كانت سيرة الحسين، وثورته وجهاده ومأساته في كربلاء مصدرَ إلهامٍ لثوريّي زماننا حتى لو لم يكونوا من ذوي الاتجاه الديني. وليس الأمر غريباً أبداً. لأنه انحيازٌ إلى الفطرة السليمة التي ترفض الظلم والتسلّط والفساد، انحيازٌ إلى الفطرة التي تحب الخير والعدل والحق، انحيازٌ إلى الإنسان، انحياز إلى الثورة، انحيازٌ إلى الإيمان، انحيازٌ إلى نور الله في الأرض.

فالشعراء رأوا في الحسين نموذج الأبيّ الذي يأبي الخنوع، نموذج العزيز الذي لا يخضع، فالحسينُ هو الحق كلّه وقد خرج للباطل كلِّه!
إنه بنظر الشعراء نموذج البطل الذي خرج ليضحي بنفسه من أجل أن يقول لا لإقرار حكم الظلم والجور، لا للتسليم للطغاة، ولا للذل. ومهما كانت المبرّرات والحجج والذرائع، توازن قوى، نحن ضعفاء وهم أقوى، ليست لدينا إمكانات، كل ذلك يهون في سبيل إثبات المبدأ: الباطلُ يبقى باطلاً ولا يمكن أن يصير شرعياً أبداً، حتى لو كان ثمن ذلك الموقف الموت والهلاك.
وللباغي المتغطرس أن يرفع رايات النصر على أشلائنا اليوم، كما رفعها على أشلاء الحسين، فدراما التاريخ تتكرر والجمهورُ اليوم هو ذاته جمهور الكوفة، قلوبهم معه وسيوفهم عليه!
وهذا مقطعٌ للشاعر الكبير المناضل المصري أمل دنقل، وهو الذي يُعتبر أبا الراديكالية العربية وخاصة بقصيدته «لا تصالح» التي واجه بها السادات. يقول أمل دنقل:
«كنتُ في كربلاء...
قال لي الشيخُ إنّ الحسين
مات من أجل جرعة ماء
وتساءلتُ كيف السيوفُ استباحت بني الأكرمين؟
فأجاب الذي بصرته السماء:
إنه الذهبُ المتلألئُ في كلّ عين
إنْ تكنْ كلماتُ الحسين
وسيوفُ الحسين
وجلالُ الحسين
سقطتْ دون أن تُنقذ الحقّ من ذهب الأمراء
أفتقدرُ أن تنقذ الحقّ ثرثرةُ الشعراء؟!»
ويتحوّل أمل دنقل من نعيه للحسين إلى نعي العصر كله، مشهّراً بهؤلاء الذين ما زالوا يذبحون الحسين كل يوم، ينافقون، ويؤدّون الصلاة بعد جرائمهم:
«والأمويّ يعوي في طريق النبع:
دون الماء رأسك يا حسين
وبعدها يتملكون، يضاجعون أرامل الشهداء،
لا يتورّعون،
يؤذنون الفجر، لم يتطهروا من رجسهم
فالحقّ مات»
والشاعر السوري الكبير أدونيس يقدم في قصيدته (مرآة الرأس) حواراً بين رجل وزوجته: فقد احتزّ الرأسَ وعاد إليها يبشرها بمال الدهر، لكنها ترفضه عند ما تعرف بأنه عاد برأس الحسين:
«أبشري
جئتك بالدهر بمال الدهر
من أين، وكيف، أين؟
برأسه...
