بعد استنفاد واستنزاف و«تطفيش» الصيغ غير المباشرة المفروضة على سلطة تحالف عتاة إقطاعيي السياسة، والميليشيات، والاحتكارات، والمصارف( حكومة حسان دياب، تكليف مصطفى أديب، مشروع«إختصاصيي» سعد الحريري).

وبعد عجز حركة الاحتجاج، المتراجعة، تنظيماً ومشاركة باضطراد، عن التشكل وفق برنامج وقيادة وخطة، رغم تعاظم الكوارث والأزمات،
وبعد تفاقم التدخل الخارجي (الاستعماري الغربي خصوصاً) في الشؤون الداخلية على مرأى ومسمع «وتطنيش» دعاة السيادة المشروطة دائماً بالتبعية والولاء للدول الغربية.
ورغم بلوغ الذروة في أزمة الإفلاس العامة والنهب اللذين لم يطالا «الرعية بالسوية» ليكونا «عادلين» ولو في الشكل.
وبعد أن سُوِّيت بالأرض «المعجزة» اللبنانية كمجرد كذبة ليصبح البلد مثالاً للخواء والفشل والانهيار واحتمال الزوال والإندثار.
رغم ذلك وسواه، ما زالت المنظومة الحاكمة ممسكة بزمام البلاد ورقاب ومصائر العباد. وهي لا تتورع (رغم تعاظم الشتائم وشمول النقمة وتعزُز مظاهر الفوضى الشاملة) بسبب غياب البدائل الوازنة والمهددة لسلطتها، عن ممارسة ترف الانقسام وهدر الوقت وتفكيك وكشف البلد أمام الخراب والجوع والتسول والهجرة والفوضى والتشرذم. لا تتورع، كما جرت العادة أيضاً، عن الصراع على الحصص والحقائب والصفقات. يحصل ذلك بكل وقاحة، وبالأسلوب المجرَّب والتقليدي نفسه الذي سبق نشوء الكيان قبل مئة سنة، وتغذى من عافية البلد والناس، وحال دون امتلاك شروط التلاحم والوحدة الوطنية والحصانة السياسية والمجتمعية في وجه المصالح والتدخلات القريبة والبعيدة. إنه أسلوب وسلاح إثارة العصبيات التي يُراد له أن يتكرَّس ويتقدَّس إسمه عنواناً وأداة لممارسة سلطة تقام بإسم الطوائف وعلى نية الشعب وتقرباً من الخالق والرسل والأولياء... إنها سلطة حفنة من مصاصي الدماء الذين اغتنوا بفقر الناس وخداعهم وإغوائهم بالفتات والهيِّنات والأناشيد والأغنيات... واستمروا بالنهب وبالتبعية للخارج على حساب توفير الحد الأدنى الضروري لبناء الأوطان وتوفير شروط استمرارها وتماسكها وتقدمها وسيادتها.
تتخبط البلاد، منذ حوالي السنتين في واقع كارثي مرير غير مسبوق. الخيارات أمام أقطاب المنظومة، وبالتالي، أمام البلد، محدودة وضيقة جداً بسبب الفئوية والاستئثار والجشع وتجاهل مصالح البلد وناسه. كل ذلك من خلال التمسك بالنظام نفسه وبالأساليب نفسها وبالأدوات والأشخاص أنفسهم. إنه الإدمان والاستسهال والطمع والرعونة. ما الذي يمنع، مثلاً، أقطاب المنظومة (ومن ضمن سياقها نفسه) من التداعي إلى لقاء إستثنائي، في القصر الجمهوري أو في مجلس النواب، للتباحث فيما آلت إليه البلاد من الفشل والإفلاس والشلل والعجز والفقر والذل، وما يتهددها من مخاطر في محيط ينوء بالصراعات والتحديات وأعظمها التحدي الصهيوني المدعوم من أقوى دولة في العالم، والذي يواصل مشروع هيمنة وتوسع بأساليب العدوان والتفتيت والحروب الداخلية والبينية التي تضرب أو تتهدد معظم دول المشرق والمغرب العربي بهذا القدر أو ذاك. بدل ذلك تخاض معارك فئوية، وحتى من المواقع الرسمية نفسها، ما حمل الصراع والإنقسام، وبالتالي الشلل والتعطيل، إلى كل المؤسسات والقطاعات والمرافق السياسية والإدارية والأمنية والقضائية. وهي معارك تتوخى بالدرجة الأولى، تعزيز النفوذ، ونهب ما تبقى، وخصوصاً تجنيد الجماعات ذات العنوان الطائفي والمذهبي الواحد في خدمة الزعماء القدماء والجدد (الذين ينسجون على منوالهم) من أجل شد عصب الولاء والإلتحاق. أوليس من العجيب، على سبيل المثال لا الحصر، أن يواصل رئيس الجمهورية نهجه ومشروعه في «استعادة الحقوق» وكأن شيئاً لم يحصل خصوصاً في السنتين الأخيرتين؟ وكيف لسعد الحريري أن يكون منقذاً وهو وريث نهج عمّق المحاصصة والسمسرة والإستدانة.ثمّ ألا يتحد، ولو بشكل مؤقت، أهل بيت تعرض لحريقٍ هائل، من أجل منع امتداد النار وتقليص الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح والموجودات. في سياق هذا النهج الفئوي المدمر. وبعد فشل وتعطيل ومناكفات استمرت طيلة تسعة أشهر، كان «النجيب» الميقاتي في مهمة محكومة( ما لم يعتذر) في أحسن الأحوال، بالترقيع والتخدير والترقيد حتى الإنتخابات النيابية القادمة. والإنتخابات نفسها مرشحة، من حيث حصولها أو تأجيل نتائجها، لما لا يمكن التكهن بشأنه منذ الأن: مثل مصير البلد نفسه.
ميقاتي الذي لا يستند تكليفه إلى تفاهمات وتصور وخطة، وضع لمهمته هدفاً متواضعاً هو السعي لتأمين بعض الخدمات التي لا تستقيم الحياة من دونها. أما الذهاب إلى عمق الأزمة في أسبابها والمسؤوليات القائمة في النظام و«المنظومة»، ما هدّد بزوال البلد وألحق الخراب بلقمة عيش ملايين اللبنانيين في الداخل والخارج، فلا مكان له في برنامج الحكومة العتيدة في حال تشكيلها. لا ينبغي أن ننسى، في هذا الصدد، أن الصراعات الضارية بين أطراف النظام والمنظومة لم تؤدِ يوماً إلى أي نوع من أنواع التفريط بهما، في كل المراحل وفي وجه كل الخصوم. هذا ينطبق على التحقيق في إنفجار المرفأ، وعلى «التدقيق الجنائي»، وعلى النهب الهائل لخزينة الدولة، وعلى تهريب المليارات إلى الخارج، وعلى تحديد الخسائر وعلى توزيع الأضرار وليس حصرها بالفئات الأضعف.
لن ينجو البلد من الكارثة. ليس في الأفق ما يشير إلى ذلك ما استمرت العقلية والممارسات والقيادات ذاتها. غياب معارضة داخلية بحجم الأزمة والمخاطر المدمِّرة، يسهل ذلك أيضاً. الاستغلال الخارجي يمارس دوراً تخريبياً مباشراً لتعميق المأزق وتقريب الانهيار الشامل مستهدفاً بالدرجة الأولى إنجاز لبنان غير المسبوق في حقل المقاومة والتحرير.
الوطن المنكوب، بنظامه وحكامه، يستصرخ مجدداً القوى الوطنية والحريصة، فمن يلبي النداء ؟

* كاتب وسياسي لبناني


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا