مثّل الرئيس حلو مرشّح تسوية في المنازلة بين الأقطاب الموالين للشهابية ومعارضيها. وحين أجريت الانتخابات التي أتت بالرئيس فرنجيه، كانت ثمة ثلاث كتل في البرلمان هي الحلف والنهج والكتلة الوسطية. كان الرئيس أحد مؤسسي هذه الأخيرة، ومعادياً للشهابية.


ضرب الجيش

سوف تكون انتخابات 1970، ومجيء الرئيس فرنجيه سبباً لانكفاء الشهابية وما مثلته لجهة دور الجيش و«المكتب الثاني». يشير الدكتور الصليبي إلى أن الجيش أظهر وحدة وتماسكاً مشهودين خلال المواجهات مع المنظمات الفلسطينية علم 1969 (الصليبي، 1976: 53). ومع ملاحقة ضباط «المكتب الثاني» التي قامت بها «حكومة الشباب»، التي كانت الأولى برئاسة سلام في العهد الجديد، تخلّت الدولة عما كان هذا الجهاز قد راكمه خلال 12 سنة في ميدان مراقبة المنظمات الفلسطينية والقوى السياسية والاستخبارات الأجنبية العاملة في بيروت (المصدر نفسه: 57). وأتاح مقتل قائد الجيش بحادث طائرة، تعيين ضابط متقاعد صديق للرئيس هو إسكندر غانم. ولم تتخذ حكومتا الرئيس سلام إجراءات فعّالة للحد من دخول أفراد المنظمات الفلسطينية. كما فشلت صفقة شراء صواريخ كروتال فرنسية للجيش اللبناني، بسبب ما شابها من عمولات وفساد. وقد زار الرئيس فرنجية مصر والسعودية في نيسان عام 1973، لطرح مشكلة وجود المنظمات الفلسطينية في لبنان. ومباشرة بعد عودته، نفّذت إسرائيل عملية فردان التي أودت بحياة القادة الفلسطينيين الثلاثة. طالب الرئيس سلام بإقالة قائد الجيش، لأنه لم يتم التصدّي للعملية الإسرائيلية. وحين لم يستجب رئيس الجمهورية لطلبه، استقال من منصبه.
سوف تعطي سلسلة من الأعمال المدبّرة والاستفزازات، مبرّراً لمعركة جديدة من قبل الجيش مع المنظمات الفلسطينية، خلال النصف الأول من أيار 1973. وهي لم تتح للجيش تحقيق حسم على هذا الصعيد. ذلك أنه حين عمد هذا الأخير لتكرار تجربة ضرب المنظّمات، كانت الأرضية قد باتت مختلفة، بفعل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة، وتراكم الغبن تجاهه من تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب من دون التصدي لها، وتردي علاقة الرئيس مع الأقطاب السنّة.

أزمة اجتماعية وسياسية

سوف يتبيّن خلال فترة قصيرة للغاية، أن العهد الجديد لن يحمل أي تغيير على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وقد مُنِع وزير المال من تعديل الرسوم الجمركية بما يحمي القطاعات الإنتاجية، ويزيد مداخيل الدولة لتمويل الإنفاق العام. أقفل التجار الأسواق حتى تراجعت الحكومة وألغت المرسوم 1943 (داغر، 1995: 126). ومُنِع وزير الصحة من الحد من حرية مستوردي الأدوية في التسعير (المصدر نفسه: 122). وأُهملت مشاريع تحديثية، كمشروع الضريبة الموحّدة على الدخل (المصدر نفسه: 118). ولم يشهد العهد بكامله إقرار أية ضريبة جديدة مباشرة، على الدخل أو على الصفقات العقارية (المصدر نفسه: 216). وقد أعدّ الجهاز الفني في وزارة التصميم العام الخطة السداسية (1972-1977)، مندون طلب من أحد. وكانت نسبة تنفيذ المشاريع المدرجة فيها في آخر عهد فرنجية ضئيلة للغاية. بقيت قاعدة توازن الموازنة وتحقيق الفوائض، هي السائدة على حساب الإنفاق التنموي للدولة. وقد حققت الموازنات السنوية للعهد، فوائض في ثلاث سنوات من الأربع التي سبقت اندلاع الحوادث في نيسان 1975 (المصدر نفسه: 208). وقد بوشِر عام 1972 بإنجاز وصلة طبرجا - طرابلس من الأوتوستراد الساحلي، الذي كان قد بدأ العمل فيه قبل عشر سنوات (المصدر نفسه: 142). لم تُنجَز تلك الوصلة إلا في أواخر التسعينيات، بعد نحو ربع قرن. واقتضى أربعين عاماً لاستكمال وصلة الأوتوستراد بين طرابلس وصور.

