لم يخرج مسار التّحقيق بشأن المسؤولية عن انفجار مرفأ بيروت، الكبير والخطير والمدمِّر، عن مسار التّوقعات الأكثر تشاؤماً. المحاسبة وتحديد المسؤوليات عن كلّ ارتكاب، مهما عظُم ، ليسا موجودَين في التقاليد «العريقة» لمنظومة المحاصصة السائدة.

لكن ذكرى مرور سنة على الانفجار القاتل كان لها موقعاً مميزاً في خارطة الصراع المتمادي في لبنان، تحديداً بالنسبة للفريق الذي توجّهه واشنطن عبر موفديها وسفارتها، وبالتعاون مع حلفائها وأتباعها الخارجيّين والإقليميّين والمحليّين. حملة التعبئة السياسية والإعلامية الهائلة كانت في خدمة استغلال الذكرى الأليمة لإحداث انعطافٍ نوعي كبير في مجرى متصاعدٍ لاستهداف «نواة» السلطة الممثّلة للأكثرية النيابية. كان المؤمل أن يتجمع من الحشود، ما يسمح، على الأقل، باجتياح المجلس النيابي. استُهدف مقر المجلس مراراً وتكراراً دون أن يتمكن «الثوار» من الوصول إليه بسبب قلّة عددهم، وكذلك بعد أن تحوّل إلى حصن حديدي تحرسه شرطة تابعة لرئيسه هي أقرب إلى ميليشيا منها إلى جهاز رسمي (شأن سائر الأجهزة الأمنية الموزعة الانتماءات والولاءات بين أقطاب المحاصصة المهيمنة على كل الأجهزة الرسمية، الأمنية والقضائية والإدارية والمالية و...). إسقاط المجلس كان سيشكل الخطوة الأولى الكبيرة نحو انهيار الدولة ورموزها ومؤسساتها التي ما زالت قائمة، ولو أن شرعيتها تآكلت إلى مستوى باتت معه مجرّد هياكل فارغة ينعق فيها الخراب ولا تملك حيال تعاظمه شيئاً.
إسقاط المجلس النيابي كان سيستتبع، بالضرورة، إسقاط رئيس الجمهورية الذي شكل الهدف الأول في مسار مُلِح لإحداث تحوُّل في السلطة لمصلحة الفريق المتعاون مع الثنائي الأميركي الخليجي (وثالثهما، ضمناً، الفريق الإسرائيلي). لم تنفع الدولارات الطازجة التي أنفقتها، أو نظمت إنفاقها، السفارة الأميركية في بيروت، على الأتباع والجمعيات والأحزاب. لم تنفع، أيضاً، الحملة الإعلامية الهائلة التي اختلطت فيها الشاشات والسياسات، متنافسة في التحريض لجرّ مئات الآلاف إلى الشارع تحت شعار: لكي «يكون ما بعد الرابع من آب، ليس كما قبله». لم ينفع أيضاً نزول البطريرك بشارة الراعي إلى الساحة بكامل عدته الكهنوتية والتنظيمية: يكرز بفضائل «الحياد» (حيال المشروع الصهيوني) الذي هو سرّ وجود لبنان في الماضي وضمانة بقائه في المستقبل. وهكذا لم يتجمّع مئات الألوف لإسقاط المجلس. لم يتجاوز عدد مهاجمي مقرّه بضع مئات: لم يتغير ما بعد 4 آب عما كان قبله...
