بعد دخول حركة طالبان إلى كابول، بيوم 15 آب/ أغسطس 2021، تقاطر عشرات الآلاف من الأفغان، إن لم يكن مئات الآلاف، إلى المطار لركوب الطائرات الأميركية التي أرسلت لإجلاء الرعايا الأميركيين وما أسماهم مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان بـ «المتعاونين الأفغان» في فترة الاحتلال الأميركي لأفغانستان في العشرين عاماً الماضية. كان منظر أولئك المتعاونين لافتاً للنظر من حيث عددهم الكبير، وغلبة عنصر الشباب بينهم، ووجود عنصر الجنسين بينهم، ومن الواضح أن معظمهم متعلمون، رغم أن بينهم ،وفق التقارير التي نشرتها الصحف الأميركية، طبّاخون، وسائقو سيارات، وأفراد حراسات للمنشآت والمقرّات وسكن الأميركيين، حيث كان واضحاً من تلك التقارير أنّ الغالبية من المتعاونين كانوا من المترجمين ،ومن المتعاونين الاستخباراتيين، ومن أفراد «مجتمع مدني» انتظموا في منظمات أنشأها الأميركيون، وبعضهم محلّلون سياسيون للشأن المحلي الأفغاني بعد أن أصبحت هناك قناعة راسخة في المجمع الاستخباراتي الأميركي إثر 11 أيلول/ سبتمبر 2001 بأن العنصر المحلي، وليس الأجنبي، هو الأساس في جمع المعلومات الاستخباراتية الأميركية وفي تحليلها (وهما مرحلتان منفصلتان) عن البلد المعني.

يثير ذلك المنظر في مطار كابول الكثير من التفكير حول أحوال مماثلة جرى فيها بالعشرين سنة الماضية (وقبلها عراق التسعينيات بين حرب 1991 وغزو 2003) إظهار الكثير من الشهيّة الأميركية، ومع الأميركيين كان هناك مشاركة أوروبية، نحو تمويل ومساعدة وإبراز منظمات حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الأقليات، ومراكز دراسات وأبحاث، ومواقع إلكترونية إعلامية خبرية أو تحليلية، في مصر ولبنان وسوريا ،إضافة إلى ورشات حول تلك المواضيع في أوروبا، وفي المنطقة كانت تجري في لبنان 2012 ــ 2018، خصوصاً لسوريين، وفي مصر 2005 ــ 2010، زائد منح دراسية لأولئك «الناشطين»، أو من يرشحونه، في الجامعات الأوروبية غالباً. في حالة السوريين كان هناك تمويل لمنظمات كانت تشتغل في الداخل السوري قبل أزمة 2011 ــ 2021، ولكن كانت الحالات الغالبة هي لورشات في الخارج، وبعد بدء الأزمة السورية جرى تمويل كثيف لمؤتمرات سورية في الخارج، ولمنظمات ومراكز أبحاث ودراسات لسوريين ومواقع إلكترونية في تركيا وأوروبا، كما جرت ندوات وورشات لسوريين ،كانت بتمويل من الاتحاد الأوروبي أو من مجلس الكنائس العالمي، حول المواضيع المذكورة، إضافة إلى منح دراسية في الجامعات غالباً الأوروبية.
يمكن القول هنا بأن منظر مطار كابول قد كشف عمق حالة اجتماعية في بلدٍ محتلّ يمكن تسميتها بجيشٍ من المتعاونين، بالتأكيد يوجد توأم له في العراق المعاصر، وتوجد حالات قريبة له في بلد كان يقترب من انفجار أزمته مثل مصر 2005 ــ 2010، أو جنينية منه مثل سوريا 2004 ــ 2010، فيما توجد حالات قريبة منه يمكن لمسها في سوريا 2011 ــ2021 وفي لبنان 2019 ــ 2021. استغلت في حالة مصر المذكورة ضعف قبضة حسني مبارك المترافقة مع بداية مراجعة أميركية لوضع أنظمة المنطقة إثر 11 أيلول/ سبتمبر 2001، واستغلت حالات الأزمة في سوريا ولبنان، في ما يبدو أن الشغل الأميركي من أجل تكوين جيش المتعاونين العراقيين في مرحلتي 1991 ــ 2003 و2003 ــ2021 يمكن أن يعطي منظراً عراقياً أكبر من منظر مطار كابول.
في الحالات العراقية والمصرية والسورية واللبنانية المذكورة يوجد الكثير من الماركسيين السابقين الذين خلعوا قميصهم القديم وارتدوا قميص الليبرالية وبعضهم مازال عارياً. كذلك يوجد الكثير من الشباب المتعلم ،من الجنسين، ولكن بدون فكر ولا يؤمنون بغير المصلحة الشخصية، وبعضهم رغم كونه متعلماً أو يحمل شهادات جامعية، يظن بأنه إن كان يرطن باللغة الانكليزية مع خلطها بكلماتٍ عربية يجعله شخصاً «عصرياً» أو من سكان لندن، وليس مهماً هنا إن كان يتقن الإنكليزية أم لا، المهم المنظر الذي يمكن أن يصل لحدود كاريكاتورية عندما يكتب هؤلاء بوستات على صفحاتهم بالفايسبوك باللغة الإنكليزية يمكن لأي أستاذ باللغة الإنكليزية أن يقوم بترسيبهم بالمادة بعد فحصها. يمكن لهؤلاء أن ينطبق عليهم مصطلح الذي لا يؤمن بوطن، بل يؤمن بأن «الوطن هو حيث يكون هناك شروط حياة أفضل»، وهي عبارة قالها شخص شيوعي سوري في العام 2002، وكان الرد عليه من كاتب هذه السطور بأن «شروط الحياة في إسرائيل أفضل من سوريا فهل تعيش هناك؟». والغريب أنه سكت ولم يصب بالتّلبّك والإحراج أمام ذلك الجواب، والشخص المذكور انتقل إلى الليبرالية عام 2005، وهو يعيش الآن في ألمانيا.
لقد دفعت ممارسات حركة طالبان في فترة حكمها 1996 ــ 2001 التي فيها اضطهادٌ للحريات والمرأة والأقليات ومحاولة فرض قوانين من القرون الوسطى الكثيرين من الأفغان للترحيب بالغازي الأميركي، ولكن بالتأكيد كان الكثير منهم يؤمن بنظرية (الصفر الاستعماري) لصاحبها رياض الترك، أي أن الأميركي المحتل سيجعل أفغانستان «أفضل» حسب تلك النظرية التي قالها رياض الترك (مقابلة مع جريدة «النهار»، 28 أيلول/ سبتمبر 2003) بخصوص غزو العراق، وهو ما شكّل الحافز الرئيسي عندهم للتعاون مع المحتل الأميركي. في البلدان العربية المذكورة آنفاً (ولبنان يظل حالة خاصة) كانت ممارسات الأنظمة العسكرية واحتكار السلطة لفرد أو حزب قد أشعرت الكثيرين بأن البلد هو امتياز للقريبين من السلطة وأن المناصب والوظائف والتعيينات تؤخذ من منطلق «الولاء لا الكفاءة»، وهو ما أشعر الكثيرين بالغربة في بلدهم، وعلى الأرجح أن هذا ما يدفع الكثيرين للتطرف أو للهجرة أو للاستعداد للتعاون مع الأجنبي، وهو ما يترافق مع ضعف الاهتمام بالقضايا العامة إلى درجة يمكن أن نرى جامعيين متفوقين في دراساتهم لا يعرفون المفاصل الرئيسية لتاريخ بلدهم ومعظمهم لا يؤمن سوى بذاته وخلاصه الفردي. هؤلاء الذين أنتجتهم الأنظمة العسكرية العربية ودفعتهم للعدمية الفكرية كانوا توأم المتعاونين الأفغان أو حالاتٍ كامنة لذلك. في العراق 1991 ــ 2003، وسوريا 2005 ــ2021 كانت المعارضة التي تؤمن بتزاوج الوطنية مع الديموقراطية ضعيفة، فيما كانت المعارضة التي تنادي باستجلاب التدخل العسكري الخارجي لإحداث تغيير داخلي أقوى. في إسبانيا فرانكو 1939 ــ 1975، وتشيلي بينوشيه 1973 ــ 1989، كان تزاوج الوطنية والديمقراطية عند المعارضة بالغ القوة.
* كاتب سوري