من المؤسف أن يكون موضوع التطبيع ــ مع القاتل ومغتصب الأرض والحقوق ـــ موضوعاً لوجهات النظر، لكن يبدو أن فلسطين ستبقى ميزاناً لتمييز الناس، ما بين من يعرف الحقَّ وينصره وبين المتخاذلين.

كما أنّ هذا التباين في الرؤى والمواقف يخلق فرصةً لبيان الأساس الفكري والمنطقي لقضية مقاطعة العدو، ورفض التطبيع معه، مهما كانت الذريعة أو العنوان أو المجال، ومنه التطبيع الرياضي الذي يستسهل كثيرون شأنه، ويظنون أنْ لا خطرَ منه، بل ربما اعتبروا أنهم يقومون بنصرة فلسطين والتضامن مع أهلها من خلاله.

من تظاهرة في باريس أمام السفارة الإماراتية ، في أيلول/ سبتمبر 2020 (أ ف ب )

ولكي نكون واضحين في كلامنا، نقول: إنّ التطبيع الرياضي الذي نقصده، ينطبق على كلّ شكل من أشكال التواصل مع العدو تحت عنوان الرياضة، سواء أكان ذلك في صورة مباراة يخوضها لاعب أو فريقٌ مع لاعب أو فريق «إسرائيلي»، في مسابقة محليّة أو دولية، وفي أي نوع من أنواع الرياضة، أم في صورة استقبال لاعبين صهاينة على أراضٍ عربية أو إسلامية، بذريعة الالتزام بقوانين المنظمات الدولية الرياضية، أم كان ذلك عن طريق قيام لاعب أو فريق رياضي بدخول الأراضي المحتلة لخوض منافسة رياضية، ولو مع لاعب أو فريق فلسطيني، ما دام ذلك يتمّ تحت سلطة الاحتلال ورقابته.
1- الرياضة فعل أخلاقي:
منذ المسابقات الرياضية الأولى التي عرَفتها الحضارات القديمة، لم تكن الرياضة مجالاً لعرض المهارات الشخصية، أو لإظهار القدرة على التنافس فحسب، حيث رأى فلاسفةُ التربية أن الرياضة «تعليمٌ أخلاقي»، وأكّد أرسطو وغيره على النشاط البدني باعتباره «مسؤولية أخلاقية».
ومن هنا نشأ علم خاص بعنوان «فلسفة الرياضة»، التي هي مجال فلسفي يسعى إلى تحليل مفاهيمي لقضايا الرياضة كنشاط بشري؛ حيث تغطي هذه القضايا العديد من المجالات، وتقع في المقام الأول في خمس فئات فلسفية: الميتافيزيقيا، والأخلاق والفلسفة الأخلاقية، وفلسفة القانون، والفلسفة السياسية، وعلم الجمال.
بهذا الاعتبار لا يمكن القبول بتحويل الأنشطة الحياتية المختلفة التي يقوم الإنسان بتنظيمها، وعلى رأسها المسابقات الرياضية، إلى وسيلة للترويج أو التطبيع مع أي جهة تتناقض سياساتها مع القيم الأخلاقية الأساسية التي بُنيت عليها فكرةُ المسابقات الرياضية، ومنها قِيَم العدل والسلام، أو تخالف «الروح الرياضية» التي من معانيها التزام القانون، واحترام الآخر، والابتعاد عن الأذى والتهديد والإرهاب، وهي المعاني التي تناقضها أفعالُ الكيان الذي يمثّله اللاعبون الصهاينة ويرفعون علَمَه.
وبهذا الاعتبار أيضاً لا يمكن القول: إن الرياضة هي مجال محايد لا يمتّ إلى السياسة بصلة، لأنّه ما مِن فعل إنساني إلا وهو فعل سياسي من زاوية ما، ولطالما كانت المسابقات الرياضية تجلياً للصراع السياسي في العالم، وخاصة بعد إطلاق مسابقات الألعاب الأولمبية المعاصرة، ومسابقات كأس العالم لكرة القدم، وشواهد التاريخ القريب ناطقة بذلك.
2- الاحتلال بوصفه كياناً مناقضاً للقيم الإنسانية:
