إدوار سعيد مشروع فكريّ كبير، والكتابة عنه مشروعٌ بحّد ذاته. والاهتمام بسعيد وإرثه لم ينقص بعد موته. على العكس، الاهتمام به يزداد وكتاب «الاستشراق» من أكثر الكتب استشهاداً في المراجع الأكاديميّة، وكتبه تُرجمت إلى لغات الأرض (وهو معروف أكثر بكثير من محبوب لبنان، جبران خليل جبران). لكن الكتابة عن سعيد ليست يسيرة أبداً. عن أي سعيد تكتب؟ الإنسان المشغوف ببقايا فلسطين والعالم العربي والإنسانيّة جمعاء؟ أم بسعيد الأكاديمي المختصّ في الأدب المقارن؟ أو عن سعيد في حياته الخاصّة؟ ويمكن أن نضيف جانب سعيد الموسيقى، والموسيقى الكلاسيكيّة شغلت سعيد منذ سنّ مبكرة وهي بدورها تحتاج إلى تخصّص وقد كتب هو فيها، مع أن رأي النقاد الموسيقيّين بكتاباته الموسيقيّة لا يُجمع. وفي كل جانب من جوانب سعيد هناك حاجة للاختصاص. الذي يريد أن يكتب عن كتابات سعيد في الأدب يحتاج إلى أن يكون متخصّصاً في الأدب، والذي يكتب عن سعيد السياسي المتحمّس، عليه أو عليها أن تكون مختصّة وعليمة بشؤون القضايا العربيّة والإنسانيّة التي شغلت سعيد، والذي يريد أن يكتب عن سعيد الإنسان يجب أن يكون على معرفة وثيقة به وأن يطلع على أسراره.


إدوار سعيد

هنا أنا أتحدّث تحديداً عن كتابيْن عن سعيد صدرا مؤخراً: الكتاب الجديد لتموثي برينان، «أماكن في الفكر». وقبله صدر في فرنسا كتاب دومينيك إده، «إدوار سعيد: فكره كرواية». برينان أستاذ الأدب الإنكليزي والمقارن في جامعة مينيسوتا وهو كان تلميذاً لسعيد، ويعرف موضوع اختصاص سعيد جيّداً. فيما دومينيك إده هي قاصّة وكاتبة لبنانيّة تعيش في فرنسا وهي تعرف سعيد معرفة شخصيّة (يُقلِّل برينان من عمق معرفتها بسعيد مع أن من المؤكد أنها عرفته أكثر مما عرفه هو ـــ على الصعيد الشخصي). برينان غير مؤهّل بتاتاً للحكم في القضايا السياسيّة التي شغلت سعيد وهذا يظهر جليّاً في كتابه. كتاب برينان نال تقريظاً من الصحافة التقليديّة واليساريّة هنا، كما أن الصحافي اليساري الأميركي ـــ المُفترض أنه يساري ـــ أدام شاتز، كتب دراسة مستفيضة عن الكتاب في «لندن ريفيو أو بوكس». ومقالة شاتز مثال آخر لما يتعرّض له سعيد من تشويه من قبل من يزعمون أنهم من مريديه ومن مؤيّديه. لكن كما قال محمود درويش ذات يوم لجمهور في «الإونسكو»: نجّني من حبّكم لي.