كان بقاء الأمور من
دون حسم عام 1973 مبرّراً لكل الفرقاء للذهاب أكثر نحو التسلّح
وأُنشئ المصرف الوطني للتنمية الصناعية والسياحية، بعد أن كانت قد مضت تسع سنوات على صدور القانون بشأنه. لكنه اصطدم بمعارضة جمعية المصارف، ولم يتمكّن من تأمين الموارد التي تتيح له الانطلاق (المصدر نفسه: 116). وعُقِد مؤتمر للإصلاح الإداري عام 1972 في القصر الجمهوري، من دون أن يخرج بنتيجة، أو يغيّر في واقع الإدارة التي باتت أكثر شغوراً في الملاكات الدائمة والفنيّة، وأكثر عرضة لاستخدامها من الوزراء والسياسيين لإدخال المحاسيب وتوفير التنفيعات (المصدر نفسه: 140). يفاجأ من يعيد قراءة كتاب الأب رينيه شاموسي الصادر عام 1978، بوضوح موقف الكاتب وجرأته (شاموسي، 1978). وهما خاصيتان افتقدتا لدى الكتّاب اللبنانيين بعد ذلك التاريخ. يُظهر الكتاب ظرفاً داخلياً طغت فيه الأزمة الاجتماعية الناجمة عن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وباتت فيه التظاهرات المطلبية عنصراً بارزاً في المشهد الداخلي. رأى الأب شاموسي أن النقابات بلورت خطاباً مطلبياً، كان يمكن الاستجابة له من قبل الدولة وأرباب العمل. واستغرب تعاطي هيئات أرباب العمل هؤلاء مع المطالب المطروحة (المصدر نفسه: 50). وقد ظهرت ردود فعل هؤلاء أكثر تطرفاً وحدّة في مناسبة طرح أحد وزراء حكومة الرئيس تقي الدين الصلح، النائب نزيه البزري، مشروعاً لضبط الأسعار والتصدي للغلاء (المصدر نفسه: 57). أحصى ألبر داغر إحدى عشرة مقاربة مختلفة لمواجهة غلاء المعيشة، أقرّتها حكومات عهد الرئيس فرنجية المتعاقبة، من دون أن تتمكن من تطبيقها أو أن تكون لها نتائج ملموسة على الأرض (داغر، 1995: 30-33). جرّبت خفض الرسوم الجمركية أو إزالة القيود الكمية على بعض السلع المستوردة لخفض أسعارها في السوق. وحدّثت تشريعات تعود إلى الحرب العالمية الثانية تتيح تحديد سقوف الأسعار وهوامش الربح (المصدر نفسه: 133). وتحمّلت الدولة عبء تثبيت أسعار بضع سلع أساسية (المصدر نفسه: 135). ورمى مشروع الوزير البزري إلى منح الإدارة الحكومية المعنيّة بالرقابة على الأسعار، الحق بطلب إحالة المتلاعبين بالأسعار أمام النيابة العامة (المصدر نفسه: 179). وطُرِح مشروع إصدار بطاقة تموينية يستطيع حاملوها الاستفادة من الأسعار المدعومة لبعض السلع ذات الاستهلاك الجماهيري (المصدر نفسه: 212). وانتهت الحكومة إلى ضرورة تعزيز الإدارة المعنية بالرقابة على الأسعار في وزارة الاقتصاد، بجهاز بشري مناسب. وقد أقرّ مجلس الوزراء ذلك المشروع، ولم يكن بالإمكان تنفيذه، لعدم رصد مبالغ له في الموازنة (المصدر نفسه: 184). عمل المصرف المركزي من جهة أخرى، في ضوء الدخول الكثيف للعملات الصعبة، لزيادة الكتلة النقدية بالليرة، لكي لا يتحسّن سعر صرفها تجاه الدولار، وتنخفض ميزانيات المصارف المجمّعة المقيّمة بالليرة. وتعاونت أولوياته مع عجز الحكومة عن تحقيق الرقابة على الأسعار، لجعل الغلاء الفاحش سمة الحقبة. وقد تراوحت زيادة أسعار السلع الغذائية والخضار، بين 30% و100% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 1973. وتجاوزت أسعار مواد البناء الـ50% خلال الفترة ذاتها (المصدر نفسه: 152). وكانت نسبة الغلاء في 1974، نحو 36%، وفقاً لتقرير «نيويورك تايمز» (المصدر نفسه: 173). وارتفعت كلفة