ويلك يوم الحشر
ويلك لن يجمعني... طريق أو حلم أو نوم
إليك بعد اليوم
وهاجرتْ نوّار»
ويقول في قصيدة (مرآة الشاهد):
«وحينما استقرَّتِ الرّماحُ في حشاشةِ الحسين
وازّينتِ بجسدِ الحسين
وداستِ الخيولُ كلَّ نقطةٍ في جسدِ الحسين
واستلبتْ وقسَّمتْ ملابسَ الحسين
رأيتُ كلَّ حجرٍ يحنو على الحسين
رأيتُ كلَّ زهرةٍ تنامُ عند كتفِ الحسين
رأيتُ كلَّ نهرٍ يسيرُ في جنازةِ الحسين»
ومظفر النواب مناضلٌ شيوعي قديم، وشاعرٌ ملحد معروف. ولكنه أمام الحسين نراه يتحوّل الى ما يشبه «العجائز» في إيمانهنّ المطلق اللامحدود الصادر من القلب والوجدان، فكيف ذلك؟ كيف يتحوّل الشاعر «الشيوعي» إلى «شيعي»؟ هل هي نوع من «التقية» يخفي بها مظفر النواب شيعيته بغلافٍ من الشيوعية الزائفة؟ الجواب : كلا. فالشاعر صادقٌ ولا يكذب. بل هو في نفس القصيدة يعترف صراحة بـ «كفره» حين يقول: «ما شاغلي جنة الخلدِ أو أستجيرُ من النارِ». ولكنه سِحْرُ القضية، سحْرُ قضية الحق والعدل، سِحْر الأبطال المُضحّين، سحرُ الشامخين في زمن العبيد، سحْرُ الصامدين في وجه جبروت الظلم والطغيان، باختصار، إنه «سِحْرُ الحسين» مَلَكَ عليه لبّه وفؤاده وجعله يُبدعُ هذه القصيدة العظيمة الفريدة (في الوقوف بين السماوات ورأس الحسين) المليئة بالمعاني والصور الشعرية والعاطفة النبيلة. ولننظر إلى بعض المقاطع المدهشة في قوتها ووقعها:
«فأين تُرى جنةٌ لتوازن هذا مقامك
هل كنت تسعى إليها... حثيثَ الخُطى
أم تُرى جنة الله كانت تريد إليك الوصول؟»
وكذلك:
«فأذهلُ أنك أكثر مِنّا حياةً»
و «ولم يكُ أشمخ منكَ وأنت تدوس عليك الخيولْ»
وغير ذلك من التعبيرات الشعرية المذهلة والتي اختتمها بقوله:
«أنت لا بد يا ربّ تغفرُ للكفرِ إنْ كان حراً أبيّاً
وهيهات تغفر للمؤمنين العبيد»
وكذلك الأديب المصري الكبير والعظيم عبد الرحمن الشرقاوي. فقد قام بإخراج قصة الحسين وثورته ومأساته في كربلاء في مسرحيتين شعريتين رائعتين : «الحسين ثائراً» و«الحسين شهيداً» أبدع فيهما وتألّق. وفي ما يأتي نقتطفُ مقطعاً جميلاً منهما:
«الكلمة نور،،، وبعضُ الكلمات قبور»
حوارٌ يدور بين الوالي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وبين الإمام الحسين، يطلب الوالي خلاله منه أن يبايع ليزيد بن معاوية، ويهوّن من شأن البيعة لأنها مجرد «كلمة»:
■ ■ ■
الوليد: «نحن لا نطلبُ إلا كلمة!
فلتقُلْ بايعتُ، واذهبْ بسلامٍ إلى جموع الفقراء
فلتقلها واذهب يا ابنَ رسول الله حقناً للدماء
فلتقلها، ما أيسَرَها، إن هي إلا كلمة»
■ ■ ■
الحسين: «كَبُرتْ كلمة
وهل البيعة إلا كلمة؟!
