قبل أسابيع أعلن الحزب الشيوعي العراقي في بيان فخور ودراماتيكي أن الحزب قرَّرَ بعد طول تفكير مقاطعة الانتخابات النيابيّة المقبلة بسبب «تعمّق الأزمة السياسيّة والأمنيّة في البلاد». والحزب هذا كان مُمثّلاً ـــ وبزهو أميركي تناسى الماكارثيّة العريقة ــــ في مجلس بريمر الاحتلالي في العراق، لا بل أن بريمر كان يشيد باستمرار بتعاون الحزب الشيوعي العراقي مع سلطة الاحتلال. أكثر من ذلك، كان بول بريمر يقول إن الشيوعيّين في مجلس الحكم الصوري الاحتلالي كانوا أكثر تعاوناً من باقي الأطراف المتعاونة مع الاحتلال. وكان الجمهور الأميركي يقهقه عندما كان بريمر يذكر ذلك ساخراً. المسألة تستحقّ التأمّل في تاريخ الشيوعيّة العربيّة: الحزب الشيوعي العراقي قبلَ بالانتخبات في ظلّ احتلال أميركي مباشر، لكنه قرّرــ عن مبدأــ مقاطعتها في أكتوبر المقبل بسبب «تعمّق الأزمة». أي أن الحزب لم يرَ أثراً لأزمةٍ عندما قرّرَ الاحتلال الأميركي إجراء الانتخابات لإسباغ الشرعيّة على حكمه. الغزو والاحتلال الأميركي لم يعمّق «الأزمة السياسية والأمنيّة» في البلاد حسب معايير الحزب الشيوعي العراقي. هذه الحقيقة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي يجب أن تُضاف إلى تاريخٍ من المواقف للأحزاب الشيوعيّة العربيّة التي جعلتها بعيدةً عن المزاج الشعبي. هي قبلت بتقسيم فلسطين في عام ١٩٤٧ بناءً على أوامر من الاتحاد السوفياتي، عندما كان فرج الله الحلو يقول إن صراعنا مع الصهاينة هو صراعٌ «سياسي».

ملصق صممه الفنان الراحل بول غيراغوسيان لـ «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» (1984) تحيّة لـ «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانيّة» (جمّول) – مجموعة زينة معاصري (ملامح النزاع)

وفي آذار الماضي، خطب حنا غريب (القيادي اليساري النقابي الذي عُرف بشجاعته وصلابته ومبدئيّته ونضالاته) في بيروت في مناسبة من مناسبات الحراك الشعبي وانتقد في الخطبة هؤلاء الذين يلومون المقاومة وسلاحها فيما هم يروّجون للتطبيع مع إسرائيل ــ أي كان يشير إلى أتباع أنظمة الخليج في صف الإعلام والثاو الثاو في لبنان. ونشرت صفحة غريب على تويتر مقاطع من الخطاب، بما فيها ما ورد هنا. لكن بعد ساعاتٍ فقط، اختفت هذه التغريدة دون غيرها عن صفحة حنّا غريب. الجناح الشبابي في الحزب الشيوعي اعترض على هذا الدفاع عن سلاح المقاومة وخشي، على الأرجح، أن يؤدّي نشرها إلى تباعدٍ مع باقي حلفاء الحزب في الانتفاضة (هي لا زالت جارية، أليس كذلك؟) مثل حزب الكتائب اللبنانيّة الذي عقد معه قياديّون شيوعيّون اجتماعاً (واحداً؟) تنسيقيّاً. كان حزب الكتائب يطارد الشيوعيّين في كل أنحاء بيروت الشرقيّة ويقتلهم أو يطردهم أو يسجنهم، قبل الحرب الأهلية وبعدها. إنّ حملات قوى الانعزاليّة اللبنانيّة ضد شيوعيّين وقوميّين سوريّين في بيروت الشرقيّة لا تزال غير معروفةٍ في سجّلات الكتابة عن الحرب الأهليّة. الحزب الشيوعي كان هو الذي طرحَ فكرة عزل حزب الكتائب في ١٩٧٥، وهو اختار هذه الفترة في الذات للتنسيق مع الكتائب فيما يخوض سامي الجميّل حملةً سياسيّة منسجمة ومتطابقة مع توجهّات التحالف الإسرائيلي ــ الإماراتي ـــ السعودي. وأجندة الحزب كانت صهيونيّة منذ الخمسينيّات (عندما بدأ الحزب بتلقّي الدّفوعات من إسرائيل) حتى يومنا هذا. لم تتغيّر قيد أنملة، والدّليل على ذلك أنّ الحزب لم يجرِ مراجعةً لعلاقته مع العدوّ لا بل هو يجاهر بها ويزهو ولا يزال يحتفل بذكرى تنصيب جيش الاحتلال لأخوين من آل الجميّل رؤساء للجمهوريّة اللبنانيّة. حزب الكتائب لم يتغيّر، لكن الحزب الشيوعي اللبناني تغيّر، وتغيّر كثيراً.