المتر المربع الواحد من الأبنية السكنية بنسبة 50% بين عامي 1972 و1974 (المصدر نفسه: 170). وأظهر كتاب مايكل جونسون، أن ارتفاعات الأسعار لبعض السلع الأساسية، كالسكّر والأرز والخضر والفاكهة تراوحت خلال 1974 بين 100% و200% (جونسون، 1986: 165). وقد جرى تصحيح الأجور مرتين. كان الأول بنسبة 5%، وحصل عليه القطاع الخاص في 1972، والقطاع العام في آب من العام التالي. أما الثاني، فكان بنسبة 10% في مطلع 1975 (داغر، 1995: 137 و212). مثّلت الإجراءات الحكومية المعتمدة سياسة اقتصادية «مضمرة»، كما كان يحلو لألبر بدر وسمير مقدسي أن يسمياها. لكنها كانت واضحة، بل ومتطرّفة في انحيازها وخضوعها لإملاءات التجار والمصرفيين. انسحب ذلك على الإجراءات المعتمدة في ميادين السياسة التجارية والسياسة النقدية وسياسة سعر صرف الليرة والتصدي للتضخم وسياسة الإنفاق العام. تصدى التجار لأي إجراء يحد من حرية الاستيراد. وعكست السياسة التجارية، نزولاً من قبل الدولة عند إرادتهم، لجهة الامتناع عن رفع الرسوم الجمركية في بداية العهد، والاضطرار لرفعها في خريف 1975، أي بعد اندلاع الحرب الأهلية، لتغطية عجز الموازنة. وأظهرت إحصاءات مدير الإحصاء المركزي، روبير كسباريان، أن المصارف كانت مسؤولة عن 60% من خلق النقد خلال 1971-1974، بالقروض التي وفرتها للمستثمرين في القطاع العقاري، وللتجار من أجل استيراد السلع وتخزينها ترقباً لارتفاع أسعارها. وتسبب المصرف المركزي بـ40% من الخلق النقدي، مقابل مشترياته من الدولار، لمنع تحسّن سعر صرف الليرة، نزولاً عند رغبة المصارف (المصدر نفسه: 172). وعجزت الدولة عن اقتراح ضرائب مباشرة تزيد وارداتها، وترفع مستوى إنفاقها على البنى التحتية. وكان المستوردون أول المشتكين من عجز الدولة عن الإنفاق لتطوير القدرة الاستيعابية لمرفأ بيروت. وبدا قصورها أكثر فداحة في الإنفاق على شبكة المواصلات، التي تفاقم عجزها عن استيعاب زيادة السيارات بنسبة 56% بين 1970 و1974 (المصدر نفسه: 192). أدى الإضراب الذي قادته «جمعية تجار بيروت» عام 1971 إلى إلغاء المرسوم 1943. ودفعت ممانعة «جمعية المصارف» ممثلة برئيسها جوزيف جعجع، لصرف النظر عن إنشاء «المصرف الوطني للتنمية الصناعية والسياحية». واحتشد 900 ممثل لمختلف هيئات أرباب العمل في مؤتمر خلال صيف 1974 للتصدي لمشروع الوزير البزري بشأن الرقابة على الأسعار. وامتنعت الحكومة تحت ضغط التجار، عن رصد مبالغ لتنسيب مراقبين على الأسعار في وزارة الاقتصاد. وخضعت للضغوط لاستعادة مشروع الوزير شادر المحال إلى مجلس النواب، بهدف فرض ضريبة يتيمة على التحسين العقاري. وذلك في حين لم تمثّل الضريبة على الدخل التي سددتها المصارف عن 1973 سوى نسبة 1.12% من واردات الموازنة، وتلك التي سددها التجار والصناعيون 3.5 % منها (المصدر نفسه: 205).
أبرز كتاب سمير قصير السبب الآخر الخطير الذي كان يكشف عجز الدولة ويُسقِط شرعيتها، ألا وهو الارتفاع الجنوني لوتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني والمخيمات، وامتناع الدولة عن التصدّي لها. وهي أصبحت ابتداء من عام 1974 بمعدل سبعة اعتداءات كلّ يوم (قصير، 1994: 65). هذا هو الوضع الداخلي حيث الدولة عاجزة عن صون سيادتها، بمعنى منع إسرائيل من التعدي على أراضيها، والتصدي للأزمة الاجتماعية المتفاقمة.

القوى من خارج الدولة

كانت المواجهة بين الجيش والمنظمات الفلسطينية في أيار 1973، وبقاء الأمور من دون حسم، مبرّراً لكل الفرقاء للذهاب أكثر نحو التسلّح والتدريب. وهو ما شجّع عليه الرئيس فرنجيه ووزير الدفاع في حكومة الرئيس الصلح، نصري المعلوف (سالمون: 54). يقول الدكتور الصليبي إن فرنجيه والجميّل وشمعون بحثوا عن تمويل وتسليح في الدول العربية، وإن بواخر السلاح كانت تأتي الواحدة بعد الأخرى إلى مرفأ بيروت لتفرِغ حمولتها بمعرفة السلطات، في حين كان العراق وليبيا وسوريا تسلح الفلسطينيين (الصليبي، 1976: 70). مثّل الكتائب والوطنيون الأحرار وحراس الأرز والتنظيم، إضافة إلى «جيش التحرير الزغرتاوي» القوى المعنية بالتدريب والتسليح للدفاع عن النظام. في قراءة أنتليس لحزب الكتائب، لا نرى سوى الإيديولوجيا والأفكار. يصحّح ستوكس هذه الصورة بتضمين قراءته صورة له كمنظمة شبه عسكرية، كانت تبلغ قبل الحرب 3 آلاف متطوّع (ستوكس: 224). بدت أولوية الدولة عند الحزب في الأهمية المطلقة المعطاة لـ «حمايتها». أما أعداؤها فهم اليسار الذي هو بمثابة «طابور خامس»، والدول العربية الراديكالية والمنظّمات الفلسطينية (المصدر نفسه: 218). ونشأت الحاجة إلى حمايتها من ضعف آلتها الإدارية، وعدم قدرة القوى المسلّحة الرسمية على الحركة، وغياب الإرادة لدى الزعماء السنّة عن تحمّل المسؤولية في حالات الطوارئ، وكون النظام بنفسه مكوّناً من زعماء محليين (المصدر نفسه: 221). أما أشكال الحماية، فهي بالإصلاحات المقترحة المتعلّقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، الآيلة إلى تعزيز شرعية الدولة. لكن الحزب لم يحمل مشروعاً إصلاحياً متميّزاً في هذا المجال. أجهد نائبه الدائم في البرلمان، جوزيف شادر، نفسه لإقناع أوساط الأعمال في مطلع الستينيات، بالإنفاق التنموي الشهابي (داغر، 1995: 71). كانت حجته في ذلك، أن الإنفاق الفعلي سيكون على الدوام أقلّ من المبالغ المخصّصة له، بحيث لا يكون هناك عجز في الموازنة. ووفرت مداخلاته على مدى الحقبة اللاحقة وسيلة ضغط من أجل إعطاء الأولوية لتوازن الموازنة، على حساب الإنفاق التنموي (المصدر نفسه: 84-91). ووقف الحزب في صف التجار في المواجهة التي خاضوها ضد المرسوم 1943 (المصدر نفسه: 125). لكن الوزير شادر، في حكومة الرئيس تقي الدين الصلح، وجد من هو أكثر محافظة منه، حين ردّ مجلس النواب مشروع الإصلاح الضريبي الذي أعدّه، واقتصر على إنشاء ضريبة على التحسين العقاري، لمواجهة العجز في مشروع موازنة 1975 (المصدر نفسه: 205). أما الحماية الأهم للدولة، فهي كانت بالتدخّل كقوة عسكرية. لعب الحزب دوراً في حماية عدد من الأحياء أثناء حرب 1967، بناء على طلب الرئيس حلو (ستوكس: 228). وكان تدخله العسكري أكثر وضوحاً خلال المواجهات بين الجيش والمنظمات الفلسطينية عام 1973، من خلال الانتشار في الأحياء المحاذية للضاحية الجنوبية (المصدر نفسه: 229). كانت حرب 1958 الأهلية هي التي أقنعت الحزب أن له دوراً «مستقلاً» في حماية الدولة، وهو ما عبّر عنه الكتاب المرفوع في شباط 1973 لرئيس الجمهورية بهذا الشأن، إذ أوضح أن الرد على القوة سيكون بالقوة (المصدر نفسه: 222). عرض ستوكس في نصه المنشور في خريف 1975، استراتيجية الحزب العسكرية بالتفصيل، التي جرت بلورتها منذ حرب 1958 الأهلية، تحت اسم «فورترس ليبانون». وهي هدفت للدفاع فقط عن مناطق جبل لبنان الممتدة من شرق بيروت إلى زغرتا شمالاً، باعتبار أن المناطق المتبقية من لبنان سوف تقع تحت سلطة المعارضة، كما كان الأمر في حرب 1958 الأهلية (المصدر نفسه: 225). وقد جرى بالفعل تطبيق هذه الاستراتيجية بحذافيرها أثناء «حرب السنتين». كان لاستراتيجية الحزب شق «أمني» داخلي، هو تنطّحه للعب دور قوة محلية لمواجهة «التخريب» (counter-subversion)، من خلال جمع المعلومات (المصدر نفسه: 231)، والتصدي بالقوة لمن يمكن أن يلجأوا إليه، من الفلسطينيين إلى اليسار، والتصدي للتظاهرات الطلابية (المصدر نفسه: 229)، ولمن يتطاولون على الرموز الوطنية، وأهمها العلم والأرزة (المصدر نفسه: 224). تطوّعت تلك الميليشيا للدفاع عن الدولة من دون أن يسألها أحد. كان ذلك يتم في وقت اشتد فيه الصراع بين المراهنين عربياً على تسوية سريعة للصراع العربي-الإسرائيلي بعد حرب تشرين، والرافضين لمبدأ التسوية. وعند الفريق الأول، كان إسكات الرافضين للتسوية شرطاً لتحقّقها، في حين وثّق الفلسطينيون علاقتهم مع قوى اليسار اللبناني، تحسّباً لاستهدافهم (الصليبي، 1976: 73).

الأقطاب المعارِضون

وقد رفض الأقطاب السنّة ممثلين بسلام وكرامي، تسمية أمين الحافظ رئيساً للوزراء، لأنه من شخصيات الصف الثاني. واستقال هذا الأخير بعد انتهاء المواجهات بين الجيش والمنظّمات، وسمّي تقي الدين الصلح بديلاً منه. وستواجه حكومة الصلح ازدياداً في الإضرابات والتظاهرات. وكانت هذه الأخيرة غالباً ما تنتهي بصدامات مع القوى الأمنية وسقوط قتلى. شهد عام 1974 أيضاً، دخول الإمام موسى الصدر بقوة إلى المشهد السياسي، وملاقاته لقوى اليسار في تحميلها للدولة مسؤولية التقصير في الدفاع عن الجنوب. أما الدولة فلم يتغيّر شيء في طريقة تعاطيها مع تزايد اعتداءات إسرائيل على الجنوب.
أمام تزايد التعبئة في الشارع، رأى أقطاب السنّة التقليديون لزاماً عليهم التحرّك، لوقف سحب البساط من تحت أرجلهم لمصلحة القوى الراديكالية ولمصلحة جنبلاط (المصدر نفسه: 77). وقد نشأت جبهة أقطاب ضمت إليها مفتي الجمهورية، كان برنامجها تحسين مشاركة السنّة والمسلمين في الحكم، بعد أن كان هذا المطلب نُحِّي جانباً منذ أواخر الستينيات. وقد طرحت موضوع جعل نهار الجمعة يوم عطلة (المصدر نفسه: 78). سيشهد عام 1974 بدء صدامات على الأرض، كان أولها في الدكوانة بين محسوبين على الكتائب وعلى الفلسطينيين دام يومين في آخر تموز 1974. ثم كان صدام آخر بين المسلحين الكتائب والجنبلاطيين في ترشيش في 2 أيلول. وسيعبّر حزب الكتائب في مؤتمره السنوي في خريف 1974، عن موقف داعم للدول العربية الموافقة على التسوية، وضد المعارضين لها في «جبهة الرفض». وسيعلن رئيسه دعمه «العمل الفدائي الشريف»، ورفضه للمتطرفين في جبهة «اليسار الدولي» (المصدر نفسه: 87).
وقد استقالت حكومة الرئيس الصلح عقب حوادث ترشيش، ورفض الرئيس سلام أن يُسمّى لتشكيل حكومة جديدة، بسبب الحصة التي طلبها الرئيس فرنجيه فيها. واعتبرت جبهة الأقطاب السنّة تسمية النائب رشيد الصلح لتشكيل الحكومة، كشخصية من الصف الثاني ونائب يدين بالأصوات الانتخابية التي يحصل عليها لجنبلاط، تأكيداً للموقف السلبي من الرئيس تجاهها. وتشكّل «تحالف» معارض قوامه سلام وكرامي واده.

شلّ الجيش مدخلاً للحرب

ومنذ بداية عهد حكومة الرئيس رشيد الصلح، باتت الحوادث من انفجارات وسرقات وخطف واغتيالات أموراً يومية، الأمر الذي كان يجعل من الصعب التمييز بين مصادر تلك الحوادث، ويتيح للبعض نسبتها فقط إلى التجاوزات الفلسطينية (المصدر نفسه: 91). وخلال الشهر الاول من عام 1975، حصل صدام بين الجيش وبين المنظمات الفلسطينية على الحدود. تبعت ذلك إدانات من الزعماء المسيحيين، وتقديم مذكرة من قبل رئيس الكتائب لرئيس الجمهورية يطلب فيها إجراء إستفتاء حول الوجود الفلسطيني. وهي دلّت على إصرار الحزب على التكرّس لهذا الموضوع (المصدر نفسه: 92). وبعد أقل من أسبوع، حصلت تظاهرة في صيدا ضد مشروع إنشاء شركة صيد بحري برساميل لبنانية وكويتية. وفي التظاهرة التالية، آخر شهر شباط، كان أحد الضحايا، النائب السابق معروف سعد. وعند تدخل الجيش بعد إقفال الطرقات، حصل صدام كان ضحيته عسكريون ومدنيّون. وقد وافقت حكومة الرئيس الصلح على سحب الجيش من المدينة بعد الحادثة.
جاء الموقف من الجيش دليلاً على تراجع شعبيته الشديد، لوقوفه متفرّجاً أمام تزايد الاعتداءات على الجنوب. وذلك في الوقت الذي كان السوريون يزوّدون المخيمات الفلسطينية بأسلحة ومضادات لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية (الخازن، 2002: 301). رفض الرئيس فرنجيه طلب الأقطاب السنّة إقالة قائد الجيش بعد حوادث صيدا. واعتبر هؤلاء تعاطي الجيش مع حوادث صيدا، تعريضاً بمقام رئيس الحكومة السنّي، وطالبوا بوضعه تحت سلطة الحكومة. في مقابل هذه المواقف المشكّكة بدور الجيش، سيصار لتنظيم تظاهرات دعم حاشدة له في الأحياء الشرقية من بيروت. وقد اعلن المجلس الإسلامي الأعلى في مناسبة وفاة معروف سعد، سحب الثقة من الرئيس الصلح، واجتمعت الشخصيات السنية، ومن ضمنها كل رؤساء الوزارة السابقين لطلب إعادة تنظيم الجيش، من خلال إنشاء مجلس قيادة له، يتمثّل المسيحيون والمسلمون فيه بالتساوي. وهو ما رفضه الأقطاب المسيحيون. كانت «مأسسة توزيع المناصب على أساس طائفي» (institutionalized communitarianism)، تشلّ قدرة المؤسسات الرسمية، خصوصاً العسكرية والأمنية منها، على صون سيادة الدولة تجاه القوى الداخلية والخارج. لم يتمكّن الجيش من حشد تأييد وطني له في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية، لأنه لم يكن يمارس دوره في حماية الأرض الوطنية، ولأنه بات محسوباً أكثر فأكثر على فريق بعينه يمثّله رئيس الجمهورية، ولأن علاقة هذا الأخير بالأقطاب السنّة كانت لا تفتأ تتردّى. يقارن الدكتور الصليبي بين الاحترام العام الذي حازته مؤسسة الجيش قبل عهد فرنجيه، وما آل إليه وضعها على امتداد ذلك العهد (الصليبي، 1976: 94). يبيّن أن عدم إزالة الشكوك لدى المسلمين بشأن الجيش، كان يجعل هذه المؤسسة غير قابلة للاستعمال في صون السلم الأهلي (المصدر نفسه: 96). ويضيف عنصراً جوهرياً في تفسير رفض القيادات المسيحية التجاوب مع المطالب التي عبّر عنها الأقطاب المسلمون، هو الدعم القوي الذي كانوا يحصلون عليه من الدول العربية، خصوصاً السعودية ومصر، واعتبارهم من قبل تلك الدول، رأس حربة في المواجهة مع الراديكالية. ذلك الدعم، مضافاً إليه الدعم الغربي الموفّر لهم، كانا يجعلانهم «غير متهيّبين أمام المغامرة» (المصدر نفسه: 97). وفي 13 نيسان 1975، افتعل مدير مخابرات الجيش جول بستاني مع مجموعة من حزب الوطنيين الأحرار بالتنسيق مع استخبارات اجنبية، مذبحة عين الرمانة، استناداً إلى الوثائق التي كشفها منشقون عن «المكتب الثاني» عام 1976. كان الهدف جر حزب الكتائب إلى الدخول في المعركة. وهو ما حصل بالفعل.

* أستاذ جامعي


المراجع:

Ajay Nicholas Z, Mount Lebanon and the Wilayah of Beirut, 1914-18: the War years, Dissertation, Faculty of the Graduate School, Georgetown University, Ann Arbor, 1972.
Chamussy René, Chronique d’une guerre, 1975-1977, éditions Latès, 1978.
Dagher Albert, L’Etat et l’Economie au Liban : action gouvernementale et finances publiques de l’Indépendance à 1975 , CERMOC, Beyrouth, 1995.
Entelis John, “Belief-System and Ideology Formation in the Lebanese Kataeb Party”, in International Journal of Middle Eastern Studies, 4, 1973, pp. 148-162.
Gendzier Irene, Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East, 1945-1958, N.Y., Columbia univ. press, 1997.
Issawi Charles, “Migration from and to Syria, 1860-1914”, in Issawi Ch. (ed.), The economic history of the Middle East, 1800-1914: a book of readings, Chicago, ILL. :University of Chicago Press, 1966, pp. 269-273.
Johnson Michael, Class and Client in Beirut: the Sunni-Muslim Community and the Lebanese State, Ithaca press, 1986.
Kasparian Choghig, L'émigration des jeunes libanais et leurs projets d'avenir: enquête réalisée par l'Observatoire Universitaire de la Réalité Socio-Economique (OURSE) de l'Université Saint-Joseph de Beyrouth, Oct.-Nov. 2007, Presses de l'U. S. J., 2009.
Kassir Samir, La guerre du Liban : de la dissension nationale au conflit régional, éd. Karthala-Cermoc, 1994.
Labaki Boutros, “Lebanese Emigration during the War, 1975-1989”, in Albert Hourany and Nadim Shehadi (eds.), The Lebanese in the World. A Century of Emigration, London: Centre for Lebanese Studies in association with I.B. Tauris, 1992.
Mann Michael, “A Sociology of Fascists Movements”, in M Mann, Fascists, Cambridge: Cambridge Univ. Press, 2004, pp. 1- 30.
Ministère du plan-Direction centrale de la statistique, L'enquête par sondage sur la population active au Liban, Novembre 1970, Beyrouth, 1972, vol 1 and 2.
Salam Nawwaf, L’insurrection de 1958, Thèse, Sorbonne 3, 1979, Vol. 5.
Salibi Kamal, “The Lebanese Identity”, in Curtis, Michael (ed.), Religion and Politics in the Middle East. Boulder (CO), Westview Press, 1981, pp. 217-225.
Salibi, Kamal, Crossroads to civil war: Lebanon, 1958-1976, Delmar NY: Caravan Books, 1976, 178 pages.
Salmon Jago, Militia Politics: The Formation and Organization of Irregular Armed Forces in Sudan and Lebanon, PhD thesis, univ. of Berlin, 2006.
Stoakes Franck, "The supervigilantes: the Lebanese Kataeb party as a builder, surrogate and defender of the state", in Middle East Journal, 11, 1975, pp. 215-236.
Winter Stefan, The Chiites of Lebanon under Ottoman Rule, 1516-1788, Cambridge, UK : Cambridge University Press, 2010, 274 pagesو .

ألبر داغر، "بعض ريف جبل-لبنان الشمالي في قرن"، الأخبار، ٢٠ / 11 / ٢٠١٣.
ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 2012، 224 صفحة.
فريد الخازن، تفكّك أوصال الدولة في لبنان : 1967-1976، دار النهار، الطبعة العربية الأولى، 2002، 581 صفحة.