كان قلمُه بريد قلبِه الطاهر

قالوا في المَثَل: القلمُ سفيرُ العقل. القلمُ ليس له استقلاليةٌ ولكنه تابِع. لَدَيهِ تبعيةٌ خالصةٌ للفِكر. في الأزمنةِ القديمة، كانَ يَتِمُّ أسرُ الأجسادِ البشرية، واليومَ يَتمُّ أسرُ الأفكار. وأقلامُ الّذينَ ینشرونَ الوعيَ بعقولِهم الحُرّة؛ وسيلةٌ يُمكنُها أن تحرّرَ الإنسانَ من عبوديةِ الفِكر. كان المرحوم السيد هادي خسروشاهي رفيقًا للقلمِ مُنذُ صغرِه وحتى وفاتِه. كان القلمُ أنيسَهُ الدائم. كان دائماً يوجّهُ القلمَ في حياتِه نحوَ إظهارِ الحقِّ ولا يستخدمُه في خدمةِ الباطِل. سوفَ أذكرُ بعضَ السماتِ المُهِمّة لهذا الرجلِ صاحبِ الفكرِ الحُرّ.

أ) التفكير في الأمة
امتنعَ المرحوم خسروشاهي عن التفكيرِ في الميولِ القوميّةِ أو الحزبية، وكانت الأمّةُ محورَ أفكارِه. الأمة الواحدة التي يتحدث عنها القرآن، لذلك بقدر ما يفكر في قضايا بلده، لم يكن غافلاً عن قضايا مصر والمغرب والجزائر وباكستان ولبنان وسائر ِالدول. كانت تربطُه علاقةٌ وثيقةٌ بالعديدِ من العلماءِ والمفكرين في العالمِ الإسلامي. كانت له مراسلاتٌ كثيرةٌ مع مفكري العالمِ الإسلامي، وكانت الموضوعاتُ التي تهمُّ الطرفَين محورَ هذه المُراسَلات. السيد كمال هلباوي له توصيفٌ بليغٌ للمرحوم وهو أنه كان بسِعَةِ المُحيط. أي أنه لم يكن محصوراً ضمنَ محيطِه فقط، بل إنّهُ مزّقَ ستائرَ محيطِه الضيّقِ واعتبرَ نفسَه منتمياً للإنسانية. وقد استخدمَ القلمَ الذي له رأسٌ وليس له عنقٌ، فاستطاعَ بذلك أن يوجّهَه في كل الاتجاهات في هذا الطريقِ من أجلِ تعزيزِ التفكيرِ في الأمّة.

ب) التقريب والتبليغ
كانت إحدى سماتِ الراحل خسروشاهي هي دورُه التقريبي والتبليغي كذلك. كان رجلاً ناضجاً قد رأى العالم كلَّه وكان دائماً على درايةٍ بأفكارِ المُصلحينَ في العالمِ العربي. لم يَكُنِ التقريبُ بين الأديانِ السماوية استراتيجيةً له بل عقيدةً يؤمنُ بها. واعتبر أن القواسمَ المشتركةَ بين الأديان السماوية هي أكثرُ بكثيرٍ من الاختلافات، مشدّداً على أنه يجبُ على المسلمين التخلي عن التحجّرِ والتعصّب والتركيز على القواسمِ المشتركة فيما بينهم. لذلك، طوالَ أكثرَ من ستينَ عاماً من النشاطِ المستمرّ؛ لم يبتعد عن هذهِ الفكرة. كان يفكرُ دائماً في إعادةِ ازدهارِ الدولِ الإسلامية. بقدر ما يحترقُ قلبُه على بلاده، كانَ يفكّرُ كذلك في لبنان ومصر والعراق والدول أخرى. التفكير بشموليّةٍ وعالميّةٍ هو فنٌّ لا يمكنُ أن يستفيدَ منه إلا المفكرُ العقلاني والعالِم. ورغمَ أنه كان شيعياً متديّناً، إلا أنه كان يؤمنُ دائماً بالتقريب. إلى جانب ذلك، كان مشرفاً ومتعاوناً ومؤسّساً للكثير من دور ومراكز النشر والثقافة في إيران والعالم العربي، وعلى رأسها تأسيس «مكتبة مركز البحوث الإسلامية» في قم المقدسة. وكانت مؤلفاته وترجماتُه الكثيرة بمثابة الحجر الأساس في بناء جسر التقارب والتقريب بين المذاهب الإسلامية والأديان، حيث كان متبحّراً في فلسفات النهضة الإسلامية وحركات الإصلاح في العالم العربي، مع تأكيده على مفهوم العدالة والاعتدال لدى أهل البيت عليهم السلام، فكان بذلك خير مبلّغٍ يحملُ رسالةَ الإسلامِ السَّمِح والمتسامح إلى سائر الأديان.

ج) الرجل الذي لا يعرف الكلل
وصفَهُ السيد القائد الإمام الخامنئي، في رسالةٍ أصدرَها بمناسبةِ وفاةِ الراحل خسروشاهي، بأنه رجلٌ لا يعرف الكلَل. في الواقع، كان شخصيةً لا تعرفُ الكلل. لقد ثابرَ لمدة ستين عاماً ولم يتعَب قَط. عاشَ الراحل خسروشاهي عدةَ مراتٍ والإفادة التي جناها من حياتِه تساوي حياةَ العشراتِ من الناس. لم يستفد فقط، بل أفادَ الآخرين. ولم يتعب من العمل يوماً، بل كان يحوّل الإساءات واللومَ إلى فرصة. كان يعتقدُ أن خيرَ إجابةٍ على التفكير الخاطئ هي الجدالُ الحسَن.

د) الاعتدال
اليوم ، يعاني العالمُ الإسلامي من فقدانِ الأفكارِ المعتدِلة. لطالما كان للأفكار المتطرّفة آثارٌ مدمِّرة. الاعتدالُ لا يعني تجاوزَ المعتقداتِ لصالحِ معتقداتِ الآخرين. إنه يعني الوقوفَ على خطّ التوازن. إن الإفراط والتفريطَ يوجّهانِ ضرباتٍ مدمّرةً لجوهرِ الفكرِ الإسلامي. لقد فهمَ الراحل خسروشاهي نقطةَ الاعتدالِ جيداً ووقفَ دائماً على هذه النقطةِ في مواقفه وأعمالِه المكتوبة. كان مُلِماً بتاريخِ الإسلامِ وكان ضليعاً في العلومِ الإسلامية. ودائماً ما كان يستخدمُ معرفتَه لتعديلِ الأفكارِ المتطرفة.

* رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية في ايران