رغم محاولات فرنسا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروجها من آخر مستعمراتها، لتجميل صورتها بتعميم مفاهيم الحريات والديمقراطية والسلم وغيرها، كل ذلك لم يغيّر من لغتها الاستعمارية التي لا تلبث أن تعود لها رغم تعاقب الحكومات عليها، وعادة ما تنزلق لتاريخها الأسود من حين إلى آخر، وقد كانت الجزائر خير شاهد على الغطرسة الإمبريالية الكولونيالية الفرنسية طوال ١٣٢ عاماً، قاومت خلالها بكل الأشكال أطول استعمار شهده التاريخ، لتأتي تصريحات ماكرون في محاولة لدس السم من جديد، والهروب إلى الأمام من الاستحقاق والمطلب الرئيسي، والذي لطالما طالبت به الجزائر منذ التحرير، ويبدأ بالاعتذار على الجرائم المرتكبة تاريخياً، كمدخل بعد ذلك لتسوية هذا الماضي يعقبه عدد من الإجراءات التي تعيد الحقوق المسلوبة كافة وما ترتب عن هذا الاستعمار، وتصريحات ماكرون التي اعتبر فيها أن كتابة التاريخ الاستعماري كان مبنيّاً على الكراهية من قبل الجزائر، واللعب على وتر الأمازيغية والعربية، إضافة إلى الزج بالعثمانيين كاحتلال هي محاولة للهروب من التزام حكومته بأي اعترافات تخشى من خلالها أن تؤدي بعد ذلك إلى ملاحقات دولية، وطبعاً الجزائريين الذين أعادوا رفات جنودهم بعد أكثر من نصف قرن أكدوا أنهم لم ينسوا ذلك الماضي ويحترمون قسمهم منذ التحرير، وأنهم على درب الراحلين، بل دفعت الجزائر ثمن مواقفها الثابتة مراراً وتكراراً خاصة تجاه القضية الفلسطينية ومنها تبني مؤتمر الاستقلال عام ١٩٨٨م، ولم تتوقف كل المؤامرات عليها منذ استقلالها عام ١٩٦٢م، في محاولة لضرب سيادتها إما على صعيد جبهتها الداخلية أو الخارجية، ومحاولة إسرائيل الدخول على هذا الخط وتغذية تسميم العلاقات المغربية الجزائرية، من خلال توقيع اتفاقيات تطبيع لحصار الجزائر، واستغلال فرنسا لمشكلة الصحراء وموقف الجزائر لزيادة وتيرة الاحتقان، كل هذه العوامل محاولات لاختراق الجبهة الجزائرية، تصاحبها التصريحات الفرنسية عن الوجود العثماني في الجزائر، متناسية أن العثمانيين هم من قاوموا هذا الاستعمار، بل إن فرنسا آنذاك كانت تعتبر أن أكبر خطر في البحر الأبيض المتوسط هو الأسطول العثماني بقيادة الجزائر، حيث كانت أكبر دول منها فرنسا وإسبانيا والبرتغال وغيرها تدفع الإتاوات والضرائب للسماح بمرور سفنها، حتى تحطم هذا الأسطول في معركة نافارين، ثم لا ننسى دور البحارة خير دين وعروج بربروس العثمانيين في الدفاع عن الجزائر، بل ولا ننسى محاولات الداي حسين الدفاع عن العاصمة ودور أحمد باي في الدفاع عن قسنطينة والشرق، وكانت تعليمات الباب العالي بعدم الاستسلام. لقد كانت الدولة العثمانية صاحبة كلمة، وهذا ما أرق مضاجع الاستعمار، وبقي هاجس لفرنسا حتى بعد سقوط الدولة العثمانية، وإن زجّ تركيا الحديثة في ذلك من حين إلى آخر لخلط الأوراق وربطها بالإسلام السياسي العالمي، هي ضمن محاولات التشويه وبث فوبيا الإسلام، وأيّاً كان موقف فرنسا من تركيا، لا يحق للأقرع أن يعاير الشايب، وعموماً الجزائر على الأقل لم تصرّح يوماً بأن العثمانيين كانوا استعماراً، والمؤرخون رغم حالة الجدل الدائرة لم يربطوا الوجود العثماني بالمنطقة كاستعمار، ولكن السياسيين الذين اختلفوا مع تركيا الحديثة أصبحوا يردّدون هذا المصطلح الذي تتساوق معه فرنسا وأمثالها من الدول الاستعمارية في محاولة للخلط بين التاريخ والسياسة، والدين والتاريخ، إلّا أن كل هذه المحاولات لن تغيّر موقف الجزائر الثابت من فرنسا والمطالبة بالاعتذار أولاً ثم تحمل فرنسا مسؤولية جرائم الاحتلال، ما غير ذلك هروب فاشل من الحق التاريخي.


* كاتب ومؤرّخ، عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب الفلسطينيين