لكن سمات التغيير في صفوف الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، واليسار العربي بصورة عامّة، بادية للعيان. وليست هذه مناسبة لتحليل أسباب سقوط اليسار العربي لكنّ العمليّة كانت طويلة والحرب ضد اليسار له تاريخ طويل، وشاركت فيه أنظمة الخليج وحركة الإخوان المسلمين ودول الغرب (كان يمكن أن نضيف الليبراليّة العربيّة واليمين لكن هؤلاء ــ مثل جريدة «النهار» و«الحياة» في سنوات الحرب الباردة كانوا أدوات للغرب ولأنظمة الخليج). كل الوثائق المنشورة (وأرشيف فريد شهاب) تشير إلى حجم الاهتمام الأميركي بحركة اليسار في لبنان. كان هناك اختراقاً في القيادة الشيوعيّة وفي قيادة المنظمّات الفلسطينيّة. وقد اطلع الباحث الأميركي، نيت جورج، في أطروحته لنيل الدكتوراه في جامعة رايس، على وثيقةٍ أُفرج عنها حديثاً، وفيها يتباحث غسان تويني مع الدبلوماسيّين الأميركيّين في شؤون وزارته (وكان قد تبوّأ حديثاً منصب وزير التربية في «حكومة الشباب» في أوّل عهد سليمان فرنجيّة). ويتطوّع تويني (الذي كان بعض اليسار يتعاطف معه ويظنّ أنه تقدميّ بالمقارنة مع باقي أقرانه) لإبلاغ السفارة الأميركيّة أن من أوّل أعماله في وزارة التربية ستكون في التدخّل المباشر في الانتخابات الطلاّبية في الجامعة اللبنانيّة لتعطيل فرص نجاح اليسار ولترجيح كفّة «حركة الوعي» اليمينيّة (كانت «حركة الوعي» تطرح نفسها على أنها وسط بين يمين ويسار لكنها كانت فعلاً يمين، وكان بول شاوول وعصام خليفة من أقطابها).
ماتت «جمّول» ميتة طبيعيّة بسبب هجرة اهل الجنوب للأحزاب الشيوعيّة والبعثيّة... لكن بعض الحملات التي تخاض باسمها اليوم هدفها شيطنة المقاومة الحاليّة ضد إسرائيل


اليسار العربي كان شديد التبعيّة للاتحاد السوفياتي ولدول أوروبا الشرقيّة. كما أن بعض الأحزاب الشيوعيّة استفادت أيضاً من عطاءات دولٍ عربيّة (مثل العراق وليبيا والجزائر واليمن وغيرها). وبسقوط تلك الأنظمة، انهار الكثير من هذه الأحزاب التي فشلت على مدى عقودٍ في بلورة فكرٍ خاص بها. تراجع أعداد مجلّة «الطريق» وتفتّش عبثاً عن محاولة لكتابة مسافة بين الحزب الشيوعي اللبناني وبين الإتحاد السوفياتي. لم يكن هناك قبولٌ لفكرة حدٍّ أدنى من الاستقلالية وكان ضباط في ال«كي.جي.بي» يوجّهون الجبهة الديموقراطيّة (كان ياسر عرفات في حصار بيروت يسأل نايف حواتمه باستمرار: ماذا يقول صاحبك، في إشارةٍ إلى ضابط ال«كي.جي.