في 12 أيار/ مايو من عام 1948، وهو عام النكبة في فلسطين، جرى اجتماع ثلاثي في المكتب البيضاوي بين الرئيس الأميركي آنذاك هاري ترومان ووزير خارجيته الجنرال جورج مارشال الشهير، أما الثالث فكان مستشار ترومان، كلارك كليفورد، استعان به الرئيس لتقديم الحجج على ضرورة الاعتراف بدولة إسرائيل.

مارشال الذي كان سابقاً رئيس أركان الجيش الأميركي والذي نظّم وسهّل غزو أوروبا، وصاحب «خطة مارشال» التي أعادت إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كان بالنسبة إلى ترومان «أعظم أميركي على قيد الحياة»، لكنّه رغم ذلك، لم يكن اتجاهه معارضة إنشاء دولة إقليمية إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية هو نفسه اتجاه ترومان الذي ذهب نحو الاعتراف. وبحسب الوثائق، فإن ترومان فضّل حظوظه الانتخابية على ما هو أنسب لمستقبل الولايات المتحدة، «اليهود كتلة تصويتية مهمة وسوف يؤيدون القرار»، قال كليفورد لمارشال، وانتهى ذلك الاجتماع بشكلٍ حادّ. خرج مارشال من الاجتماع مصرّحاً: «إذا كنت سأصوّت في الانتخابات المقبلة، فسأصوّت ضد الرئيس»، بسّط الصحافيون ذلك التصريح بأن مارشال اعتقد أن ترومان كان يضحي بالأمن الأميركي من أجل الأصوات الانتخابية.
إلى ذلك، في الفترة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية واجتماع مارشال مع ترومان، أصدرت هيئة الأركان المشتركة ما لا يقل عن ست عشرة ورقة حول قضية فلسطين منشورة حالياً على موقع History State التابع للحكومة الأميركية، صدر أهمها في 31 آذار / مارس 1948 بعنوان «متطلبات القوة لفلسطين». وفي تلك الورقة، توقّعت هيئة الأركان المشتركة أن «الاستراتيجية الصهيونية ستسعى إلى إشراك الولايات المتحدة في سلسلة تتّسع وتتعمّق باستمرار بعمليات تهدف إلى تأمين أقصى قدر من الأهداف اليهودية». وتكهّنت هيئة الأركان المشتركة أن هذه الأهداف تشمل: السيادة اليهودية الأولية على جزء من فلسطين، وقبول القوى العظمى للحق في الهجرة غير المحدودة، وبسط السيادة اليهودية على كامل فلسطين، وتوسيع «أرض إسرائيل» إلى شرق الأردن وإلى الداخل، وأجزاء من لبنان وسوريا.
لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي أعربت فيها هيئة الأركان المشتركة عن هذا القلق. في أواخر عام 1947، أصدرت وثيقة جاء فيها: «قرار تقسيم فلسطين مدعوماً من الولايات المتحدة، من شأنه أن يضرّ بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرقين الأدنى والأوسط، لدرجة أن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة لا يمكن الحفاظ عليه بالقوة العسكرية».
وفي نفس السياق، كشفت مجموعة من المذكّرات التي كان يرسلها وزير الخارجية مارشال إلى الرئيس ترومان، منشورة على الموقع نفسه، وقد كانت موسومة بعبارة «سري للغاية»، عن مجموعة من الهواجس التي كان مارشال يستقرئُها وأخرى كان يستنبِطُها من سلوك اليهود مع العرب على الأراضي العربية.
في أغلب هذه الوثائق، كان مارشال يفضّل الوصاية أو إدارة الأمم المتحدة لدولة يتعايش فيها العرب واليهود، وقد اعتبر أن الاعتراف القانوني ليس مؤاتياً، عبّر عنه بأنه «سابق لأوانه»، ذلك أنه «سيؤجّج العالم العربي ويجعل من الصعب على الدول العربية تقديم تلك التنازلات التي سعى برنادوت (وهو وسيط دولي سويدي) جاهداً من أجلها للحصول على حل عادل لقضية فلسطين». توقّع مارشال أيضاً، أن «الدول الإسلامية في الأمم المتحدة ستتأثر بشدة بخطوة سابقة لأوانها لمصلحة إسرائيل، وأن الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى ستواجه بالتالي صعوبات إضافية ومتزايدة مع مشاكل مهمة أخرى أمام الأمم المتحدة». وقال مارشال في نفس المذكرة: «نعتقد أنه من الأفضل خدمة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال حجب الاعتراف القانوني».
