كلّ فترة زمنية تمر في المنطقة العربية حالة من التوتر، يمكن التعبير عنها بما اصطلح بالصفيح الساخن. وهو ما يعنيه من أخطار شديدة، تدل عليها أشباح تتقافز في المنطقة العربية وما يحيط بها في الجغرافية السياسية. وقد تتحول إلى حروب طاحنة، لا يعلم كيف تتطور ومتى تنتهي، ومن يكون وقودها،؟!. وهي في كل الأحوال تظل في حالة حافة الهاوية، وما يرعب فيها أنواع الأسلحة التي يمكن أن تُستخدم فيها.

تايلر سبانغلر (الولايات المتحدة)

وككل حالة تبدأ في مقدمات تجهز مسرح المنطقة، وقد يصحبها قرع طبول وتصريحات نارية، كما تطلق عليها في وسائل الإعلام. ومن بينها نقل معدّات وأعداد من قواعد أميركية عسكرية، كاملة أو جزئية، من قواعدها المنتشرة في دول الخليج العربي، ولا سيما التي كانت تحتل نصف مساحة قطر جغرافياً، إلى الأردن، وكذلك من أفغانستان، وتوقيع اتفاقيات عسكرية أميركية مع الأردن بشروط الاحتلال الأميركي أو أشد منه في التعامل الدولي، حيث لم يسمح للأردن في مجرد الاطّلاع على التحركات والخطط العسكرية الأميركية. كما حصل مع تأسيس السفارة الأميركية في العراق، وهذه الانتقالة العسكرية تتواصل مع إعادة انتشار أميركية عسكرية في المنطقة، من الخليج حتى البحر المتوسط، بالعكس من الحديث عن عملية انسحاب من المنطقة كاملاً. حيث تتحول القوات والقواعد العسكرية في الأردن إلى خط دفاع أول عن الكيان الإسرائيلي، من جهة، وخط هجوم أو تهديد للبلدان الأخرى في المنطقة، من جهة أخرى. وما يثير ذلك توسّع الوجود الأميركي في شمال شرقي سوريا، وتطوير القواعد العسكرية وتسمينها في العراق وسوريا، وعلى حدودهما الجغرافية، الشرقية والغربية، رغم ما جرى الادّعاء به في التوقيع على اتفاقية انسحاب من العراق، وتغيير عنوان الوجود العسكري فيه من قوات قتالية إلى تدريبية واستشارية. وهو أمر يسخر منه الواقع والأرقام التي لم تُعلن رسمياً، أو توزيع القوى بأشكالها المختلفة، ولا سيما المتطورة عسكرياً وقتالياً، والصواريخ المتطورة والطائرات وشبكات التجسس والاستطلاع على المنطقة العربية بالكامل، براً وجواً ومن البحار المحيطة بالمنطقة.
وفي فترات متفرقة حذّرت جهات روسية رسمية، عسكرية أو مدنية، من أخطار ما تقوم به الإدارة الأميركية من نشاطات وتهديدات في المنطقة، ولا سيما ما يحيط بالأوضاع الداخلية في سوريا. ولم تكن هذه التنبيهات الرسمية للإعلام والإخبار فقط، فهي بالتأكيد مؤشرات إلى ما يحصل أو يُخطط عملياً، ويضع المنطقة في دائرة خطر ، خارجي أو داخلي. ولعل ما حصل في أفغانستان من انسحاب القوات العسكرية الأميركية بهذه السرعة وتحوّلها إلى المنطقة احتياطاً، يشكل هو الآخر صورة عن المخططات الأميركية ومخاطرها المخططة على المنطقة. ليست مفاجِئة قرارات «البنتاغون» وإدارته عسكرياً، ومثلها تصريحات المسؤولين الأميركيين، وازدواجية المعايير والكذب والخداع في كل ممارساتهم وعلى مختلف الصعد والمجالات. والأوضح في ذلك تقرير وزارة الخارجية السنوي عن حقوق الإنسان وتناقضاته في الاتهام والتوجيه دون أي رقيب من عدالة أو قانون دولي. وكذلك مواقف الوزارة والوزير، من كل ما يحدث في المنطقة خصوصاً، دون نسيان أو إغفال والتذكير الدائم، بتصريح وزير الخارجية الأميركي في جولته الأولى في المنطقة: «بأن الولايات المتحدة تدعم بالكامل حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد إطلاق الصواريخ العشوائي. بالنسبة إلى بايدن، يُعتبر هذا الالتزام شخصياً وكان أحد أقوى مؤيدي إسرائيل منذ 50 عاماً». وهذه هي الوقائع اليومية للسياسة الأميركية وأهدافها، التي تستند إليها في الهيمنة والتدمير لبلدان المنطقة وتمزيق كياناتها المجزّأة منذ عقود لهذه الأهداف وما يستجد منها كل فترة.