بي» الراعي). وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي تعثّرت كل الأحزاب الشيوعيّة وبات اسمها في حدّ ذاته عبئاً عليها ــ بنظرها. وهيمنة الرأسماليّة المتوحّشة والفكر النيوليبرالي احتاجت لأكذوبة أن لا يمين ولا يسار بعد اليوم. وطلع اليساريّون السابقون الذين أحاطوا برفيق الحريري، الذي استأجر أو ابتاع خدماتهم، بنظريّة أن لا يمين ولا يسارَ بعد وصول رفيق الحريري إلى الحكم لأنه مُحاط بيمينيّين ويساريّين ووسطيّين. كان على محمد كشلي (اليساري العتيق الذي اختاره الحريري لمساعدته في ضرب الحركة العمّاليّة) أن يصدر عن دار نشره، ابن خلدون، كتاب «رفيق الحريري ونهاية التاريخ». من الواضح أن الشيوعيّة الحالية مُشبّعة بالفكر الليبرالي وبمعاييرَ أقرب إلى الليبراليّة الغربيّة منها إلى الشيوعيّة بأيٍّ من مدارسها. هي لم تتأثّر ب«الماركسيّة الغربيّة»، مثلاً، والتي كان يمكن أن تغني التجربة الشيوعية العربيّة. الليبرالية أثرّت على مسارها، لا «الماركسية الغربيّة». الشيوعيّة العربيّة الحديثة تحاول أن تبعد نفسها عن كل رموز الشيوعيّة. وأصبحت صورة غيفارا هي المفضّلة لأن الرأي العام لا يعرف أن الرجل الوسيم كان شيوعيّاً ثائراً. وتبدو معالم الليبراليّة في الشيوعية العربيّة المعاصرة في تبنّي أفكارٍ غير جذريّة حول الاقتصاد وحول السياسيّة. هل هناك من طرحٍ للتأميم من قبل الأحزاب الشيوعية العربيّة في العراق أو لبنان أو السودان أو في بلدٍ عربي؟ هل هناك طرح مضاد لدور السوق وتعزيز القطاع العام؟ هل هناك من طرحٍ يرفض برامج صندوق النقد أو البنك الدولي؟ هذه هي السمة السائدة لليبراليّة العربية وهي تظهر في الخطاب الذي يُناصر القضايا التي تشغل ليبراليّي الغرب، حيث يصبح برنامج المنظمة الصهيونية الخبيثة، «هيومن رايتس ووتش»، وأدبيّات دكاكين الأمم المتحدة والمجتمع المدني نبراساً لليساريّين العرب. والخطورة في التناسق بين الشيوعية العربية وبين الليبرالية الغربيّة أن افتقار الأحزاب الشيوعيّة للتثقيف الماركسي للأعضاء سهّل من ارتحال الأحزاب نحو الليبراليّة. والهجوم العنيف من قبل اليمين الرجعي المتحالف مع أنظمة الخليج لا يرحم في نقده أيّ تحالفٍ بين يسار وبين قوى مقاومة إسرائيل. والنخب الثقافيّة العربيّة إذا لم تكن مطلقة الانصياع لأنظمة الخليج فإنها باتت اليوم مطلقة الانصياع بعد حفلة التطبيع الإماراتي ــ الإسرائيلي حين أمعن النظام الإماراتي (لأكثر مرّة في تاريخه) في ابتياع الكتاب والساسة والفنانين لأنه لم يكن يتحمّل حملاتِ نقدٍ بعد إعلان تحالفه الصفيق مع العدوّ الإسرائيلي.