وبما أنّ العدو الصهيوني هو النموذج الأوضح لتلك الكيانات التي يقوم أصل وجودها على الباطل، وتستمر في هذا الوجود بسبب اعتمادها على الإرهاب، وعلى العنف المفرط بكافة أشكاله، مع جميع الذين لا يتوافقون مع سياسة هذا الكيان، وخاصة مع أهل الأرض وأصحاب البلاد، أي الشعب الفلسطيني، الذي احتُلتْ أرضه وتعرّض ولا يزال لحملاتٍ عاتية من التشريد والقتل والسجن والحصار، ومَنْعِه من الحصول على أبسط حقوقه الإنسانية، وسرقة موارده الطبيعية وتخريب آثاره الحضارية التي تمتدّ لآلاف السنين.
3- معنى المقاطعة الرياضية وأهميتها «المصافحة اعتراف»:
بناءً عليه، فإنّ مقاطعة هذا الكيان هي عملٌ أخلاقي ينسجم مع القيم والشرائع العادلة التي تتوافق عليها الإنسانية.
وحيث إنّ هذه المقاطعة لا معنى لها إلا إذا شملت كلَّ النشاطات الإنسانية، فإنَّ مقاطعة أي شكل من أشكال المشاركة الفردية أو الجماعية، مع الفِرَق أو اللاعبين الصهاينة، الذين يمثّلون الاحتلال، هي مقاطعة واجبة وضرورية وذلك بسبب:
1- أن «المقاطعة» تمثّل دفاعاً عن القيم الأخلاقية التي تقوم عليها الرياضة، وأن المقاطعة هي التعبير الصحيح عن «الروح الرياضية» الشريفة، التي ينبغي أن تحكم التنافس الرياضي، بخلاف ما يروّجه المتهاونون والمتعاملون.
2- الانتهاكات التي يقوم بها الاحتلال ضد الرياضيين الفلسطينيين، وتعريضه الكثير منهم للسجن والقتل والحصار، ومَنْعِهم من ممارسة رياضاتهم بشكلٍ آمِنٍ.
3- أنّ الرياضيين الذين يمثلون الاحتلال ـــ بمن فيهم اللاعبات ـــ هم في الغالب جنود فِعليُّون في الجيش الصهيوني، أو يدخلون ضمن جنود الاحتياط، وهم متورطون في أعمال القتل وجرائم ضد الإنسانية.
4- أن التنافس الرياضي مع هؤلاء ومصافحتهم هو اعترافٌ بالاحتلال الذي يمثلونه.
ونظراً لوعي الكثير من الرياضيين بهذه المعاني، وشجاعتهم في تحمل مسؤولياتهم الرياضية والأخلاقية والإنسانية، فإنّنا نشهد في العديد من المسابقات الدولية ـــ ومنها دورة الألعاب الأولمبية الحالية في اليابان ـــ قيامَ الرياضيين الشرفاء باتخاذ قرارِ مقاطعة أي نزالٍ أو مسابقة أو منافسة تضعُهم أمام لاعبٍ أو فريق يمثّل الاحتلال الصهيوني العنصري، رغم ما تؤدي إليه هذه القرارات من تسجيلِ نقاط على الرياضيين المقاطِعين، واستبعادهم من البطولات التي بلغوا فيها مراحل متقدمة، ومع ذلك فإنّ هؤلاء اللاعبين تحمّلوا تبِعات ذلك بكل شجاعة، بل كانوا يعبّرون عن افتخارهم بهذا الموقف الذي اتخذوه.
فضلاً عن ذلك، تؤدي المقاطعة في المجال الرياضي إلى تفويت الفرصة على الدعاية الصهيونية، التي دأبت على تضخيم حجم مشاركات لاعبي الاحتلال في الميدان الرياضي، التي هي مشاركات هزيلة بكل المقاييس، ولكن الإعلام الصهيوني يحاول الاستفادة منها لأهداف تتوافق مع سياساته العدوانية، ومنها:
1- تقديم الكيان الصهيوني المحتل بوصفه دولة طبيعية تشارك في النشاطات الإنسانية.
2- تشويه صورة كل إنسان يناهض الإرهاب الصهيوني، أو يعمل على كشف الزيف والباطل الذي تقوم عليه دولة الاحتلال.
وعندما نشارك في أي نشاط مع الرياضيين الذين يمثلون الاحتلال، فإننا نُسهم في مضاعفة حجم الاستفادة الصهيونية، ونساعده على تحقيق أهدافه الخبيثة. ولا يمكن التذرع بأنّ المجال الرياضي هو مجال محايد، لأنّ العدو لا يتعامل معه بحيادٍ أصلاً، وإن كان يطلب منّا ذلك.
* باحث فلسطيني