حين واجه العراق حصاراً وحروباً على مدى 13 عاماً، كنّا نقول لبعض أهلنا إن المستهدف ليس نظاماً أو حزباً أو رئيساً فحسب، بل هو العراق كله، بشعبه ودولته وجيشه ومقدراته ودوره القيادي في أمته، بل الأمة كلها مستهدفة من خلال العراق، وهكذا كان.

وحين حوصر قطاع غزة على مدى 15 سنة كنّا نقول لبعض أهلنا إن المستهدف بهذا الحصار ليس أرضاً فلسطينية محدودة، ولا حركة فلسطينية محددة فقط، بل هو فلسطين كلها من البحر إلى النهر، بل الأمة كلها من خلال فلسطين، وأن رفع الحصار عن غزة هو مسؤولية الأمة كلها التي ما قام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين إلّا لتمزيق الأمة وتدميرها وسلب مواردها، وهكذا كان.
وحين بدأت الحرب ــ الفتنة على سورية قبل عقد ونيّف من الزمن، كنّا نقول لبعض أهلنا أيضاً إن المستهدف من هذه الحرب الكونيّة ليس نظاماً أو حزباً أو رئيساً فحسب، بل هو سوريا كلها، مجتمعاً ودولة، وجيشاً ومواطنين، دوراً قومياً مميزاً، وموقفاً وموقعاً، بل الأمة كلها مستهدفة من خلال سوريا، وهكذا كان.
وحين شنّ «الناتو» حربه على ليبيا، وهي الحرب التي ما زالت مستمرة، قلنا لبعض أهلنا إن المستهدف بهذه الحرب ليس نظاماً أو جهة أو زعيماً، بل هو ليبيا كلها، بشعبها ومواردها ووحدتها،والأمة كلها من خلال ليبيا، وهكذا كان.
وقبل هذا كله، كنّا نقول الشيء نفسه حين تعّرضت مصر بقيادة جمال عبد الناصر إلى أكثر من حصار وعدوان وحرب، وحين تعّرضت الجزائر إلى عشرية سوداء دامية، كانت تحاول الانتقام من شعب أذهل العالم بثورته، وحين كان السودان يتعرّض للقصف الأميركي والصهيوني كنّا ندرك أن الهدف ليس نظاماً أو حزباً أو رئيساً، بل بلداً بموارد طبيعية ضخمة، وبدور كبير داخل القارة الافريقية، وهكذا كان.
وبالتأكيد ما يشهده اليمن منذ ست سنوات ونيّف من حرب متوحشة، وحصار جائر لا يستهدف حركة أو قيادة أو سياسة، بقدر ما يستهدف اليمن بكل ما يرمز إليه في تاريخ أمته وحاضرها ومستقبلها...
وغداً إذا تعّرض أي قطر عربي، أيّاً كان موقفنا من حكامه، إلى حصار أو عدوان أو فتنة لن يكون موقفنا مختلفاً، فقد آن الأوان لأن نميّز بين موقفنا من شخص أو نظام أو حزب وبين موقفنا من وطن، فإذا اختلفنا مع الشخص أو النظام أو الحزب، فلا نختلف مع الوطن، بل نحميه برموش عيوننا.
واليوم إزاء ما يتعّرض له لبنان من حصار وتجويع وإذلال، لا يجوز أبداً أن نرى أنها معركة فئة أو حزب أو شخص أو قائد، بل معركة لبنان بأسره، ودعوتنا اليوم هي أن يترفع ساسته وأبناؤه فوق كل الخلافات والصراعات لينتصروا للبنان في وجه هجمة عنوانها الظاهري رئيس أو حزب أو خيار، وحقيقة أهدافها شعب بكامله يبحث اليوم بألم عن لقمة الخبز، وحبة الدواء، وليتر المازوت أو البنزين.
أيّها اللبنانيون اتحدوا بوجه الحصار والاحتكار والفساد، فليس لديكم الآن ما تخسرونه سوى قيود الذل والجوع والمهانة.


*كاتب وسياسي لبناني