قبلها بأسبوعين، كان مارشال قد أرسل مذكّرة إلى ترومان عن زيارته الممثل الخاص للولايات المتحدة في إسرائيل ماكدونالد. اعتبر فيها أن حلّ مشكلة فلسطين لا يكون بقوة السلاح، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية هي «قضية مأساوية»، وأن «قادة إسرائيل قد يرتكبون حسابات خاطئة خطيرة، إذا اعتقدوا أن المعالجة القاسية لهذه القضية المأساوية، يمكن أن تمر دون أن يلاحظها أحد من قبل الرأي العام العالمي».
إذًا، ركّزت مواقف مارشال على مجموعة اعتبارات:
- دعم دولة إقليمية إسرائيلية في الشرق الأوسط سوف يؤثر على أمن ومصالح الولايات المتحدة أولاً.
- الاعتراف بدولة يهودية سيؤجّج العالم العربي.
- الاعتراف بدولة يهودية سيؤدي إلى صعوبات إضافية ومتزايدة مع مشاكل مهمة أخرى أمام الأمم المتحدة والرأي العام.
- حسم المواقف بالعنف سيقوّض عمليات السلام.
- مصلحة اليهود أيضاً في حجب الاعتراف القانوني.
وهكذا أصبح مارشال ذا سمعة ليس فقط بأنه معارض لموقف الولايات المتحدة المؤيد لتقسيم لفلسطين، بل أوصى بشدة بألا تعترف الولايات المتحدة بدولة إسرائيل، فاتُّهم بأنّه معادٍ للسامية، ويتمّ استثمار هذه التهمة بانتظام منذ عام 1948 حتى اليوم. فهل كان مارشال حقاً معادياً للسامية؟ أم أنه كان «صاحب بصيرة» كما عبّر القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية الجنرال جو هاور.

التعنّت الإسرائيلي يمكن أن يودي بحياة الأميركيين
بتاريخ 13 آذار / مارس من عام 2010 وعلى إثر زيارة جو بايدن للكيان الصهيوني عندما كان نائب الرئيس أوباما، كتب مارك بيري مقالاً في مجلة Foreign Policy بعنوان: «موجز بترايوس: إحراج بايدن ليس كل القصة». شرح فيه بيري أنه في السادس عشر من كانون الثاني / يناير من عام 2010، قام فريق مؤلّف من ضباط القيادة المركزية ومسؤولين عن مصالح الأمن الأميركي في الشرق الأوسط، بتقديم عرض في البنتاغون لهيئة الأركان المشتركة التي يرأسها الأدميرال مايكل مولين حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وكان هذا الفريق قد أُرسل من قبل رئيس هيئة الأركان الجنرال ديفيد بترايوس ليؤكد على «قلقه من عدم التوصل إلى حل للنزاع».
وكان ملخّص العرض أن العرب بدأوا يقتنعون بأن الولايات المتحدة لا تستطيع ردع إسرائيل، ولذلك فقد بدأ العرب يفقدون ثقتهم بالولايات المتحدة ووعودها، وأن التعنّت الإسرائيلي في مسألة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يشلّ موقع ودور ومكانة الولايات المتحدة في المنطقة. وأضاف في العرض أن «الولايات المتحدة لم تصبح فقط ضعيفة في نظر العرب، بل إن موقعها العسكري في المنطقة يتلاشى»، على الرغم من وجود مئات الآلاف من الجنود الأميركيين في المنطقة. ويقول بيري إن الإيجاز الذي قُدم إلى مولين بطلب من بترايوس كان له وقع القنبلة على البيت الأبيض، ولذلك فإن إدارة أوباما أرسلت مولين إلى لقاء مع غابي أشكينازي. ويضيف مارك بيري أن بايدن نقل فحوى تقرير مولين - بترايوس إلى نتنياهو بقوله: «لقد أصبح الأمر خطيراً بالنسبة إلينا. إن ما تفعله هنا يهدد أمن قواتنا المقاتلة في العراق وأفغانستان وباكستان، وهذا يعرّضنا ويعرض الأمن الإقليمي للخطر». لقد كانت الرسالة في غاية الوضوح، كما يقول بيري، «التعنت الإسرائيلي يكلفنا حياة أميركيين». ويختتم بيري مقاله بالقول: «في الوقت الذي يظن فيه البعض أن زيارة بايدن للمنطقة قد غيّرت العلاقة الإسرائيلية – الأميركية، فإن التغيير الحقيقي حدث في كانون الثاني/ يناير الماضي (2010) حين أرسل ديفيد بترايوس تحذيراً واضحاً إلى البنتاغون من خلال الفريق الذي قدّم العرض: إن علاقة أميركا بإسرائيل مهمة، ولكنها ليست في أهمية حياة الجنود الأميركيين».