وما دِينُ المرءِ سوى كلمة
وما شرفُ اللهِ سوى كلمة»
■ ■ ■
يتدخل مروان بن الحكم ويقول بغلظة: «فقل الكلمة واذهبْ عنّا»
■ ■ ■
الحسين: «أتعرفُ ما معنى الكلمة؟
مفتاحُ الجنة في كلمة
دخولُ النار على كلمة
وقضاءُ الله هو كلمة»
والشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب يقول في قصيدته «الثورة» مخاطباً يزيد بن معاوية:
ارمِ السماءَ بنظرة استهزاءِ ... واجعل شرابك من دم الأشلاءِ
واسْدرْ بغيـّك يا يزيدُ فقد ثوى ... عنك الحسين ممزَّق الأحشاءِ
قم فاسمعِ اسمك وهو يغدو سُبة ... وانظر لمجدك وهو محضُ هباءِ
وانظر إلى الأجيال يأخذ مقبلٌ ... عن ذاهبٍ ذكرى أبي الشهداءِ
كالمشعل الوهّاج ألا إنها ... نورُ الإلهِ يجلّ عن إطفاءِ
عزَّ الحسينُ وجلَّ عن أن يشتري ... ريَّ الغليل بخطَّة نكراءِ
ألا يموت ولا يوالي مارقاً ... جمّ الخطايا طائش الأهواءِ
أما الشاعر اليمني الكبير عبد العزيز المقالح فكربلاء عنده رمزٌ للطهر الثوري ولتحدي الشر. يقول في قصيدته (نحن من كربلاء):
«نحن من كربلاء التي لا تخون
ومن كربلاء التي لا تخون ولدنا
ومن دم أشجارها خرجت للظهيرة أسماؤنا
منذ موت الحسين
مدينتنا لا تصدر غير النجوم
ولا تصطفي غير رأس تتوجه
بالنهــــار الشـــهادة
وتغسله بالدماء العيون الجريحة»
والشاعر المصري فاروق جويدة اعتبر في قصيدته «هيا لنشكو... للحسين» أن الحسين هو الموئل من مصائب الزمان وأنه يمثل الحلم نحو الحق والعدل والخلاص من الظلم:
«جئنا رحابك يا حسين
جئنا إليك لنشتكي أرضاً
رحيق العمر فيها للغريب
تعطي الدموع لأهلها
والفرح فيها... للغريب
■ ■ ■
أقدارنا جاءت بنا
جئنا رحابك يا حسين
جئنا لنسأل ربنا
لِم قد كتبت الحبّ يا ربّي
إذا كان الفراق يصيح دوماً... بيننا؟
ما عاد في الدنيا مكان يجمع الأشلاء
يمنحنا الأمان... أو المنى
جئنا إليك لنشتكي
هل نشتكي أقدارنا
أن نشتكي أوطاننا
أم نشتكي أحلامنا
أن نشتكي أيامنا
أم نشتكي...... أم نشتكي..... أم نشتكي؟...
■ ■ ■
صوت ينادي من بعيد
وحبيبتي كالنور تسأل هل ترى خبر سعيد؟
هل نجمع الأشلاء والحب الطريد
ما زلت أحلم رغم طول اليأس بالبيت الجديد
الصوت يعلو في الضريح
شيخ... يصيح
هيا انتهى وقت الزيارة
الصوت يعلو في الضريح
هيا انتهى وقت الزيارة للضريح
الحلم بين يدي ذبيح
الحلم بين يدي ذبيح!!!»
ويقول أحمد عبد المعطي حجازي في قصيدته (عودة فبراير):
«كأنَّني سمعتُ صوتاً كالبكاء
هذا الحسينُ وحده في كربلاء
ما زالَ وحده يقاتل
مُعفَّرُ الوجهِ يريدُ كوبَ ماء
والأمويونَ عـلى النهرِ القريب
كأنَّني أرى دمشقَ بعد ليلةِ الغياب
بيوتُها مظلمة وسجنها العالي فضاءُ الليلِ ليس الليل
والعقمُ في كأسِ الشراب
والكلماتُ مثقلاتٌ بالذنوب»
وأما الشاعر الفلسطيني والمناضل الشيوعي معين بسيسو فقد اتخذ من ثورة الحسين مدخلاً لإدانة الشعراء المنافقين العديمي المبادئ فيقول واصفاً أحدهم:
«رأيته في كربلاء
تحت راية الحسين
صهيلُ سيفه مع الحسين
وفوق سيفه قصيدة منقوشة
في مدح قاتل الحسين!»
وقال الشاعر أحمد مطر:
«غير أني في زمان الفرز
أنحاز إلى الفوز
فإن خيّرتُ ما بين اثنتين:
أن أغني مترفاً عند يزيد
أو أصلي جائعاً خلف الحسين
سأصلي جائعاً خلف الحسين!»
* باحث من الأردن