هناك منذ حرب العراق الأولى في 1991، محاولة لإعادة تصنيف اليسار بطريقة تسمح بانضوائه في مشروع الحرب الأميركية. وبالفعل، منذ تلك الحرب، هناك أشخاص وحركات ودول انتقلت من معسكر إلى معسكر. هذا حقّها لو أرادت. الوقاحة أن هناك من ينتقل من صف اليسار إلى صف اليمين ومشروع الحرب الأميركية لكن يريدنا أن نقبل أن موقفه «الحربي» هو اليسار الحق، وأن من يعارضه هو المُستبدّ. هذا هو موقف الذين يريدون جعل مشروع التدخّل والاستعمار الغربي في بلادنا عنواناً ليسار جديد غير ستاليني. كل ذلك باسم «اشتراكيّة ذات وجه إنساني» أو «اشتراكية ديمقراطيّة» ـــ ومن لا يحبّ الديمقراطيّة يكون مسؤولاً عن البراميل المتفجّرة، لا بل هو يتلقّى التهم بالمشاركة في رميها في إدلب. والملاحظ أن المُشترك في كل هذا المشروع ـــ أي استخدام الموتى في مشاريع عاداها الموتى هؤلاء ـــ هو الاستعانة دوماً بصادق جلال العظم. هذا الذي أمضى سنواته اليساريّة في اتّهام كل خصومه (من هشام شرابي إلى وليد الخالدي إلى إدوار سعيد) بالعمالة للأميركان، أو حتى لإسرائيل، ثم ختم حياته بالخطاب الطائفي المُطالب بتدخّل أميركا في بلادنا لإنقاذنا من أنفسنا (يبدو أن نقد الفكر الديني لم يشمل نقد الفكر الطائفي عنده). وأدام شاتز وبريمان استعانا بالعظم وقد ذكره كثيراً برينان. والغريب أن دومينيك إده استعانت هي الأخرى بالعظم، كأنها تنتقم من سعيد (لأسباب شخصيّة لا تعنينا) بالعظم. (كان سعيد يكنّ شديد العداء للعظم، واتّهمه في محادثة معي بأنه لم يأتِ إلى أميركا (في «ويلسون سنت» في واشنطن وجامعة برنستون) إلا بدعوة من أعداء سعيد الصهاينة في الجامعات الأميركيّة، مثل برنارد لويس في برنستون، وذلك لإزعاج سعيد.
لا يمانع اليمين الغربي المعادي لليسار الاستعانة باليسار لأغراضه. وهل برع في محاربة اليسار في الغرب والشرق أكثر من اليساريّين السابقين؟ يعلم اليمين الغربي والخليجي أن اليسار السابق فعّال في هجاء اليسار لأنه يعلم أسراره من الداخل ويستطيع أن يحاكي لغته. عندما غادر قدري القلعجي الحزب الشيوعي ليصبح يمينيّاً رجعيّاً، لم يكن يستطيع أن يلبّي كل الطلبات الغربيّة والخليجيّة للكتابة والنشر والخطابة (أصبح له دار نشر خاص به من مال المحسنين). أصبح القلعجي مطلوباً أكثر من جلال كشك في صحف الرجعيّة في السبعينيّات. والاستعانة بالميّتين من اليسار لغايات اليمين عادة مذمومة لكن دارجة في السنوات الماضية. ياسين الحافظ لم يعُد يمتّ بصلة لكتاباته ـــ عندما تقرأ عنه في صحف اليمين. وحسين مروّة الستاليني بات أقرب إلى الليبرالي، كما أن مهدي عامل نفسه ـــ الذي تنبّه مبكراً لخطر الليبراليّة وكتب في نقد حازم صاغيّة ـــ بات اسمه يرد في كتابات اليمين الرجعي المعادي لليسار. الغرب ليس متحجّراً كما نظنّ. لم يعد يكترث لوصمة الشيوعيّة التي أرّقته في الماضي، بل هو يفضّل من يستطيع أن يضرب اليسار بلغة اليسار ورموز اليسار (هذه من دون أن يُشفى الغرب من مرض معاداة الشيوعيّة، وهي غير الشيوعية السابقة). لهذا، فليس غريباً أن تكون أحزاب وحركات (مثل 14 آذار في لبنان) تتلقّى التمويل الأميركي وهي تهزج لرموز من اليسار الماضي (جورج حاوي والياس عطالله، القائد المؤسّس لـ «جمّول» وحسين مروّة) من أجل ضرب حركات المقاومة الحاليّة. عندما يقول اليميني في لبنان أنه يفضّل مقاومة «جمّول»، هو يريد أن يقول إنه لا يقبل بحركة مقاومة إلا إذا كانت غير موجودة.

شارل مالك

كتب الكاتب الأميركي اليساري المعروف، أدام شاتز (كنتُ على معرفة به إلى أن كتب في مديح 14 آذار فقطعتُ علاقتي معه وانتقدته في العلن)، مراجعة طويلة عن إدوار سعيد (كان شاتز يعرف سعيد، وكتب بإيعاز من سعيد مقالة طويلة في نقد اللبناني الهصيوني، فؤاد عجمي). ستدرك ما عنيتُ في المقطع السابق عندما أقول إن شاتز نكشَ نقداً لإدوار سعيد في نقد النظام الإيراني من دون أن يذكر أي نقد لسعيد للصهيونية أو لأميركا أو لأي نظام عربي آخر. وبرينان لا يذكر من نقد سعيد إلا نقده للنظامَيْن السوري والعراقي، كأن سعيد كان من محبّذي أنظمة الخليج أو دول الغرب. وأدام شاتز، مثل برينان، غير متخصّص في شؤون الشرق الأوسط وفي مراجعته في «لندن ريفيو أوف بوكس» (آذار/ مارس، 2021) يخلط المواضيع ويقول إن حرب المخيّمات كانت بين الشيعة اللبنانيّين (كلّهم) وبين فلسطينيّين (هو يجهل أن حزب الله كان أقرب إلى الفلسطينيّين من حركة «أمل» في تلك الحرب) ويقول إن الحزب خرج منتصراً من الحرب الأهليّة (لا يعلم أن الحزب انطلق بعد تسع سنوات من اندلاع الحرب وأن الحزب خرج منتصراً ليس في حرب أهليّة بل في حرب تحريريّة ضد احتلال إسرائيل). ويقول عن العظم إنه «كتب تشريحاً لاذعاً في هزيمة الأنظمة العسكريّة (وهل النظام الأردني خارج المعادلة هنا؟)». لا، صادق جلال العظم، في كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة» كتب تشريحاً لاذعاً للذات والشخصيّة و«العقل العربي» ـــ واستعمال المصطلح العنصري «العقل العربي» جائز هنا، لأن الكتاب الاستشراقي الرديء للعظم لم يختلف عن نمط كتب عنصريّة أخرى عن العرب مثل كتاب رافائيل باطاي «العقل العربي». لم يدرك خطورة كتاب العظم أكثر من غسان كنفاني الذي كتب تشريحاً حادّاً له (باسمه المستعار، فارس فارس) «عن صادق جلال العظم» («الأنوار»، 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر، 1968). وفي مراجعته تساءل كنفاني، عن حق، عن غرابة أن العظم نجا من تلك الأمراض العويصة التي ينسبها إلى «العقل العربي» (راجع المراجعة في كتاب «فارس فارس» لكنفاني الصادر عن «دار الآداب»، ص. 79). ويوافق شاتز العظم على تخوّفه من أن كتاب «الاستشراق» يمكن أن يعين الإسلاميّين في نقده اللاذع للغرب (لم يصدر هذا الموقف من شاتز في حياة سعيد، الذي كان يعطي لشاتز وقته لإجراء مقابلات. انتظر شاتز موت سعيد ليقول ذلك). لكن شاتز لا يقول لنا عن موقفه من تأييد العظم للإسلاميّين ـــ على أنواعهم في الحرب السوريّة.