بعد «سيف القدس» أتى اليوم الذي وُصفت فيه «إسرائيل» بأنها دولة فصل عنصري داخل الكونغرس، كما اتُّهمت بأنها ترتكب «أعمالاً إرهابية»


الكيان الصهيوني يؤجّج منطقة غرب آسيا في وجه الولايات المتحدة: هذا العرض الذي قدّمه فريق بترايوس، يبدو مدركاً للترابط بين فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي من جهة، وما يجري في العراق وأفغانستان وسوريا من جهة أخرى، وهو يعترف بشكل غير مباشر، بأن قضية فلسطين والأراضي العربية المحتلة هي جوهر ما يجري في المنطقة التي لا يمكن أن تهدأ في ظلّ الوجود الصهيوني. فهو يعطي إشارات ضمنية إلى أنّ المقاومة ليست في وجه الاحتلال الإسرائيلي فحسب، وإنما في وجه كل من يؤيده ويدعمه بالسلاح والمال، ويوفر له الغطاء الدولي كي يستمر في عمليات الاستيطان والتهويد. وهو الأمر الذي أكّد عليه مارشال في مذكّراته.
تنبّؤ مارشال أن الدولة اليهودية ستشكل صداعاً للسياسة الأميركية المستقبلية: التحذير الذي صدر عن هيئة الأركان المشتركة أن «الاستراتيجية الصهيونية ستسعى إلى إشراك الولايات المتحدة في سلسلة تتّسع وتعمّق باستمرار عمليات تهدف إلى تأمين أقصى قدر من الأهداف اليهودية»، بدأ الأميركيون يتلمّسونه اليوم.
إثر عملية سيف القدس الأخيرة، كتب ستيفن والت مقالاً تحت عنوان «حان الوقت لإنهاء العلاقة الخاصة مع إسرائيل»، وهو كاتب عمود في مجلة فورين بوليسي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد. في هذا المقال اعتبر والت أن الولايات المتحدة قد بالغت في قيمة «إسرائيل» كرصيد استراتيجي في كثير من الأحيان، وأن الدعم غير المشروط لإسرائيل اليوم يخلق مشاكل لواشنطن أكثر مما يحلها. ويرى أن تكاليف العلاقة الخاصة بينهما مستمرة بالارتفاع، على أن هذه التكاليف سياسية وليست اقتصادية.
فعندما تقف الولايات المتحدة بمفردها وتستخدم حق النقض ضد ثلاثة قرارات منفصلة لمجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار، فإنها تعيد التأكيد مراراً وتكراراً على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وتفوّض بإرسال أسلحة إضافية بقيمة 735 مليون دولار إلى إسرائيل، وتقدّم للفلسطينيين خطاباً فارغاً فقط حول حقّهم في العيش بحرية وأمن مع دعم حل الدولتين (هذا الأخير هو احتمال لم يعد يأخذه عدد قليل من أهل العلم على محمل الجد)، فإن «ادعاءها بالتفوّق الأخلاقي أصبح مكشوفاً باعتباره أجوفَ ومنافقاً». يقول والت.
