ستغدون أعداء لنا، وبأنكم تختارون العداء مع الولايات المتحدة الأميركية، فالحديث هنا يخصّ منافسةً أمنيةً حادةً، فإما أن تكونوا معنا وإما أن تكونوا ضدّنا، فإذا اخترتم الصداقة مع الصين، فهذا لن يجعلنا سعداء، وعليكم عدم الاستهانة بغضبنا حينما لا نكون سعداء، وما عليكم إلا سؤال فيديل كاسترو عن ذلك.
*كاتب وباحث سياسي