ما يثبت ذلك ما تقوم به الإدارة الأميركية وحلفاؤها الدوليون والمحليون على الحدود العربية، والداخل منها، والذي يزيد في التقسيم والتهديدات الخطيرة لوحدة الشعوب والبلدان العربية أساساً، وزراعة قواعد عسكرية ونقاط حدود زيادة عما هو متراكم عددياً ومنتشر جغرافياً. مثلما يجري على الحدود اللبنانية السورية من تحركات أخرى، لبناء مهابط طائرات ونقاط حراسة ورصد ومواقع عسكرية، وتشرف عليها السفيرة الأميركية في لبنان بنفسها، بعد أن وفّر لها متخادموها المحليون كل المستلزمات الضرورية من معلومات إلى خرائط المنطقة، بعضهم استغلّ الامتيازات التي حصل عليها بغفلة من زمن عربي رديء. إضافة إلى إمكانات التقنية الحديثة ووسائل الرصد والتصوير الإلكترونية والفضائية. وجرى التصريح بالاتفاق مع قوات غير لبنانية، للمشاركة في المخطط. ومثله على الحدود الأردنية العراقية والسورية. وكذلك إرسال قوات بريطانية خاصة إلى وسط اليمن المحاصر، مثلما تتوزع على الحدود العراقية السورية والمناطق القريبة من الحدود الإيرانية من شمال العراق. وفي العراق إضافة إلى القواعد العسكرية المنتشرة والسفارة الأميركية الأكبر، في العالم، بناية وإعداد العاملين فيها، زاد حلف شمال الأطلسي، الناتو، عديد قواته في العراق إلى أضعاف مضاعفة، بقرار إرسال 4000 عسكري مسلح إلى 500 عسكري الموجودين سابقاً، وباسم التدريب والتعاون ضد الإرهاب!.
إضافة إلى القوات الأميركية والبريطانية المعلنة تتحرك قوات عسكرية تركية مصحوبة بطيران وتصريحات رسمية وخطط عنصرية ومشاريع استيطان، في الشمال السوري والعراقي. ويتم قصف وبناء قواعد ونقاط سيطرة دون اتفاق أو تفاهم، مستغلة عضويتها بالناتو والتنسيق معه ومع المخططات الصهيو أميركية في المنطقة كلها... مع الحديث عن وجود قوات أطلسية بإدارة أميركية علناً.
وأصبحت الإدارة الأميركية، وبعض حلفائها، يبحثون عن ذرائع لهجمات إعلامية وتحشيد رأي عام لاتهام حكومات عربية وإسلامية بقيامها باعتداءات أو مساع لحرب ضد الكيان الإسرائيلي أو القوات الأميركية أو حلفائها في المنطقة، كما حصل في ضرب سفينة تجارية يمتلكها إسرائيلي في بحر عمان، وتركيز الضغوط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومحاولات الانتقام منها في مواقع أخرى، منها لبنان وسوريا، وكذلك اليمن، وهو ما فعلته القوات الخاصة البريطانية التي احتلت مواقع لها على الأرض اليمنية. هذه الأعمال والنشاطات العملية في المنطقة لا تحتاج كثيراً إلى تفكير لمعرفة النوايا العدوانية وخطط الحرب فيها مع تهديدات يومية من العدو الإسرائيلي بشن الحروب وتوقيع المعاهدات والأحلاف التطبيعية مع المتخادمين الأذلاء...
في الصورة الأوسع نرى أن دولاً تحاصر الوطن العربي وتتحالف عليه وتعمل لزعزعة استقراره وأمنه القومي والاقتصادي، كما تفعل إثيوبيا في تفرّدها في بناء السدود، وهناك من يساعد في هذا الشأن من عرب الجنسية أو حكام باعوا أسماءهم لأعدائهم.
على العموم... إن المنطقة على صفيح ساخن، وإن السياسات الأميركية فيها تعمل على كل الصعد لأهدافها، من التهديد بالحرب والعدوان، وصولاً إلى الاحتلال المباشر أو الضمني كما فعلت وتفعل بنشر القواعد العسكرية أو بالحصار الاقتصادي وتجويع الشعوب والضغوط المتصاعدة لخنق الدول وتمزيقها. ولكن بالتأكيد ليس كل ما تعمل عليه الإدارة الأميركية تنجح فيه أو تنتصر به على الإرادات الوطنية والشعبية ومقاومتها الصابرة بقوة التصدّي والتحدّي والصمود.
* كاتب عراقي