والتكلفة الدائمة الأخرى لـ «العلاقة الخاصة» كما يعبّر الكاتب، هي الاستهلاك غير المتناسب للنطاق التردّدي للسياسة الخارجية مع «إسرائيل». يواجه بايدن وبلينكين ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان مشاكل أكبر مما يدعو للقلق من تصرّفات دولة شرق أوسطية صغيرة. ومع ذلك، تتورّط الولايات المتحدة في أزمة من صنعها إلى حد كبير، «تتطلّب اهتمامها وتستغرق وقتاً ثميناً بعيداً عن التعامل مع تغيّر المناخ والصين والجائحة وفك الارتباط الأفغاني والانتعاش الاقتصادي ومجموعة من المشاكل الأكثر ثقلاً». ويضيف: «إذا كانت للولايات المتحدة علاقة طبيعية مع إسرائيل، فإنها ستحظى بالاهتمام الذي تستحقّه ولكن ليس أكثر».
ثالثًا، يؤدي الدعم غير المشروط لإسرائيل إلى تعقيد جوانب أخرى من دبلوماسية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. سيكون التفاوض على اتفاقية جديدة للتراجع عن إمكانات الأسلحة النووية الإيرانية ووضع حد لها أسهل بكثير إذا لم تواجه الإدارة معارضة مستمرة من حكومة نتنياهو، ناهيك عن المعارضة القاسية للعناصر المتشدّدة من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. «مرة أخرى، من شأن علاقة طبيعية أكثر مع الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تمتلك بالفعل أسلحة نووية أن تساعد جهود واشنطن الطويلة الأمد للحد من الانتشار في أماكن أخرى». يؤكد ستيفن والت.
إلى ذلك، يرى الكاتب أن رغبة الإدارة الأميركية في حماية «إسرائيل» تجبرها على الدخول في علاقات مع حكومات أخرى في الشرق الأوسط «ليس لها سوى القليل من المنطق الاستراتيجي أو الأخلاقي».
إذا كان التاريخ دليلاً، فإن ما قاله من يعتبر «أعظم جنود أميركا» قبل ستين عاماً، كان نبوءة استقرأها العديد من الوسطاء الدوليين والدبلوماسيين مثل الكونت فولك برنادوت من أصل سويدي، الذي اختارته الأمم المتحدة ليكون وسيطاً بين العرب واليهود بعد انتهاء الانتداب البريطاني. اغتيل برنادوت على يد عصابات الهاغاناه وأرغون بسبب اقتراحه وضع حد للهجرة اليهودية ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية. والجدير ذكره أن بريطانيا نفسها كانت معارضة لإعلان دولة إسرائيل في تلك الفترة، وكانت تفضل الوصاية أو الإدارة التابعة للأمم المتحدة، إلا أن الولايات المتحدة لعبت دورها في الضغط على المملكة المتحدة للاعتراف بالدولة اليهودية.
واليوم، وبعد معركة سيف القدس في أيار من عام 2021، تبدو الأجواء التي سيطرت في عام 2010 أكثر انقشاعاً وتثبيتاً، ولم تعد أي سياسة أميركية قادرة على تجميل الحقائق التي استشرفها مارشال، لقد أتى اليوم الذي وُصفت فيه «إسرائيل» بأنها دولة فصل عنصري داخل قاعات الكونغرس، كما اتُّهمت بأنها ترتكب «أعمالاً إرهابية»، وفي الحالتين لم تقابل هذه الاتهامات بمعارضة واسعة داخل الكونغرس. كما أن كلّ الاعتبارات التي أشار إليها مارشال في مذكّراته، تتثبّت مصاديقها يوماً بعد يوم، أمام الرأي العام العالمي والأميركي الذي لم يكن للإدارة الأميركية ما تقوله له، سوى مسارعة بايدن لوقف الحرب على غزة، بالإضافة إلى معضلة مقاومة الشعوب للكيان الصهيوني التي تزداد تأجّجاً وتراكم قوة إلى اليوم، وإعلان هذه الشعوب عداءها الواضح للولايات المتحدة.
لقد دخل جدال ترومان ــ مارشال حول «إسرائيل» إلى التقاليد الأميركية - وكان موضوعاً للجدل التاريخي الواسع النطاق. وما تمّ الترويج له بأن معارضة مارشال للاعتراف بإسرائيل هي انعكاس لمعاداة السامية، ليس إلا انعكاساً للمخاوف العسكرية الأميركية من أن يؤدي إنشاء «إسرائيل» إلى إشراك أميركا في الدفاع عن الدولة الصغيرة التي من شأنها أن تستنزف الموارد والأرواح الأميركية.

* باحثة لبنانية