فجر العاشر من محرم 1423 هجرية وصلت لأول مرة مدينة إلى كربلاء ووقعت عيناي على قبة حرم الحسين، حيث تعيش تطهيراً للنفس وأنت تستحضر الحسين الشهيد وعذابات أطفاله وعياله. كنّا نتفيّأ ظلال الأحزان على أبواب عاشوراء، يومها عام 2003 وجدت نفسي في تجربة كربلائية مصغّرة، فما أن أنهيت زيارة سبط الرسول الشهيد، وهممت بالتوجّه إلى الفندق القريب حتى بدأت أسمع صوت جموع تتقدم وهي تهتف: «أبد والله ما ننسى حسيناه»، مع أن التعبير عن مظاهر العزاء في العهد الصدامي كان يمكن من دون مبالغة أن يؤدي بفاعله إلى الإعدام.

من أعلى البنايات وشرفات الفنادق المحيطة بالحرم الحسيني تجمهر الناظرون؛ أدركت أن الحدث ليس اعتيادياً، فبمجرّد اقتراب هذا التجمّع أخذ الكثيرون يفرّون حيث يتقابل النادبون مع رجال الأمن، بينما ساقني الفضول للعودة مباشرة نحو الحرم لأراقب ما يحصل. اقتربت ودخلت ساحة الحرمين (ما بين ضريح الحسين والعباس) حيث تجمّع النادبون، كان جنود الأمن ببزاتهم الزيتونية وأسلحتهم قد شكّلوا ما يشبه الصفّ المستقيم مقابل المسيرة والنادبين المشاركين فيها، وكنت في تأمّل لهذا المشهد الضارب في أعماق التاريخ الإسلامي، والحاكي عن قصة الظلم والاضطهاد، وسلطة القوي المستبدّ في مقابل المستضعف المغلوب على أمره.
كان الحزبيون يمنعون الناس من دخول التجمع. أمّا أنا فاقتربت كثيراً من المشاركين الذين كانوا يتوجّهون صوب مقام أبي الفضل العباس، وأمام استفزازات وغلظة رجال صدام، وبحركة عفوية بدأ المشاركون بإلقاء الأحذية وما تقع عليه الأيدي باتّجاههم. رأيت أحد الجنود يطلق النار من مسدسه فانقضّ عليه أحد الشباب ممسكاً بيده وألقاه أرضاً، سمعت لحظتها إطلاقاً للنار، وأغلب الظنّ أن الشاب نفسه أطلق النار على رجل الأمن ثم شاهدتُ بقية البزات الزيتونية تفرّ هاربة باتجاه ضريح العباس... ولبعض الوقت حجبت الجموع المشهد، بعدها رأيت العسكري ملقى على الأرض، جريحاً ربما أو بفعل الركلات. سحبه أحد زملائه، وبعدها بدأ إطلاق النار من جهات عدة، ورأيت المذعورين هائمين على وجوههم، وأغلبهم من النساء وكبار السن.
خرجت مع من خرج نحو الشارع العام وبدأت قوات إضافيّة بالحضور، ثم أغلق الحرم؛ بعد سقوط عدد من الشهداء، ناهيك عن الجرحى والمعتقلين، عقب ذلك تابعت وسائل الإعلام والمواقع والمنتديات الإخبارية، واستعجبت كيف أنها لم تنقل ما جرى. تعتيم كان اعتيادياً إبان تلك الحقبة.
سألني بعض أصدقائي: لماذا يزور الملايين الحسين بهذا الشغف، حتى من غير المسلمين؟ هذه التجربة الروحية لمن عاشها عن وعي وإرادة، اقتراب وجداني من الأنوار النبوية وهروب من الظلم بصوره المعاصرة. وعندما تكون الزيارة مع التوجّه والحضور، تتحول من صورة فكرية أو أمنية سياحية إلى صورة حسية، تشعرك بالحسين شعوراً أشبه ما يكون بإحساس تتماهى معه... تمشي إلى كربلاء وأنت تستحضر مشي الحسين إلى مصرعه، تستحضر مشهد تلطّخ بدن الحسين بدمه، وأشلاء جسده وتراب كربلاء، تحيا كربلاء حياة مع الإحساس والشعور. ثم تتوقف عند رأسه الشريف وقد عشت الحسين بكلّ ذرات وجودك، وتقرأ مع ملايين الزائرين: أشهد أنك قُتلت مظلوماً، أشهد أن دمك قد سكن في الخلد، أشهد لقد اقشعرّت لدمائكم أظلة العرش، مع أظلة الخلائق، وبكتكم السماء والأرض، وسكان الجنان والبر والبحر.
منذ تلك الزيارة إلى كربلاء، وأنا أسعى لفهم الحسين ملهماً لكل مستضعفي الأرض في مواجهة الظلم... فرغم كل القمع الذي عرفه العراق، إلا أن الشعب المسحوق بقي يستلهم من الحسين القوة والتحدي. فهو الرفض لكل الظالمين على اختلاف أشكالهم. وشاهدنا كيف بالحماسة الحسينية، وفتوى المرجعية استطاع العراقيون في السنوات الأخيرة فرملة مخطّط داعش والفوضى الكاملة في منطقتنا.
لقد استمرّ شغفي بما كُتب عن الحسين وكربلاء، واستلهمت من فكر الشهيد محمد باقر الصدر، أن الحسين خرج يطلب غايته النهائية في الاستشهاد. لكن لماذا؟ لإحداث هزة عنيفة في ضمائر الناس والمسلمين خاصة، المُبتلين بمرض ضعف الإرادة في ذلك الزمن الغابر، بل وكانوا يعيشون حالة الهزيمة، فلا تقدر الجماهير رغم إيمانها النظري الصحيح أن تترجم أحاسيسها إلى أفعال. وتفشّي هذا المرض في الأمة سيؤدّي إلى موتها وانهيار كيانها، فالعلاج إذاً لن يكون إلا بإحداث هزة رهيبة لضمير الأمة ووجدانها. وهكذا سيكون ابن بنت الرسول وريحانته من الدنيا هو الضحية التي سوف تهزّ الضمائر، فكانت شهادته منعطفاً بارزاً وقوياً في وعي الأمة، حرك الحياة في الضمائر المريضة، وحدثت الانتفاضات والثورات من بعده إلى أن تقوّض حكم بني أمية، وظل دم الحسين منذ استشهاده وإلى اليوم محركاً للثورة وملهما للإنسانية في كل حين.

قائد الإصلاح في الإسلام
لقد تعلمت من الحسين أن أقف مع الحق الذي من أجله دخل حفيد النبي ذلك الاختبار الإلهي، وتألق فيه، وقدم في هذا السبيل كل وجوده إلى آخر مراحل الاختبار، لحظة صار «الذبح العظيم» فحافظ على قيم الخير وموازين الحسن والقبح، وكما يقول أنطون بارا في كتابه «الحسين في الفكر المسيحي»: «... وكم هو حريّ بنا نحن البشر الضعفاء لأن نقف بقلوب حزينة، وعيون دامعة أمام أحداث هذا الذبح الذي لم تسجّل الأديان والتواريخ ما يعدله سموّ معنى، وسموّ ذات، وعلوّ شأن، فهو ذبحٌ فدى البشريّة جمعاء، وصان دين الله الواحد من الانتهاك، وهو ذبيح أرسى للبشريّة مجدها الذي ترتع في نعمته الآن وإلى أبد الدهور، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره...».
تلك التجربة في كربلاء قبل أكثر من عقد ونصف، مضافة إلى تجربتي الاستكشافية الروحية في الجمهورية الإسلامية، ومن محطاتها مشاركتي في جنازة الشهيد سليماني المليونية، إذ كانت ملتقى حسينياً لعامة الشعب الإيراني، بل لعشاق الشهادة الحسينية في كل مكان الذين ردّدوا شعار الحاج قاسم: بأننا أمة الشهادة، أمة الإمام الحسين... ومن كل ذلك أحاول تجاوز العقد المذهبية والطائفية، فأسعى لأن أعيش فلسفة الشعيرة كما أرادها الإسلام، أن تتحول من الصورة العقلية، والإيمان النظري أو مجرد المشاهدة العابرة إلى الصورة الإحساسية (رمي الجمرات في الحج مثالاً)، عندما تسمع النعي الحزين على بضعة النبي الأمين، أو تنغمس في أشكال العزاء وفعالياته المتنوعة، المأتم، الموكب، الدمعة، الصرخة، فتعيش الحسين بكل ما تستطيع من إحساس واقتراب.
* صحافي فلسطيني