برينان، وهو يساري غربي ذو ماضٍ في حركات شعبيّة في سنواته الدراسيّة، لا يفقه شؤون العالم العربي. يشرح لنا في الكتاب أنه تعلّم (بصورة مكثّفة) عن شؤون لبنان والعالم العربي من خلال زيارة قصيرة إلى بيروت، والتقى فيها مع معارض سوري قريب من 14 آذار ومن مقابلات مع صادق جلال العظم. برينان استفاد من تعاون عائلة سعيد (مريم، أرملة إدوار، وولدَيه، ووديع ونجلا، بالإضافة إلى مقابلات مع شقيقتَي سعيد، جين وغريس) معه في مشروعه وقد فتحت مريم أوراق سعيد الخاصّة أمامه. وهذه أوّل مرّة يستعين كاتب عن سعيد بأوراقه الخاصّة ومراسلاته. أنا عرفتُ إدوار سعيد لكن لم نكن أصدقاء. كنتُ على عداء لسعيد عندما قدمتُ إلى أميركا في عام 1983، لأن أوّل مرة سمعتُ باسمه كان على لسان أنور السادات الذي اقترحه رئيساً لحكومة فلسطينيّة في المنفى في عام 1977. وكان يمثّل لي الفكر التسووي الذي نشأتُ على معاداته. وانتظرتُ أوّل مرة جاء إلى واشنطن ليلقي محاضرة، كي أعقّب على كلامه بغضب ونفور شديد. جرى اشتباك لفظي بيننا، لكن سعيد لم يكن حقوداً. تحوّلت مواقف سعيد باتجاه أكثر جذريّة والتقينا بعد ذلك كأن الاشتباك لم يجرِ في «معهد الدراسات السياسيّة» اليساري.
تراسلنا قليلاً ثم كان أحياناً، خصوصاً قبل أوسلو وفي يوم التوقيع، وبعده، يهاتفني للتباحث أو للحديث عن عدوّ مشترك (مثل فؤاد عجمي أو كنعان مكيّة). عرفتُ أصدقاء لسعيد وبعض أقاربه. آخر ما وردني منه كان رسالة إلكترونيّة قال لي فيها قبل موته: «أعتذر عن الانقطاع، كنتُ مشغولاً بالكتابة وبالموت». كم تهيّبت الصياغة والموقف. أستطيع أن أتحدّث عن مواقف سعيد السياسيّة وعن شخصه، ولا أستطيع أن اتحدّث بمعرفة عن كتاباته الأدبيّة والنقديّة والتي أحسنَ برينان في تناولها. وكان سعيد قادراً بصورة لم تظهر في الكتاب، على الاهتمام بغيره ومساعدتهم. في عام 1993 عندما انتقلت بحكم الوظيفة إلى كاليفورنيا، كان يتصل بي أحياناً ويحثّني (مثل والدتي) على الانتقال إلى جامعة مرموقة. ولم يكن ذلك يعنيني لكنه كان يقول لي: عليك أن تأتي إلى واشنطن أو نيويورك كي تظهر في الإعلام وتنشط. ومرة قال لي بحيرة: لو أنك تستعملني في سعيك للوظيفة كمصدر من المصادر الثلاثة مثل أساتذتك، فإن هذا قد يضرّك بسبب كره الصهاينة لي. لكنه أرسل لي رسالة توصية لطيفة وجميلة، وما زالت بحوزتي (أنا الذي لا أحتفظ بشيء من الماضي). ومرّة حثّني على التقدّم لوظيفة في جامعة في شمال ولاية نيويورك وقال لي: أحد أعضاء اللجنة صديق من أيام المدرسة. فطرت إلى هناك بعد أن كنت في «القائمة القصيرة» للمرشّحين. أعطيتُ محاضرتي. وخلال الزيارة كان مطلوباً مني أن أتعرف على رئيس الجامعة والعميدة فيها. فقابلت العميدة التي ما لبثت أن أزعجتني بعبارة اعتبرتها مهينة لنا نحن العرب (قالت ما معناه، هل تستطيع كعربي أن تقبل امرأة في موقع المسؤوليّة؟). فما كان منّي إلا أن أجبتها بحزم وصرامة. طارت الوظيفة. اتصل بي سعيد بعد ذلك يسأل عما جرى فأخبرته. تأسّف وقال: يجب أن ترجع إلى الشاطئ الشرقي من البلاد.
