المكابرة والفجور هما سلاح القوى الحاكمة المفضل. هذا ما حصل منذ اندلاع الأزمة بشكلها الانعطافي الكبير، أواخر عام 2019. هذا ما يحصل، خصوصاً اليوم، إزاء تشكيل حكومة جديدة إثر إسقاط حكومة الرئيس حسان دياب بضربة قاضية من قِبَل المجلس النيابي الذي كان أجهض «خطة التعافي الاقتصادي» التي أقرتها تلك الحكومة، بإشراف رئيسه وبدور مميز للنائب في التيار العوني، رئيس لجنة المال والموازنة، إبراهيم كنعان. كانت قلوب معظم أطراف السلطة «مليانة»، من مجيء حكومة دياب ومن الظروف التي فرضتها. وهكذا، وبعد تراجع التحركات الاحتجاجية، كان مجرد إعلان عابر للرئيس دياب نية حكومته البحث في إعداد مشروع قانون لتقديم موعد الانتخابات، القشة التي قصمت ظهرها بسيف المجلس النيابي.

تكشف وقائع حياتنا البائسة، كل يوم، اهتراءً جديداً، وفضيحة جديدة، وفئوية مستشرية ومتفاقمة، واستنقاعاً ومراوحة في العجز والفشل، ودائماً، إمعاناً في النهب والفساد (ولو أن ما تبقى ليس سوى جزء يسير من أموال المودعين التي تبخرت ما بين نهب السلطة وجشع المصارف وسوء إدارة وائتمان حاكم البنك المركزي وخبثه).
يراهن القيمون على النظام، بالدرجة الأولى، في المضي في نهجهم وموقعهم، على ما رسخوه، جيلاً بعد جيل، وبواسطة موارد الدولة والسلطة والدعم الخارجي، من عصبيات وأوهام ومعتقدات... وكذلك، على ما اعتمدوه من أساليب غش وخداع! يضاف، بشكلٍ خاص، ما اعتمدوه من منظومة تحاصصية أحكمت قبضتها على كل مناحي الحياة والنشاط: المؤسسات السياسية والإدارية والأمن والمال والقضاء والتربية والإعلام والفن والرياضة... في مجرى ذلك أُجهضت كل مؤسسات وأشكال الرقابة، ومُنعت كل أشكال المحاسبة، وبات النهب والفساد دفاعاً «مشروعاً» عن «حقوق» طائفية ومذهبية يحملها دجّالون يمثلون طبقة رأسمالية بالغة التوحش والأنانية، معادية لمصالح الشعب والوطن. هي، بامتياز، طبقة الواحد في المئة التي أودت بالبلاد إلى الانهيار، وبالشعب إلى اليأس والجوع والمهانة والكوارث والمآسي التي يتواصل تساقطها على رؤوس الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، من دون رحمة أو مخرج.
على طريقة من يقتل ثم يمشي في جنازة ضحاياه، يواصل عتاة السلطة اليوم مسيرتهم «المظفرة» على حساب آلام اللبنانيين وقلقهم ومآسيهم. هم الفاسدون، وهم الذين يرفعون راية محاربة الفساد من دون خجل أو رفّةِ جفن، هم من يتحاصص موارد البلاد وثروتها، لكنهم يحاضرون في العفة وحب الوطن والسهر على مصالح الشعب.
بعد حوالى عشرة أشهر على «ماراتون» التكليف والتأليف، وفيما يتسارع اندفاع البلاد نحو الانهيار القاتل الشامل، يلجأ أصحاب الفخامة والدولة إلى سلاحهم المفضل، سلاح استحضار وتأجيج العصبيات الطائفية والمذهبية. يجري ذلك لإعادة المواطنين إلى زريبة القطيع وبيت الطاعة، ولاستنفار غرائزهم على حساب عقولهم وجوعهم وإذلالهم. يجيد هؤلاء الرؤساء السجع الطائفي والمذهبي المقيت الذي يتردد صداه الآن بين القصور على نحو خطير. وهم لطالما اختبروا سحره وفوائده في مواجهة الوعي والأزمات وأفكار التغيير والتجديد والتحرر عموماً. وكلما اقتربت الاستحقاقات (النيابية والرئاسية)، وتعاظمت الأزمات، يصبح الفحيح الطائفي والمذهبي حاجة وسلاحاً لا يستغنى عنهما للحفاظ على الموقع والكرسي والنفوذ! لا يهتم أحد من المسؤولين بما يحمله موقفه وسلوكه ومعاركه من تعقيد إضافي: ليس فقط في عدم وقف التدهور، بل أيضاً في تعقيد وتأخير ما ينبغي اتخاذه من تدابير وسياسات، وبالتالي في تسريع الانهيار ومعه المآسي والكوارث!
الفجور يتجلى الآن، أكثر ما يتجلى، في ادِّعاء كل طرف وصلاً بالدستور وحرصاً على تطبيق بنوده نصاً وروحاً! سيكون من قبيل إضاعة الوقت كشف زيف ما يزعمون. هذا الفجور يتم بأسوأ الصور: استصغاراً لعقول الناس وتجنياً على الحقيقة ومخادعة واستفزازاً. الدستور والقانون هما، بالنسبة إلى عتاة أهل السلطة، أداة لتمرير المصالح الفئوية والصفقات وتعطيل الدولة وتسخير مؤسساتها وإمكانياتها في خدمة قوى التسلط والنهب والخداع. أصل الخلل هو في إدارة الظهر للإصلاح الذي انطوت عليه «تسوية الطائف». جوهر الإصلاح ذاك تحرير السلطة من منظومة المحاصصة بإنشاء مجلس نيابي خارج القيد الطائفي كما في المواد 22 و24 و95 من الدستور، واستحداث «مجلس شيوخ» يحصر الشأن الطائفي في أمور «مصيرية» لا علاقة لها بإدارة البلاد، وذلك لإقامة مؤسسات تكون في خدمة الوطن وبالتساوي بين المواطنين، في الحقوق والواجبات، من دون تمييز سلباً أو إيجاباً.
هنا أصل المشكلة. لطالما رعت قوى الاستعمار القديم والجديد الانقسامات الداخلية بكل أشكالها ودعمت «أبطالها» المحليين: لإضعاف الشعوب وإخضاعها والهيمنة على مقدراتها ومصائرها.
لقد كشفت التجربة، بالحروب والدم والدمار، أن ما قد جرى فرضه على لبنان واللبنانيين، قد تخطاه الزمن وموجبات البقاء والتطور والتقدم. يدفع اللبنانيون اليوم ثمناً غير مسبوق في تاريخهم، بل حتى في تاريخ معظم الشعوب باستثناء الشعب الفلسطيني المنكوب بأسوأ مشروع إجرامي في التاريخ!
لفتنا مراراً، ونكرر الآن، أن قوى التسلط والنهب والتبعية والفساد واستغلال الطائفية، تراهن، أيضاً، على استمرار تشتت وضعف قوى التغيير. هذه القوى لم ترتقِ في برامجها وعلاقاتها وممارساتها إلى مستوى ما يتطلّبه الإسهام في معالجة الأزمة من حضور ودور وأطر عمل مشترك ومبادرات ذات طابع وطني إنقاذي شامل. ينبغي القول، أيضاً، في امتداد ذلك، أن ثمة قوى مشدودة في اهتماماتها وأولوياتها إلى الصراع الدائر على مستوى الإقليم والمنطقة، باتت مطالبة، بدورها، بمراجعة مشاركتها في السلطة وأهلها، وبقوى التغيير والعلاقة معها، من حيث الشروط والعلاقات: طلباً للمساهمة في الإنقاذ ولتفادي كارثة الانهيار الكامل.

* كاتب وسياسي لبناني