والسّمة الثانية للشيوعية العربيّة الحاليّة هي في تخفيض مرتبة الولايات المتحدة كإمبرياليّة متوحّشة تفرض هيمنةً عالمية لم يسبقها إليها أي امبراطوريّةٍ غابرة. وفي تلك المحاولة (كما ظهر من ذلك البيان قبل أشهر الذي وقّعه أكاديميّون غربيّون يساريّون وبعض العرب، ويحمل توجّهات المعارضة السوريّة المسلّحة ودُعاتها) يشتدّ التحريض ضد روسيا والصين وإيران. لكن المحاولة هذه مصطنعة لأنه لا يمكن مقارنة التدخلات العسكريّة الروسيّة في سوريا أو الصينيّة (أين؟) أو الإيرانيّة في سوريا مع السطوة والهيمنة والحروب العسكريّة الأميركيّة حول العالم. لأميركا قوّات في أكثر من ١٥٠ دولة في العالم وهي تنشر أكثر من ٢٠٠،٠٠٠ جندي حول العالم ولديها ٨٠٠ قاعدة عسكريّة في العالم، مقابل قاعدة عسكريّة روسيّة في طرطوس وقاعدة للصين في جيبوتي. إن المساواة بين القوة الجبارة القاهرة العالميّة وبين قوى لا يمكن أن تُقارن بقوّة أو جبروت أو هيمنة أو جشع أو حروب أميركا في العالم يُفيد الدعاية الأميركية، ومن المرجّح أنها تنفق عليها. إن الحكومة الأميركيّة (في عهد بايدن أكثر مما في عهد ترامب ربما لأن بايدن يمثّل إجماع القيادة المتنفّذة في الحزبين وقيادة الجهاز العسكري ــ الاستخباراتي ولوبي الحروب) باتت تضخّ الميليارات في حملات تحريض ضد الصين وضد روسيا وضد أعداء إسرائيل، مثل إيران وقوى المقاومة في المنطقة. إن الاستثمار بالميليارات في أوّل عهد بايدن من أجل محاربة الصين ومنع اتساع نفوذها حول العالم (ولو بأعمال الخير، الذي يُسمّى هنا بـ«القوة الناعمة»، لأن عنصر القوّة هو الطاغي في سياسة الامبراطوريّة). واعتناق اليسار العربي (عبر شخصيّات أو أفراد، لا يهم) للجهد الأميركي في تخويف العرب من الصين ومن روسيا لا يمكن تفسيره بالوقائع على الأرض. ما هو الخطر الذي تشكّله الصين على العرب مقارنةً بأميركا التي لم تتوقّف منذ عام ١٩٩١ عن شنّ الحروب، المباشرة أو بالواسطة أو عبر جيوشٍ عربيّة تدرّبها وتأمرها؟ الصين ليست صين ماو تسي تونغ، وهي تستثمر في الكثير من الشركات في إسرائيل (إلى درجة أن أميركا حذّرت إسرائيل أخيراً من اتساع الاستثمار الصيني في الكثير من القطاعات الاقتصادية التي تعتبرها أميركا حسّاسة، مثل الاتصالات والتكنولوجيا).
السّمة الثالثة في اتجاهات الشيوعية العربيّة الحاليّة هو هذا الحرص على الابتعاد عن كل ما يتعلّق بحركات المقاومة. موقف الشيوعيّين العرب المتبقّين من المقاومة هو ليس موقف جدّي. نأخذ لبنان مثلاً. اختار الشيوعيّون (فرادى وناشطون في الحزب) الوقوع في فخ حركة ١٤ آذار. من المعروف أن حركة ١٤ آذار، في بداية حربها ضد ٨ آذار زعمت أنها مع المقاومة (والحرب كانت خافتةً في البداية: الذي يرجع لتلك الفترة يتذكر أن كل أقطاب ١٤ آذار وكتّاب السعوديةــ الإمارات كانوا يزعمون كذباً أنهم مع مقاومة إسرائيل). لكن بالتدرّج، طلعت ١٤ آذار بصيغةِ أنها هي مع مقاومة إسرائيل لكن مع مقاومةٍ غير طائفيّة وهنا بدأ الترويج لأسطورة «جمّول». أي أن الشيوعيّين لم يخلقوا هالةً حول «جمّول» من تلقاء أنفسهم بل ورثوا المهمّة من ١٤ آذار. لا تجد لا في التسعينيّات ولا في الألفيّة جهوداً شيوعيّة في الكتابة عن «جمّول» وفي تعريف الناس عنها. أي أنّ الشيوعيين اليوم (أو الكثير منهم كي نتجنّب التعميم) منخرطون في حملة باسم «جمّول» لكن لشيطنة المقاومة الفعليّة الحاليّة ضد إسرائيل. ثم إن «جمّول» ماتت ميتةً طبيعيّة بسبب هجرة أهل الجنوب للأحزاب الشيوعيّة والبعثيّة. ليس هذا سرّاً. إسرائيل غزت لبنان بعد أن أدركت أن أهل الجنوب هجروا المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة وكان ذلك موازياً مع صعود حركة «أمل» (الصعود الثاني ل«أمل»). قصة أن «جمّول» كان تعدّ عمليّات مُزلزِلة لكن حزب الله صدّها وأرجعها إلى بيروت هي أيضاً من نتاج جهاز دعاية ١٤ آذار (جهاز دعاية ١٤ آذار كان عملاً مشتركاً بين دول الخليج وإسرائيل ودول الغرب، والحملة كانت ناجحة إلى حدّ بعيد، وليس كل من يروّج لها تلقّى مالاً. هناك من صدّق تلك الأقاويل). ومترافقاً مع المبالغة في جدوى وفعالية «جمّول» (لم تكن يوماً على مستوى مقاومة حزب الله في حرب تمّوز ولو أضفتَ إليها تجربة كلّ المقاومة الفلسطينيّة)، تمّ تذكّر شهداء شيوعيّين كانوا منسيّين وتمّ لصق المسؤولية عن مقتلهم لحزب الله (وتمّ التغاضي عن معارك طويلة بين حركة «أمل» والشيوعيّين في الجنوب).
