توفي دونالد رامسفيلد. الوجه الأميركي الأبرز (بعد جورج بوش الابن) في مشروع غزو العراق سنة 2003. وزير الدفاع وصاحب المواقف المتطرفة إلى أقصى حدّ تجاه العراق وصدام حسين بالتحديد. الرجل الذي كان يرفض أيّ احتمالٍ أو نقاشٍ لفكرة الحلّ الدبلوماسي أو السياسي مع العراق ويصرّ على الغزو العسكري، ولا شيء غير الغزو، حتى لو لم يكن هناك أيّ مسوّغ قانوني أو أساس شرعي يبرّر غزو بلد مستقل (والأميركيون عادة حريصون على وجود مستند قانوني، ولو كان ضعيفاً، لتصرفاتهم وقراراتهم) سوى مجموعة من الأكاذيب المفضوحة. الرجل الذي أطلق العنان لجيشه ومتعاقديه ليمارسوا الوحشية في تعذيب السجناء العراقيين بشكل لا ينتمي إلا إلى العصور ما قبل الوسطى.

والحقيقة أن العلاقة بين دونالد رامسفيلد والعراق قديمة جداً، وتعود إلى 20 سنة قبل الغزو الأخير سنة 2003. والصورة المشهورة التي تجمعه بصدام حسين سنة 1983 موجودة في الأرشيف ولم يمكنه محوها.
صحيفة واشنطن بوست الأميركية نشرت في عددها الصادر يوم 30 كانون الأول/ ديسمبر 2002 (في ذروة الاستعدادات للغزو) تقريراً عن الوثائق التي تم رفع السرية عنها من عهد الرئيس الراحل ريغان صادرة عن وزارة الخارجية والدفاع والأمن القومي. وفي هذه الوثائق يظهر الدور المهم الذي لعبه رامسفيلد شخصياً في دعم نظام الرئيس صدام حسين على المستويات كافة، وتمكينه من الصمود في الحرب مع إيران بل وبناء وتطوير ترسانته من الأسلحة الفتّاكة، الكيميائية والبيولوجية.
وثائق واشنطن بوست تخبرنا أنه عام 1982 اتّخذت إدارة رونالد ريغان قراراً استراتيجياً بعمل كلّ ما يلزم لمنع هزيمة العراق في الحرب مع إيران. وقبل ذلك وعلى مدى عامين منذ اندلاع الحرب سنة 1980 كانت أميركا تكتفي بالفرجة ومراقبة تطورات الحرب بين النظامين اللذين لا تكنّ لهما الكثير من المودّة، النظام البعثي الصدّامي في العراق (كان مصنّفاً على قائمة الإرهاب الأميركية) ونظام آية الله الخميني الإسلامي الثوري في إيران، وطالما بقيت الأمور في حالة تعادل بينهما فلا داعي لأن تفعل أميركا شيئاً. ولكنّ انقلاب الموازين على الأرض وانتقال إيران من حالة الدفاع عن النفس إلى الهجوم والتهديد الجدّي الذي صارت تتعرض له مدينة البصرة بالذات، جعل أميركا تغيّر موقفها وتقرّر التدخل لمنع الانتصار الإيراني المحتمَل. فكان لا بدّ من إعادة حبال الوصل مع العراق ورئيسه صدام حسين. والرجل الذي اختاره ريغان لهذه المهمّة الحساسة كان دونالد رامسفيلد. وبالفعل شدّ رامسفيلد رحاله إلى بغداد حيث التقى صدام في 1983 وأبلغه بموقف الإدارة الجديد وتباحث معه لـ 90 دقيقة في تفاصيل أنسب الطرق لدعم العراق في الحرب. وبالفعل بعد عودة رامسفيلد إلى واشنطن من زيارته (الناجحة) بدأ برنامج دعم أميركي كبير ومتعدّد المستويات للعراق، وكان رامسفيلد طبعاً هو عراب العلاقات المستجدة مع صدام حسين ونظامه، وأشرف على المجهود الأميركي في هذا الاتجاه (تكرّرت زياراته لبغداد بعدها). وطبعاً كان من تحصيل الحاصل رفع العراق من قائمة الدول الإرهابية وإعادة العلاقات الدبلوماسية (وقام نزار حمدون، سفير صدام المعيّن في واشنطن، بدور نشط جداً وفعّال في أوساط الكونغرس واللوبي الصهيوني لحشد الدعم للعراق والتهويل من الخطر الإيراني على مصالح أميركا). والجزء الأخطر (والأكثر لاأخلاقيةً) في برنامج الدعم الأميركي (عدا عن الدعم المالي بمليارات الدولارات على شكل ائتمانات مصرفية) كان في مجال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. سمحت الولايات المتحدة لشركاتها (وبالذات شركات يونيون كاربايد وهونيويل وداو كيميكال) بتصدير المكوّنات اللازمة لتصنيع أسلحة بيولوجية (بما في ذلك جرثومة الانثراكس) وكيميائية (تحت مسميات زائفة مثل مبيدات حشرية). وتولّى وليام كيسي، مدير المخابرات الأميركية والصديق الشخصي لريغان، مهمّة تزويد العراق بمعلومات استخبارية ذات أهمية فائقة عن إيران وجيشها وأوضاعها، كما أنه رتّب عملية توريد قنابل عنقودية شديدة المفعول للعراق من خلال شركة في تشيلي (لتجنب ضرورة الحصول على موافقة الكونغرس). وبلغ الدعم الأميركي للعراق حدّاً جعلهم يتغاضون عن مئات التقارير الصادرة عن منظمات دولية حول الاستعمال واسع النطاق من طرف العراق للأسلحة المحرّمة دولياً، وشهادات الجهات الطبية الدولية بتعرّض الجنود الإيرانيين لحروق وغازات كيماوية وهجمات جرثومية. تجاهلت أميركا كلّ ذلك وكأن شيئاً لم يحصل. وحتى عندما أباد نظام صدام سكان مدينة حلبجة الكردية العراقية بالأسلحة البيولوجية لم تحرّك أميركا ساكناً (الدبلوماسي العريق ريتشارد ميرفي وفي تقرير له عن موضوع استخدام العراق للأسلحة الكيميائية قال: العلاقة الأميركية-العراقية مهمّة لأهدافنا السياسية والاقتصادية بعيدة المدى. وأية عقوبات اقتصادية ستكون عديمة الجدوى ومضرّة لنفوذنا في العراق).
كل ذلك حصل تحت نظر وإشراف ومتابعة دونالد رامسفيلد الذي عمل كلّ شيء، مهما كان لاأخلاقياً، لضمان نجاح صدام في حربه ضد إيران ولو كان ذلك على حساب بحار من دماء العراقيين والإيرانيين من العرب والفرس والكرد. لا شيء يهم بنظر الإمبريالية الأميركية المتوحّشة وممثلها الشرس رامسفيلد ما دامت مصلحة الإمبراطورية وأهدافها الاستراتيجية في العالم متحققة.
رحل دونالد رامسفيلد عن عالمنا بعد أن أفسد في العراق ما لا يصلحه الدهر. رحل رامسفيلد بعد أن خلّد اسمه في قائمة الغزاة والبرابرة الذين لن ينساهم التاريخ.
* باحث من الأردن

هوامش :
1- رابط اجتماع صدام حسين مع دونالد رامسفيلد سنة 1983 من يوتيوب
2- رابط مقال جريدة واشنطن بوست عن الدعم الأميركي لنظام صدام أثناء الحرب مع إيران ودور رامسفيلد في ذلك