قد يعتبر البعض ما عرضناه وما استنتجناه مجرّد تحليل أو وجهة نظرٍ بشأن هذه المحطة من محطات الأزمة المتعاظمة بشكلٍ لا يرحم. لكن د. سمير جعجع، رئيس حزب «القوات اللبنانية» «يصوّب» البوصلة في خطابه الأخير في 5 الجاري. بدت النعمة «الطازجة» جليّةً على الاحتفال الباذخ والذي قدّم فيه «الحكيم» نفسه «قبطاناً» منقذاً وليس «قرصاناً» أنانياً كما يفعل الرئيس ميشال عون. حاول جعجع تجاوز «نكسة» الرابع من آب ( الذي كانت تستحق ذكراه الأولى أكثر من مجرد استغلالها في الصراعات وفي مخطّط السفارات) ــ بإرادة وتصميم من اختبر الصّعود والهبوط، وبإصرار صاحب المشروع السياسي القديم الجديد، وبطموح السّاعي بثقة، بدت مبالغاً فيها، إلى سدّة الرئاسة الأولى، كشف جعجع بكامل الوضوح والصراحة، المراحل المقبلة من خطة فريقه سعياً لتأمين الغلبة ضد خصومه. تعتمد هذه الخطة في مرحلتها المقبلة على الانتخابات النيابية في أيار القادم. التعويل هو على ترجمة النقمة الشعبية في صناديق الاقتراع، ليس تعبيراً عن غضب وسخط المواطنين على المنظومة الحاكمة، بل من أجل تحقيق انتصار لفريق منها، هو الأكثر ارتباطاً بالمشاريع الغربية، على حساب فريق آخر. ببساطة، الفريق المعني، خصوصاً منذ عام 1992 حتى اليوم (أي منذ الحريري الأب الشهيد، حتى الحاكم الدائم رياض سلامة، مروراً بفؤاد السنيورة ومعظم أطراف منظومة التّحاصص والفريق السّوري الذي كان يوجّه السلطة... ) هو الذي اعتمد التوجّهات وأدار السياسات التي أدّت إلى انهيار البلد وإفقار وإذلال شعبه: بالنهب والفساد، بالأخطاء، بالفئوية، بالتبعية، بالرهانات الخاطئة داخليّاً وخارجيّاً... فعليّاً، ليس في جعبة جعجع، وهو يتصّدى ليتصدّر، إلّا تجريب المجرَّب في النهج والعلاقات والمواقف والنتائج...
إذاً التعويل الأول هو على ربح الانتخابات القادمة: بعدّة دعائيّة تحريضيّة هائلة، وبدولارات طازجة، وبتضليل المواطن، وبدعمٍ خارجي يُترجم عقوبات ووعوداً ووفوداً، وبعجزٍ ورعونة وفئوية معيبة للسلطة، وبغياب البديل الوطني. أمّا التعويل المُكمّل، ففي أن يصل جعجع إلى سدّة الرئاسة على الفور، بعد الانتخابات، وبعد إقالة الرئيس عون، فيُدير «حواراً وطنياً» يكرّس المتغيّرات المنشودة في التّوازنات والخيارات.
لكنّ جعجع الذي اختبر الصّعود والهبوط، كما أشرنا، استدرك، في حال حصول مفاجأة غير سارة في الانتخابات، بالتّهديد بخطّةٍ بديلة. إنها «الثورة الشعبيّة في الشارع» التي تدشّن سيناريو الفوضى بوسائل الفتنة والتقسيم والتوتّرات الشاملة والتّدخل الأجنبي... على غرار ما حصل أثناء الحرب الأهلية (1975-1989).
لا شكّ أن جعجع يأمل ويواظب ويحاول الاستنهاض. هو انتقل الآن، إلى القتال باللّحم الحيّ بعد أن انهار الكثير من الدّفاعات والأدوات الواقية والممّوهة من أمامه. يدرك جعجع أن سياسة واشنطن في عهد بايدن ليست مطابقة تماماً لسياستها في عهد ترامب. نكسة أفغانستان رغم جهود تحويل الهزيمة المدويّة بالمناورات، إلى مسار انتصاري، غير مضمونة النتائج. التّورط الأميركي في الخارج إلى مزيدٍ من الانحسار بما في ذلك من الشرق الأوسط. إسرائيل من جهتها، تمرّ بمرحلة اضطراب بسبب تحديّات مقاومة متصاعدة وارتباك قيادي وتحوّلات أميركية. أمّا السّعودية فتُكابد، دون العثور على مخرجٍ يحفظ ماء وجهها، مصاعب ومخاطر وخسائر لا تنتهي في اليمن.
رهانات جعجع القديمة الجديدة التقسيميّة ما زالت ماثلة بقوةٍ في ذهنه وفي إعلامه وفي الأجواء السائدة بين محازبيه ومناصريه. خطرها الأول أنّها تنشط حاليّاً في ظروف انهيارٍ في البلد، شامل وغير مسبوق. أما خطرها الثاني فكونها تقع في نطاق مشروع أميركي إسرائيلي خليجي يستهدف تعطيل المقاومة ضد العدو الصهيوني وضرب قدرتها على ردع عدوانه. مشروعٌ يستهدف أيضاً، إزالة العقبات التي تحول دون اندفاعة التطبيع مع العدو ودون الإمعان في تصفية حقوق ونضال الشعب الفلسطيني.
بين خيار المنظومة التّحاصصيّة الذي قاد إلى الانهيار، وبين الخيار التآمري الذي يشكل جعجع أحد أدواته الخطيرة، لا بدّ من خيارٍ جديد لإحباط التآمر وصيانة الإنجازات وإنقاذ لبنان واللبنانيّين من الكابوس المرعب الراهن.
* كاتب وسياسي لبناني