الشيوعية العربية الحالية باتت واقعةً تحت تأثير شعار «لا إيران ولا أميركا»، كأن إيران تؤثّر في حياة البشر حول العالم كما أميركا، أو كأن إيران تفرض بالقوّة إرادتها على سكّان الأرض كما تفعل أميركا. وخوفاً من الاتهام بالتحالف مع إيران، تبذل الشيوعية العربيّة المتبقيّة قصارى جهدها لإثبات أنها ليست مع إيران. كان مجرّد إعلان انطلاق الباخرة الإيرانيّة نحو لبنان كافياً كي يردّد شيوعيّون لبنانيّون مقولة أننا نرحّب بالباخرة الإيرانيّة بنفس القدر الذي نرحّب فيه بمبادرة السفارة الأميركيّة بجلب الغاز الأردني (ومبادرة السفارة الأميركيّة التي تفرض حصاراً على لبنان في أوجه متعدّدة لم تأتِ، وعلى عجالة غير جديّة، إلا لتقويض الفائدة السياسيّة التي جناها حسن نصرالله من إعلانه، والمبادرة الأميركيّة ليست مبادرة لأنها خطّة تتطلّب سنوات من التنفيذ وهي تصطدم بعقوبات «قيصر» الظالمة). هل إن الواجب أو الموقع الطبيعي للشيوعيين يكون في الحياد إزاء محورٍ يضمّ إسرائيل ومحورٍ مضادٍ يقود الجبهة الإقليميّة ضد إسرائيل؟ الجواب بالإيجاب عند الكثير من الشباب الشيوعي. والتغنّي بماضي «جمّول» يعني أن الشيوعيّين يؤيّدون مقاومةً غير موجودة (وكانت ضعيفة للغاية) فيما هم يعارضون مقاومة حاليّة جبّارة لأنها دينيّة الطابع وطائفيّة التركيب.
السّمة الرابعة للشيوعية العربيّة هي غياب رؤيةٍ نقديّة عالميّة للسياسة الدوليّة. لم تعد الولايات المتحدة، كما كانت في الحرب الباردة، هدفاً للنقد والمعارضة والمقاومة. هناك محاولةٌ لتمييع السيطرة الأميركيّة العالميّة عبر النظر إلى توزيع القوة في العالم على أساس أننا نعيش في عالم متعدد الأقطاب. التدخّل الروسي في سوريا ــ وبصرف النظر عن تقييمه خصوصاً أنه لم يُحدث أيّ ضرر بالمصالح الاسرائيليّة إذ إن العدوّ شنّ أكثر من مئتيْ غارةٍ على سوريا منذ أن تدخّل الجيش الروسي ــ لا يغيّر من طبيعة العلاقات الدولية. وأميركا تحاول أن تجعل من «مبادرة الحزام والطريق» مشروعاً مساوياً للحروب الأميركيّة في العالم. أميركا التي انتجت نظريّة القوة الناعمة مقابل القوة الصّلبة تريد أن تساوي بين قوة الصين الناعمة وبين قوتها الصلبة. لا، أميركا تريد من شعوب العالم النامي أن يتعاملوا مع «مبادرة الحزام والطريق» (وهي مشاريع إنشاء وتعمير وبناء وتطوير) على أنها أكثر ضرراً على حياتنا من الحروب الأميركيّة المستمرّة. لكن من المفهوم أنّ إعلام النفط والغاز يساهم في الترويج للبروباغندا الأميركية بشتّى الطرق، لكن من غير المفهوم أن يساهم اليسار العربي فيها.
كانت تجربة «اليسار الديموقراطي» صغيرة في لبنان، لكن النموذج انتقل إلى اكثر من دولة عربيّة. «اليسار الديموقراطي» كما هو معروف هو تجمّع صغير ليساريّين سابقين تم احتواؤهم من قبل عتاة اليمين في عائلة الحريري. ووصل زعيمهم، الياس عطالله ــ القائد المؤسّس ل«جمّول» ــ إلى المجلس النيابي برافعة عائلة الحريري. وكل البلدان العربية باتت تحتوي نماذج لهذا اليسار اليميني، أي يمين يستعين بماضي يسار لأعضائه لخدمة مشروع اليمين لكن في أوساط تقدميّة يساريّة. اليسار العربي، والأحزاب الشيوعيّة العربيّة، مرشّحة للتحوّل إلى دكاكين من دكاكين المجتمع المدني. بول بريمر حبّذ مساهمة الحزب الشيوعي العراقي لأنه كان أكثر مطواعية من أحزاب اليمين الطائفي في العراق، و«اليسار الديمقراطي» استحق مقعداً نيابيّاً لأنه كان لا يقلّ طواعية لعائلة الحريري من أتباعها المباشرين. والحزب الشيوعي السوداني يصدر اعتراضات خجولة عن التطبيع الذي فُرض على السودان من قبل إسرائيل وأميركا والسعودية والإمارات.
ماتت الأحزاب الشيوعية العربية. حتى في الساحة الفلسطينية، بقايا تلك المنظمات (مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية) ابتعدت عن عقيدتها المؤسّسة. هناك اليوم أحزاب كانت شيوعية وهي تحاول تلمّس مسارها في السنين المقبلة مصرّة على الابتعاد عن الماركسيّة كأن الماركسيّة هي التي وصمت تجربة الشيوعية العربيّة وليس قبول قرار التقسيم أو قرار معاداة «الجمهورية العربيّة المتحدة» أو دخول الحزب الشيوعي العراقي في مجلس بريمر أو تقاعس الحزب الشيوعي اللبناني عن التصدّي للتحضير الكتائبي للحرب الأهليّة. هناك أفراد وكتاب شيوعيّون لكن الجيل الجديد يخاف من وصمة الشيوعية كما لو أن الحرب الباردة لا تزال مستعرة. والسّطوة الإقليميّة لدول الخليج تعزّز من الخوف الشبابي من الشيوعية ــ في أصالتها وليس في نسقها «اليساري الديمقراطي». لا تمانع دول الخليج أبداً استخدام يسارييّن سابقين في إعلامها: وإعلام المخابرات السعودية والإماراتية مليء بلبنانيّين وفلسطينيّين من خلفيّات شيوعية سابقة. حتى وليد قدّورة، الذي ثبتت عمالته لــ«المكتب الثاني» اللبناني أثناء عضويته في اللجنة المركزية للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، وجد عملاً في إعلام النظام الإماراتي بعد تهريبه من لبنان خلال حصار بيروت (كان التهريب من قبل قريب له وكان مُكلّفاً بإعدامه). ليست هذه مرثيّة للأحزاب الشيوعيّة العربيّة لكنها اعتراف بواقع اضمحلال الشيوعيّة العربية في عصر السيطرة السعوديّة ــ الإماراتيّة على مقدّرات العالم العربي وعلى ثقافته. إن السيطرة الأميركيّة العالمية والتغلغل الإسرائيلي في العالم العربي، وتفاقم أزمة الرأسمالية العالميّة (في دولهم وفي دولنا) يجب أن تحفّز على إنعاش اليسار لا على القضاء عليه انتحاراً من قبل الأحزاب الشيوعية نفسها.
* كاتب عربي ــ حسابه على تويتر
[email protected]