في يوم ميلاد أستاذنا وكبيرنا الأديب الدكتور ميشال كعدي، أستهلُّ كلمتي ببيتٍ للشاعر الجميل المرهف شهريار:

ای پریچهره که آهنگ کلیسا داری
سینه مریم و سیمای مسیحا داری
آیت رحمت روی تو به قرآن ماند
در شگفتم که چرا مذهب عیسی داری
وبالعربية:
يا وجهَ الملاكِ يا حنجرةَ الكنيسة
يا قلبَ مريم وسيماءَ المسيح
في ملامحكَ رحمةٌ تشبِهُ آياتِ القرآن
ففاجأَني بأنّكَ على مذهبِ عيسى المسيح.. (بسبب تقارب القيم حتى يظنّ المرء أنه من نفس دينه)
ميشال كعدي شخصيةٌ أدبيةٌ قلّ نظيرُها في العطاءات والفكر والإخلاص لمسيرة الأولياء الصالحين.


خلال زيارة الدكتور ميشال كعدي الأخيرة والتي شرّفنا بها إلى المستشارية، سألته في سياق حديثه الشيّق عن تاريخ ميلاده فجأةً ودون مناسبة، وعلى الفور وبكل محبة سألتُه الموافقة على إقامةِ حفلٍ تكريميٍّ له بمناسبة عيد ميلاده، والذي اعتبرته شرفاً عظيماً، وعرضت عليه نشر بعض مؤلفاته، وهو ما باشرنا به على الفور، واليوم نحن في صدد طباعة ونشر كتابه الأخير عن الإمام الحسن المجتبى (ع) وهو الكتاب الذي يُضاف إلى مسيرته الطويلة في البحث في سيرة أهل البيت عليهم السلام.
وبابتسامته المعهودة ووجهه البشوش، لمستُ موافقته وسعادته لهذا الأمر، فاجتمعنا تلبيةً لنداء الواجب، فواجبُنا أن نكرّمَ هذه القامات التي تعيشُ بيننا ونحظى بمعاصرتها وعلينا أن نحتفي بما قدّمته لمسيرة الفكر والأدب والإنسانية. فمن لم يشكرِ المخلوق لم يشكرِ الخالق، وكلّ ما يبدعه الإنسان هو من نعم الله تعالى وفضله على الإنسان.
أكثرُ ما لفتني منذ زمنٍ بعيد في شخصية ميشال كعدي، حبّه الكبير واللّافت للإمام علي (ع). حتى أنه اختاره موضوعاً لأطروحته الدكتوراه، نزولاً عند رغبة والده المرحوم، حيث رأى ولمسَ كل القيم الإنسانية التي ينصُّ عليها الدين المسيحي في خطوط وبين سطور نهج البلاغة.
إنّ محبة ميشال كعدي لأهل البيت عليهم السلام لم تتوقف عند أمير المؤمنين، فاليوم، يعلن كعدي عن حلمه القديم بأن يتمّمَ سلسلةَ أعماله عن الأئمةِ حتى تصبحَ أربعة عشر، بعدد الأئمة المعصومين عليهم السلام، بعدما كانت له مؤلفاتٌ عن النبي محمّد (ص) والزهراء والحسن والحسين والإمام زين العابدين والإمام الرضا عليهم السلام.
هذا الرّاهب المسيحي والأديب والأستاذ الجامعي، اختارَ أن يُبحرَ في أسرار الإسلام، ليتعرفَ على هذا الدين، الذي وجده في النهاية متمّماً ومنسجماً مع دينه في الإنسانية وفي القيم التي نزلت من أجلها الأديان السماوية كافةً.
هكذا قضى ميشال كعدي أوقاتَ شبابه ويقضي وقتَه اليوم، في قراءة المصادر والمراجع الإسلامية ومطالعة سير أهل البيت والأنبياء والأئمة وفضائلهم، حتى يتبيّنَ أنّ الحقَّ واحد، وأنّ الوفاء للّه الواحد يستوجبُ إيجاد المحبة والعلاقات الطيّبة بين المسلمين والمسحيين على اختلاف طوائفهم.
اليوم، نحتفي بهذا الرجل، ونستغلُّ هذه مناسبةَ ميلاده للتأكيد على أننا نعيشُ وقتاً صعباً، نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى الاتحاد والتسامح والمحبة، إلى الانفتاح على الآخر، مسلمين ومسيحيين، وإلى مطالعة منابع الثقافة لدى الآخر، في فكره ودينه وتاريخه. وهذا هو دورُ الأدب، وهذا هو دورُ القلم.
اليوم، يمثلُ ميشال كعدي الأديب المثقف، الذي يوظّفُ قلمَه في خدمة الإنسانية، بعيداً عن حدود المذهب والطائفة والدين، ويسخّرُ حبرَه لفكره الذي اختارَ أن يسيرَ في طريق الحقّ مهما تكن النتائج. هو نبضُ المفكرين الأحرار الذي لا ينفكُّ ينعشُ قلبَ أوطاننا، التي لا تنجو من الخراب والشتات إلا بوجود هذه العقول النيّرة والأقلام الجديرة.

* المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.