هناك حالة استشراس وتوحش من طرف إدارة فيسبوك تجاه المحتوى الفلسطيني على الموقع. ذلك أمر لا شك فيه ويلاحظه كل المهتمين بالشأن العام وبالقضية الفلسطينية خصوصاً. حالات حجْبٍ وحظرٍ كثيرة وعقوبات بالجملة على ناشطين بالحقل السياسي ومدافعين عن الشعب الفلسطيني ومعادين لإسرائيل والصهيونية من مستخدمي الموقع. وهذا الأمر بدأ بالتدريج وتصاعد في الأشهر القليلة الماضية حتى وصل حداً فاحشاً في قسوته و «بطشه». حسابات كثيرة تم تحذير أصحابها وتجميد نشاطهم لفترات طويلة أو حتى إلغائها نهائياً (ومنها حساب الدكتور أسعد ابو خليل) إلى درجةٍ صارت معها الكتابة على صفحات الفيسبوك في موضوع سياسي متعلق بفلسطين أو الثورة أو المقاومة أمراً يحتاج الى الكثير من «المهارة» والمناورة من أجل تجنّب الحظر أو العقوبة من طرف فيسبوك. وصار الناشطون يلجأون إلى «كودات» معينة في الكتابة من أجل الالتفاف على لوغاريتمات الفيسبوك المفعّلة بشكل مفرط لمواجهة كل من يخالف «المعايير» وينشر محتوى «غير لائق». وطبعاً كل ذلك يجري تحت لافتة محاربة العنصرية وخطاب الكراهية.

فهل لتوكل كرمان علاقة بذلك؟
القصة تعود الى أيار / مايو 2020 حين أعلنت إدارة فيسبوك عن تعيين مجلس أشراف «facebook oversight board» مهمته «تعزيز حرية التعبير من خلال اتخاذ قرارات مستقلة مستندة إلى مبادئ principled، independent decisions بشأن المحتوى، وإصدار توصيات إلى فيسبوك بشأن سياسات المحتوى « حسب الاعلان الرسمي». ورغم أن شركة فيسبوك هي من اختارت أعضاء المجلس وعيّنتهم وتدفع مرتباتهم الضخمة (تقارير صحافية تحدثت عن حوالي ربع مليون دولار سنوياً للعضو مقابل 15 ساعة عمل في الاسبوع ) إلا أنها تريدنا أن نصدّق أن المجلس مستقل تماماً وأنها خاضعة لقراراته وملتزمة بتنفيذها فوراً. يتكون المجلس العتيد من عشرين شخصاً ذوي خبرات مميزة من مختلف بلاد العالم (خمسة منهم من الولايات المتحدة، خمسة من قارة اسيا، ثلاثة من اوروبا، ثلاثة من افريقيا، اثنان من امريكا اللاتينية، واحد استرالي وواحدة من «اسرائيل»). وتم اختيار عضو عربي وحيد في المجلس : اليمنية الحاصلة على جائزة نوبل توكل كرمان .
فهل يجوز توجيه اللوم الى توكل كرمان على سياسة القمع الفيسبوكية تجاه المحتوى الفلسطيني؟ أم أن ذلك أمر أكبر من حجمها؟ الجواب هو بنعم ولا. نعم لأنها ما دامت قبلت أن تكون عضواً قيادياً في مجلس وظيفته الإشراف على المحتوى الذي يُنشر على فيسبوك، وتحديد ما يصلح أن يقال ويكتب وما لا يصلح، فهي إذن مسؤولة، أو على الأقل شريكة في المسؤولية، عن القرارات والسياسات التي يتخذها هذا المجلس. وإذا كانت قرارات المنع والحظر الفيسبوكية تُتخذ خلافاً لرأيها وموقفها فعليها أن تعترض وتكافح من أجل رأيها وأن لا تكون مجرد شاهد زور. ولا ننسى أنها الوحيدة الناطقة بالعربية من مجلس الأشراف وبالتالي من المتوقع أن تكون هي بالذات الأكثر اطلاعاً على وانغماساً بقرارات الفيسبوك بشأن القضية الفلسطينية. ومن هذه الزاوية لا يمكن تبرئتها . فعليها مثلاً ان توضح لإدارة فيسبوك ( إن كانت حقاً لا تعلم) أن ذمّ الصهيونية وإدانتها ليست عنصرية ولا جريمة كراهية. ولكن من الجانب الآخر، نحن نعلم أن سياسة المحتوى في فيسبوك أكبر بكثير من مستوى توكل كرمان وهي بالتالي ليست صاحبة قرار حقيقي فيما تقرره الفيسبوك، أي أنها «بريئة» من مسؤولية تنفيذ الأجندة الاسرائيلية من طرف فيسبوك التي لا تستطيع تغييرها حتى لو ارادت، لأنها مجرد واجهة اعلامية لا اكثر.
وفي الحالين هي مُلامة، سواء كانت مساهِمة حقيقية في قرارات وسياسات فيسبوك أو كانت شاهدة زور بلا حول ولا قوة.
شوطٌ طويل قطعته توكل كرمان حتى الآن في مسيرة حياتها اللافتة والمميزة كفتاةٍ عربيةٍ من اليمن، انتقلت خلاله من ساحات الثورة الشبابية سنة 2011 ضد نظام علي عبد الله صالح، إلى عالم «جائزة نوبل» والنجومية والعالمية والجمعيات الدولية، الى التخندُق في طيّات التحالف التركي- القطري – الإخواني في المنطقة، وصولاً الى وضعيتها الجديدة كشرطيّة في عالم الفيسبوك الأشدّ قمعاً وتأثيراً من حكومةٍ مستبدّةِ هنا أو حاكمٍ ديكتاتورٍ هناك.

* كاتب و باحث من الاردن