يصدمك في الكتاب، عمق جهل الكاتب بالعالم العربي، وانحيازه غير الواعي للاستعمار الغربي في بلادنا. يقول عن مصر في العهد الملكي: «كانت القاهرة، أكثر من أيّ عاصمة عربيّة أخرى، المكان الذي يرسل فيه العالم العربي أولاده لتلقّي العلم» (ص 17). والدي كان من المحظيّين الذين درسوا في جامعة القاهرة في الأربعينيّات وكان فقط أولاد العائلات الميسورة (مثل عائلة سعيد) يستطيعون تلقّي العلم في القاهرة (كان مع والدي في دفعته رشيد كرامي، وثلاثة طلاب ميسورين من مدينة صور). ويضفي برينان صفات جميلة رومانسيّة عن رونق القاهرة في عهد الاستعمار، قبل أن يلوّثها الفقراء الذين أصرّ عبد الناصر وثورته على إطعامهم وتعليمهم وإسكانهم. يترحّم برينان، كما يترحّم كتاب جرائد الأمراء، على العهد الاستعماري في بلادنا، عندما كان الفقراء مخفيّين عن الأنظار. وعندما يتكلّم عن الجالية السوريّة في نيويورك (ص. 18) فهو لا يذكر كمّ العنصريّة التي كان يلاقيه السوريّون في نيويورك كما أنه لا يذكر كيف أن «نيويورك تايمز» كانت تنشر تحقيقات عن روائح السوريّين النتنة في مطلع القرن العشرين. ومثل آدم شاتز في مقالته المذكورة أعلاه، تنمّ كتابة برينان عن عداء ضدّ جمال عبد الناصر، لكن من باب الحرص المصطنع على اليسار الذي عانى تحت حكمه. صحيح، أن عبد الناصر لم يسمح بالحريات الديمقراطيّة لكنه حسناً فعل في منعها وإلّا كان لاقى ما يلاقيه لبنان اليوم من بروز حركات صهيونيّة ورجعيّة (وبعضها يسار وبعضها يمين وبعضها وسط) وتنصبّ كل جهودها على محاربة الفكر التقدّمي ومحاربة أي مشروع لمقاومة إسرائيل. عبد الناصر كان أكثر يساريّة وتقدميّة بكثير من أعدائه اليساريّين في حينه. هؤلاء، كانوا يلتقون مع الوفد ومحمد نجيب في المطالبة الملحّة بحريّة عمل الأحزاب والتي ــ لو سمح بها عبد الناصر في حينه بها ــ لأدت إلى سيادة الوفد على الرجعيّين. وبعض اليساريّين انتهوا تطبيعيّين، في مصر وفي غيرها. كانت والدة سعيد ناصريّة وتدعم المشروع التقدّمي لعبد الناصر. وتأثّر سعيد بالجوّ المتعاطف مع عبد الناصر، بالرغم من خلفيّة العائلة الميسورة. والد سعيد كان أميركياً معتنقاً للفكرة الأميركيّة، وكان إدوار يتأرجح بين الانتماء العربي وبين الانتماء الأميركي لكن انتماءه العربي غلب عليه في سنواته الأخيرة، مع أنه كان في الخمسينيّات والستينيّات يصف نفسه بـ «الناصري والمعادي للإمبرياليّة» (ص. 25). (اعترض سعيد مرّة على طالب لبناني في جامعة كولومبيا لأنه كان يصرّ على التحدث بالإنكليزيّة.). لكن برينان على حق أن سعيد لم يكن منسجماً في ذلك: في مقابلاته التلفزيونيّة الأميركيّة، كان سعيد ــــ مثل الكثير من المتحدّثين العرب هنا ــــ يستهل كلامه بالقول: «نحن كأميركيّين»، كأنه يذكر السامع بأن العرب ـــ الأميركيّين هم أميركيّون. لكن في همّه واهتماماته السياسيّة كان عربيّة قحّاً وكان يتحدّث مع العرب كعربي. (في أوائل الستينيّات، وصف سعيد نفسه بـ «الشرق أدنوي»، وهو تعبير نادر وغير معروف خارج نطاق الجامعات البحثيّة التي لديها «مركز لدراسات الشرق الأدنى»، وكان تمييز الشرق الأدنى عن شمال أفريقيا جزءاً من المخطط الغربي لتفتيت العرب وشرذمتهم).
كان إدوار سعيد يستهل كلامه بالقول: «نحن كأميركيّين»، كأنه يذكر السامع بأن العرب في أميركا... هم أميركيّون


تظهر انحيازات برينان السياسيّة وجهله في آن في حديثه عن شارل مالك. والحديث عن شارل مالك ينقصه ما سنعرفه عنه عمّا قريب من خلال باحث أميركي أنهى أطروحته أخيراً عن تاريخ لبنان المعاصر (وقد قرأتها) وفيها قسم عن شارل مالك مبني على الأوراق الخاصّة له، وهي مُجمعة في «مكتبة الكونغرس». لا أسمح لنفسي بعرض ما يرد في أطروحته، لأن المؤلّف له حقّ السبق وهو سيحوّل أطروحته إلى كتاب. علاقة سعيد مع مالك كانت معقّدة: كان له تأثير عليه لأنه كان المثقّف الذي يعرفه منذ سن مبكرة بحكم القرابة العائليّة، لكن سعيد كان على علم بتعصّبه البغيض ضد الإسلام والمسلمين (ووصفه للإسلام ورسوله بـ«الانحطاط» و«الفسق»، ص. 44). يعلم برينان بذلك لكنه يصفه بـ«رجل الدولة» ــ هذه كأن تصف فؤاد السنيورة أو باسم السبع برجل الدولة، وفي بلادنا ليس رجل الدولة إلا من يحظى على تربيت كتف من جورج بوش.
شارل مالك كان يتواصل مع إسرائيليّين، حتى قبل سنوات الحرب، وكان جزءاً من إدارة شمعون التي كانت ذروة في الفئويّة الطائفيّة والتزوير الانتخابي (هل كان مالك سيصل إلى المجلس من دون التزوير الأميركي الشهير فيه في عام 1857؟ حتماً لا). وقد وصفه سعيد في مرحلة لاحقة من حياته بـ«الدرس الثقافي السلبي الكبير في حياتي» («خارج المكان»، ص. 264). لكن برينان، كأنه يعلم عن شؤون الثقافة العربيّة، يقول إن مهمة مالك كانت بالنيابة عن«إنسانيات عربية مميّزة»، كأن مالك اعتبر نفسه عربيّاً يوماً (روى لي مؤرّخ العلوم عند العرب، جورج صليبا، أن مالك حاول ثنيه عن عزمه التخصّص في مجاله وأفتى له بأن ليس من علوم أو إنجازات عند العرب). يقول برينان عن مالك أنه «عملاق» وأنه كان من أعظم «مثقّفي العرب».
لكن كيف يحكم برينان على ذلك؟ وما هي إسهاماته في معارك العرب الكبرى؟ لم يصدر لمالك مؤلّف إلا «مقدّمة» وهي مفترض أن تكون مقدّمة لأعمال، لكن لم يأتِ منها كتاب. أن يصفه برينان بـ «واحد من المثقفّين العرب الكبار» يظهر عدم أهليّته لكتابة هذه السيرة. أين مالك من القضايا العربيّة الكبرى؟ فلسطين أو الوحدة العربيّة أو التنمية أو الاستعمار أو الاحتلال أو الحداثة؟ فكر مالك كان مسيحياً متزمتاً، وهذه مدى إسهاماته في الجمعيّات اليمينيّة الرجعيّة المتطرّفة في الستينيات عندما لفت نظر الحكومة الأميركيّة بعمق معاداته للشيوعية. لا، الوقاحة في برينان أنه يصف مالك بأنه كان في الأربعينيّات «ناطقاً باسم الفلسطينيّين». أشكّ أن يكون أحد من الفلسطينيّين، غير الذين يمتّون له بصلة قرابة، يعرفون اسمه. لكن برينان يقول إن سعيد بقي في سعيه لمشورة مالك حتى ١٩٦٧.
(يتبع)

* كاتب عربي - حسابه على تويتر [email protected]



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا