في ثوابت السياسة الخارجية الأميركية استخدام الترغيب والترهيب أداة لفرض السياسات أو للتخلي عنها. في الشرق الأوسط، كان للمشروع الصهيوني، منذ أصبحت واشنطن، وليست لندن، مرجعيته (بدور مميّز لفرع «الوكالة اليهودية» في الولايات المتحدة الأميركية)، حصة الأسد من فوائد هذه الثوابت. تبرز خصوصاً، في هذا الصدد، حالة مصر في ظل حكم السادات قبل حوالى 45 سنة، وحالة تجربة حكم عسكر السودان الحاليين، الذين تسلّقوا ثورة الشعب السوداني على حكم الديكتاتور عمر البشير، للاستيلاء على السلطة في الخرطوم. القاسم المشترك بين الحالتين المذكورتين تبنّي سلطتيهما نهج سياسة الصلح والتطبيع مع الكيان الصهيوني مقابل وعد بمعالجة الفقر والجوع في مصر والسودان بدعم من واشنطن وحلفائها الدوليين والإقليميين.

لا يجادل أحد بأن الوعود لمصر كانت كاذبة( وكذلك ستكون بالنسبة إلى السودان). النتيجة أتت معاكسة تماماً للوعود. من جهة، تمّ حرمان عمال مصر وفلاحيها من مكتسبات الثورة الناصرية وإصلاحاتها. من جهة ثانية، تمّ رمي هؤلاء، ومعهم كل فقراء البلد، في أتون أزمة طاحنة ما لبث ملايين المتضررين منها أن تحركوا ضد السادات فيما سمي «انتفاضة الخبز والجوع» (يومَي 18 و19 كانون الثاني 1977)، ما حفَّز، إلى سواه من الإجراءات، أوسع حركة معارضة سياسية وصولاً إلى التخلص من الرئيس السادات في «حادثة المنصة» الشهيرة عام 1981. لقد جنى الشعب المصري من الوعود الأميركية الفقر والجوع. دخل الآلاف من نخبه وأحراره السجون. الصهاينة كانوا الرابح الأكبر من خلال «معاهدة كامب دايفيد». كتب، بهذا الصدد الشاعر الشعبي المبدع أحمد فؤاد نجم وغنّى الشيخ الثائر إمام عيسى: «يا خوفي من يوم النصر، ترجع سينا وتروح مصر» ... ولم تعد مصر إلى دورها التحرري العربي والأفريقي حتى اليوم !!!
تأجيج الأزمات واستغلالها، باتَا البديل، بعد فشل حروب بوش الابن و»المحافظين الجدد» «الاستباقية» (وآخر نماذجها الانسحاب الذليل من أفغانستان)، ما عزَّز لدى الإدارات الأميركية وخصوصاً إدارة ترامب، الانتقال إلى الحروب الاقتصادية بوسائل الحصار والعقوبات من جهة، وإثارة التناقضات والصراعات داخل البلدان المستهدفة وفي ما بينها واستغلالها من جهة ثانية.
خضع لبنان لاختبار جديد منذ الفشل الذريع للعدوان الصهيوني عليه في تموز 2006. وهو عدوان بربري تدميري، طلبته ورعته واشنطن، ونفّذته الحكومة الصهيونية قبل 15 سنة. هشاشة الوضع اللبناني، في سوء صيغة حكمه وفي فساد ونهب وتبعية حكامه، قدَّمت الشروط الموضوعية وأغرت بتراكم عوامل أزمة اقتصادية تصلح أساساً لتقويض هذا الوضع وإخضاعه لشروط واشنطن. وهذه الشروط هي، تكراراً، حيال المنطقة وحيال لبنان الذي تفرّد بمقاومة العدو الصهيوني وبهزيمة احتلاله وإفشال أطماعه، شروط الدولة العبرية نفسها!
في كل تحليل للأزمة اللبنانية، لا بد من الانطلاق من العامل الاقتصادي، في أسبابها والمعالجات. تقدّمت هذه الأزمة على ما عداها، وباتت في مقدمة العناصر المتفجّرة ضغطاً على حياة واستقرار ولقمة عيش الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. وهي أزمة بنيوية اقتصادية دون أدنى شك، لكنّ العامل السياسي ما لبث أن دخل بقوة على الخط من قبل لاعبين داخليين وخارجيين، لتأجيج الأزمة ولاستغلالها خدمة لأهداف يصبّ معظمها، كما أشرنا، في خدمة العدو الصهيوني. يستمر هذا الأمر في ظل سلطة الرئيس الأميركي الحالي بايدن بعد أن كان قد بلغ ذروته في ظل إدارة الرئيس السابق وتبلور إلى مشروع متكامل لتصفية قضية وحقوق شعب فلسطين حمل اسم «صفقة القرن».
بإشراف وقح ومباشر من قبل الإدارة الأميركية، عبر موفديها ودبلوماسييها، وبواسطة حلفائها الغربيين والإقليميين وأدواتها في صفوف الحكم اللبناني (سلطة ومعارضة)، قادت وتقود واشنطن (بدعم من شركاء خليجيين)، عملية مزدوجة: دفع الأزمة إلى مزيد من التفاقم من حيث الاستعصاء والإضرار من جهة، وفرض شروط إذعانية للخروج منها من جهة ثانية. هذه الشروط ليست محضاً اقتصادية، وإن جرى التذرّع، إعلامياً، بضرورة «الإصلاحات» التي شكّلت وصفات دائمة لصندوق النقد الدولي الذي ينفذ، بشكل غير مباشر، توجهات وسياسات الولايات المتحدة بوصفها قوة رأس المال، الحاكم والمهيمن، الأساسية في العالم. إن «الإصلاحات» المزعومة هي إلغاء ما يسمى الإجراءات الرسمية التي تحمل صفة الرعاية للفئات الشعبية المهمّشة والفقيرة عموماً، في حقول الصحة والمواد الغذائية الأساسية والتعليم وصولاً، حسب كل بلد، إلى التربية وإلى الضرائب وأبواب أخرى من الدعم في الحقول الزراعية والصناعية...
شعار «الإصلاحات» ذو الطابع الاقتصادي هذا، رغم رواجه ووصفاته الجاهزة في التجارب المماثلة، إلا أنه ما لبث أن أخلى المكان لشعار سياسي مباشر، هو «الحياد» حيال الصراع مع العدو والنزاعات المتعلقة به في المنطقة. تزامن معه، وبشكل متصاعد، رفع شعار نزع سلاح المقاومة وتحميلها مسؤولية الأزمة بشكل كامل! في الظروف اللبنانية، وبسبب فساد السلطة ورعونتها وفئويتها، وكذلك بسبب غياب معارضة وطنية وازنة وفاعلة، لم تكلف واشنطن نفسها، حتى مجرد عناء تقديم وعود. هي اتجهت مباشرة إلى محاولة إملاء الشروط ونزع الشرعية عن السلطة، والتعامل المباشر مع مؤسسات رسمية أمنية دون المرور بالسلطة السياسية، وفتح أوتوسترادات على منظمات من «المجتمع المدني» تناسلت كالفطر، ودُعمت وتُدعم بسخاء للعب دور سياسي مباشر في تنفيذ الخطة الأميركية وفي رفع شعاراتها ومطالبها وخصوصاً منها المطالب الإسرائيلية.
إن إدراك هذه الحقيقة هو المدخل والممرّ الإجباري لاعتماد مواقف سياسية مناهضة لها ولإعداد صيغ عمل وطني على هذا الأساس: في البرامج والأولويات والتحالفات.

* كاتب وسياسي لبناني