لو كان المال القذر الذي يزوّد الإعلام الأقذر قادراً على تغيير معادلات استراتيجية، لكانت السعودية اليوم تسرح وتمرح في اليمن، ولا تتلقّى الضربات وتطلب النجدة من «المجتمع الدولي»، لا قناة المر ولا القنوات الأمرّ بإمكانها أن تغير سنتم واحداً من مدى الصواريخ الدقيقة، ولكن من قال إن الصواريخ هي كل ما يملكه محور المقاومة؟

المشروع الطموح والمتكامل والواضح المعالم أطلقه الإمام موسى الصدر الذي أخرج لبنان من حضيض الطائفية إلى الدولة المدنية المؤمنة، دولة ليس فيها محروم واحد، وعاصمة تعصم حدودها، دولة لكل إنسان والإنسان كله، بأبعاده الفطرية والروحية والفكرية، دولة حوار وتكامل بين الطاقات والكفاءات في الوطن وخارجه. وهذه التركيبة الفريدة بالذات ، والتي وافقه عليها مثقفون كبار من كل الطوائف اللبنانية في وثيقة حركة المحرومين، هي بإجماع المنصفين نقيض الكيان الصهيوني الغاصب القائم كدولة عنصرية طائفية مغتصبة للأرض الفلسطينية مستكبرة على حقائق التاريخ والجغرافيا، مستمرة في تخريب محيطها العربي والإسلامي لضمان استمرارها.
[اشترك في قناة ‫«الأخبار» على يوتيوب]
معنى هذا أن أيّ لبنان يُبنى على قاعدة التطبيع مع إسرائيل يضع نفسه بين فكَّي عدوه، ويحكم على نفسه بالزوال. وهذا هو الهدف المباشر الذي يعمل عليه في الحملة الشرسة ضد المقاومة وبيئتها، ويقوم الإعلام المعادي للبنان الذي نريد وليس فقط للمقاومة، يقوم بدور البكتيريا التي تفكّك المواد العضوية ثم ما تلبث أن تموت لانتفاء الحاجة إلى وجودها.

1_ معمودية النار
كل الوقائع تشير إلى قرار أميركي_ صهيوني _ عربي بتفكيك لبنان والتضحية بكل ما فيه ومن فيه، لخدمة مشاريع التطبيع والتبعية التي انطلقت بقوة وزخم مع صفقة القرن. وليس صحيحاً أنها توقفت برحيل ترامب، نعم قد تتغير الطريقة ولكن الهدف واحد، حذف لبنان الذي نعرفه بكل سيئاته وحسناته من أجل لبنان متصهين سخيف على الطريقة الخليجية.
والمدهش أن القرابين التي يقدمها الأميركي على مذبح هذه المعمودية في معظمها من جماعته التاريخية، أصنام صنعتها السياسة الأميركية في السلطة والمصارف والهيئات المدنية والأحزاب، وأكلتها عندما جاعت إلى حل على الطريقة الوثنية.

2_ مطلوب رأس الرئيس
ما هي الجريمة التي ارتكبها الرئيس ميشال عون، الذي تركز الحملة على إسقاطه اليوم. إنها ببساطة الجرأة على التفكير باستقلال تام عن المؤثرات الخارجية، التي كانت ولا تزال تستحوذ على الوعي المسيحي، مرة بعنوان التبعية للغرب في الشرق، ومرة بعنوان أقليات تحميها إسرائيل من المسلمين، لإبقاء المجتمع المسيحي معزولاً عن قضية فلسطين، والمناطق المسيحية كانتوناً غير معلن.
جرأة تكوين نواة لدولة لبنانية «حقيقية» هذه المرة تستند إلى مقاومة إسلامية _ لبنانية، جريمة لن يغفرها الصهاينة والغربيون لقائد مسيحي لبناني. فالأصل أن يبقى لبنان دائماً في عصر ما قبل الدولة على شفير الحرب أو التقسيم، تُفصل أوضاعه وتسوياته خارج ما يُسمى مصلحة الشعب اللبناني، هذا الشعب الذي لم يكن يوماً في حساب أحد. وبالتالي ليبقى اسم رئيس الجمهورية ضمن بريد الخارج ومعادلاته.
وضع التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، نواة صلبة للبنان الجديد وملامح جديدة لدولة لبنان الكبير، ومن الطبيعي أن يشكل هذا التفاهم كابوساً بالنسبة إلى إسرائيل ورموز الكانتونات والحرب الأهلية في الداخل، وكالعادة تحالف الأميركي والفرنسي والإسرائيلي والخليجي مع الإقطاع السياسي القديم والمستحدث برموزه المعروفة لضرب مشروع الدولة العتيدة، لمصلحة مشروع الكانتونات والشركات الذي يحمي شبكة مصالح تم حبكها بعناية على مدى سنوات الحرب الأهلية، وما تلاها من صراع بين مشروع الشركة ومشروع الدولة. هذا المنظور الاجتماعي_ الاقتصادي_ السياسي، يساعدنا على فهم تعقيدات المواجهة القائمة بين قوى المقاومة وحراس التخلف والتبعية.

3_ تحديات جديدة
لقد تم تكليف الإعلام اللبناني بحجب الصورة الكلية للمشروع، ونقصد بها استهداف مشروع الدولة الذي يتضمنه التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، والذي بقي مفتوحاً على استيعاب قوى أخرى... ولكن المصيبة أن الفساد الحقيقي والمنتشر والمتضخم والمشرعن، وفّر تلك المادة الغزيرة التي تُبقي الأنظار موجهة ضد الطبقة الحاكمة وتحديداً الرئيس ومن حوله. فقد تبين في ما بعد أن الرئيس الحريري «متخصص بالإصلاح» ويريد أن ينقذ البلد مما وصل إليه !!!!! ويتم تقديم الرئيس عون اليوم كعقبة في وجه «حكومة المهمة الإنقاذية» التي مهمتها الحقيقية «بيع الدولة» وتقليص خدماتها، والمضي في إلحاق لقمة عيش المواطن بالمساعدات التي تُقدم مقابل التنازلات عما تبقى من سيادة.
المعركة في الاقتصاد والإعلام ضد محور الرئيس_ حزب الله وضعت التفاهم في حالة تحدٍّ غير مألوف، يحتاج إلى استجابة غير تقليدية أيضاً، فقد انشغل كل طرف مستهدف بالحفاظ على قاعدته، كلٌّ بقدر إمكاناته، وأصيبت قاعدة الرئيس عون بأذى أكبر من قاعدة حزب الله، لأسباب تتعلق بقوة التنظيم وتوفر الإمكانات وكثافة انتشار كلا الحليفين على أرض حاضنته السياسية والاجتماعية.
المعركة جديدة بوسائلها، بمعنى أن رموز الفساد والشركة الناهبة للبلد التي ركبت الحراك ودعمت بالإعلام، والتي عنوانها الحريرية السياسية المستقوية بالمبادرة الفرنسية ترى نفسها قادرة على فرض شروطها لإخضاع الدولة للشركة، ويساندها إعلام مموّل شرع في التركيز الواضح على الرئيس والحزب بوصفهما عقبتين في وجه الحل المنشود، استراتيجية خلق الأزمة وإدارتها واستثمارها تسير على قدم وساق حتى لو أدت إلى موت المريض وتحلله إلى كانتونات وشركات صغيرة.
وفي الأثناء يرتفع الدولار وتتصاعد حملات التهويل في كل القطاعات الخدماتية. مايسترو واحد يحرك الجميع لاستثمار الفساد وانفجار المرفأ والطائفية والفقر والضغط المعيشي، في»مشروع إجهاض مشروع الدولة الحقيقية» الممنوعة في العالم العربي بل الممنوعة في كل العالم الثالث.
مرة واحدة وإلى الأبد، يريدون تحويل أي طرف مسيحي يتجرأ على التحالف مع المقاومة إلى عبرة لمن اعتبر، ولولا صلابة الرئيس عون ورصيده الشعبي والتاريخي لكانت المعركة انتهت ودخل لبنان في أتون صراع لا يفضي إلا إلى تفتيته، وإحاطته ببوليس دولي يرسم حدود الكانتونات في الداخل، ويبني سدود الفصل مع سوريا والعمق العربي والإسلامي، وما التدريبات التي تحصل هنا وهناك، وإحياء داعش ومحاولات خلق فضاء فوضوي لنمو الحركات الإرهابية ودعوات التدويل إلا جزء من هذا السيناريو الموجود على الطاولة.

ثبُت أنّ هذا النظام لا يشكّل حماية لا لمواطن ولا لطائفة بل هو ولّاد أزمات لا تنتهي


6_ حلول ممكنة وعاجلة
بإمكان أي كارتل رأسمالي فاسد أن يفرغ أي ديمقراطية من مضمونها، وينخر في عظام الدولة وهيكلها، لا معنى للكلام عن دولة، في نظام رأسمالي مافيوي متخصّص بتجميد مفاعيل القوانين عندما تصل إلى مصالحه. ومن سخريات هذا البلد أن يتكلم ناهبون رسميون عن مشروع الدولة، فيما هم في الحقيقة رجال أعمال على طريقة «دون كورليوني». من أين جاءت تلك البدعة التي أدخلت رجال الأعمال إلى السياسة والتناقض أساسي... بين فكرة «الصالح العام» التي أنشأت الدولة الحديثة، ورجل الأعمال المركب ذهنياً والمتمحور سلوكياً حول المصلحة الخاصة.
السياسة كما هي في الأصل الفلسفي تحمل على عاتقها مهمة «تحسين النوع الإنساني»، حفظ النظام العام، تأمين حقوق المواطن، إنها «فن التمكين» وليست «فن الممكن» كما يقول كلاوس فيتز، وأسوأ دولة تحمل في داخلها هذا المعنى الراقي للسياسة، أهم من أفضل شركة تعمل لفلان وشركائه.
لذلك وبكل واقعية لنحفظ ما تبقى من الدولة، فهذه الدولة التي نراها اليوم على علاتها، وترهلها الإداري، لا تزال تحفظ كرامة موظفيها أكثر من أي مؤسسة حزبية، نعم هذه الدولة التي تُلعن صباحَ مساءَ، لا تزال تدفع أجور موظفيها ومتقاعديها، ولا يزال أصحاب الحقوق قادرين على مطالبتها بحقوقهم ونقدها بقسوة، من غير أن يتعرضوا لاغتيال اجتماعي أو إلغاء أو إقصاء أو تحجيم...
هذه الدولة التي «كفر» بها الناس أو دفعوا للكفر بها من قبل مافيا الرأسمالية المتوحشة، لا تزال حاضنة حقوق، ولا تزال قادرة على النهوض، لو آمنا بأنها يجب أن تقاد من قبل «سياسيين حقيقيين»، وليس رجال سياسة تحولوا إلى «البزنس»، ولا رجال أعمال دهموا حرمة السياسة.
المشكلة أن مفهوم الدولة في لبنان وماهيتها وأبسط وظائفها مطموسة تحت ركام من الأهواء ، ولا شك في أن تحريرها من أَوْلى واجبات كل لبناني مخلص في هذه الأيام الصعبة، والأخطر أن هناك من يرى الدولة في لبنان من منظور أمن إسرائيل، وتتمحور كل نشاطاته حول نزع سلاح المقاومة، يعني أمن إسرائيل بالنسبة إليه أهم من حماية لبنان، وكلهم بلا استثناء لديهم أموال في الخارج، وبعضهم يحملون جنسيات أخرى، تؤهلهم للصعود على متن «طائرة سايغون» بعد خراب البلد.

أولاً: نواة لمجتمع مدني حقيقي
ليس في لبنان أصلاً مجتمع مدني بالمعنى الذي قصده هيغل أو غرامشي... الموجود مجتمع أهلي تابع للطوائف _ الأحزاب. ومن يدعي أنه خارج هذا الحيز من التصنيف... منظمات مموّلة من سفارات لأهداف خارجية في الغالب حتى لا نظلم الجميع. المفروض : أن المجتمع المدني الحي يراقب ويحاسب عبر صناديق الاقتراع، ونحن على عتبة الانتخابات ليست لدينا تلك القاعدة الصلبة من المجتمع المدني التي تعيد بناء الشأن السياسي، وتعيد تحرير السياسة بمعناها الراقي في القانون والفكر والممارسة.
النواة الواقعية الموجودة التي يمكنها أن تجمع حولها مجتمعاً مدنياً حقيقياً، هي القوى التي لا تزال مؤمنة بضرورة التمسك والنهوض بالدولة رغم العقبات والصعوبات. يمكن للتفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله مع تعديلات في طريقة عمل كلا الحزبين، تشمل عمليات انفتاح جريئة وغير مسبوقة على القوى القومية العربية والعلمانية الوطنية، أن يشكل انطلاقة إلى مجتمع مدني أوسع من دون أن ننسى أن القضاء علمياً هو من صميم المجتمع المدني ولا بد أن يكون لهذه النواة الجديدة قضاؤها وقضاتها.

ثانياً: جبهة وطنية عريضة
وهنا أستخدم العنوان نفسه الذي استخدمه قائدنا المغيّب الإمام موسى الصدر في إطار محاولاته لمنع تمادي الأحزاب آنذاك في إشعال الحرب اللبنانية. نبحث عن إطار أوسع من الحزب والتيار مؤمن بالمشتركات بينهما، ونعني بالمشتركات: قوة لبنان وسيادته، التعايش كأساس والوطنية الصحيحة كغاية، الإصلاح والتغيير والتحرير، مع توسعة لهذه المفاهيم بحيث تشمل الإصلاح والتغيير، إصلاح التيار وتغييره، ويشمل التحرير، تحرير المقاومة نفسها من إطارها الحزبي والعسكري الأمني إلى الفضاء المدني الاقتصادي الحقوقي الأرحب. والمفترض بهذا الإطار الأوسع (الجبهة العريضة) أن يمنح هذه المشتركات فعالية وطنية وزخماً عملياً، وأن يكون أكفأ وأقدر من طرفي التفاهم في إنجاز عملية تغيير سلمية بواسطة الانتخابات.
القاعدة هي تطهير الشأن العام من المصالح الخاصة والعودة بالدولة ومؤسساتها إلى مهامها في العلم وهي: حفظ النظام العام، تسيير المرافق العامة، تأمين حقوق المواطن، جباية الضرائب، ضمان الإدارة الصحيحة للموارد، ضمان التوزيع العادل للثروة والفرص والوظائف، المراجعة الدورية للأداء التنفيذي والتشريعي، تعزيز مؤسسات الرقابة، صيانة حدود الإقليم والدفاع عنه، تطوير المرافق العامة الخادمة للحاجات الأساسية ( غذاء، كساء ، سكن ، تعليم ، طبابة، ضمان اجتماعي وصحي، تقاعد، شيخوخة، بنية تحتية، مرافئ، مطارات...)، تطوير الإدارة وتحرير الاقتصاد من سلطة المصارف، وإبعاد رجال الأعمال عن السياس ... ورجال السياسة عن ذهنية رجال الأعمال.
ولن يكون ذلك بدون السير بالإلغاء التدريجي للطائفية السياسية ضمن أجندة تحفظ الاطمئنان المسيحي، وتثقيف الأجيال وتربيتها سواء في التربية النظامية أو الأسرية أو المجتمعية، بشكل مباشر أو غير مباشر، على مفاهيم وقيم الدولة المدنية المؤمنة، دولة الرعاية والحماية الشاملة في نظام يعزز تدخل الدولة ضد أصحاب المصالح لمصلحة المواطن، ويحفظ للسوق مساحة حركة مدروسة بدون فروقات طبقية فاحشة، وهنا معركة مدنية اقتصادية ضارية مع «عتاة» النيوليبرالية المتوحشة، وأساطير الاقتصاد الليبرالي الحر.
ولمن يعتقد أن هذا الطموح غير واقعي أذكّره بحجم الجريمة المتمادية التي نعيشها اليوم وخلاصتها: نهب جنى عمر الشعب، وابتزاز الدولة لخصخصتها، والتلاعب بسعر الصرف، وتهريب الأرباح، وحبس الحقوق في المصارف بدون أي مبرر شرعي أو قانوني. إما أن أحاسيس الناس تبلّدت أو أنها غابت عن الوعي من حجم الصدمة وفي كلتا الحالتين تحتاج المصائب الكبيرة إلى الحفر في أصل المشكلة، وبتواضع أقول: الرأسمالية المتوحشة اللاإنسانية، مع الطائفية المنافقة والكافرة والصنمية، في مقابل العجز عن المبادرة والفعل، كلها أصل حالة الموت السريري التي يعيشها لبنان، فلنبادر قبل أن نحتاج إلى طلقة الموت الرحيم.

ثالثاً: لماذا نخاف من نظام ديمقراطي حقيقي؟
ثبت أن هذا النظام لا يشكل حماية لا لمواطن ولا لطائفة، بل هو ولّاد أزمات لا تنتهي، ويعمل على استدعاء التدخل الخارجي والاعتداء على سيادة البلد في كل أزمة.
فهل علّمتنا المآسي التي خلّفها نظامنا الطائفي المتخلف أن نتجاوز كل مخاوفنا ونتجه إلى نظام ديمقراطي حقيقي قائم على الرأي لا على العدد؟ أم أن شيطان الطائفية السخيفة لا يزال يحرس تخلفنا حتى في وعينا السياسي؟.
ابتدعت القوى السياسية الحاكمة في لبنان مفهوم «الديمقراطية التوافقية»، وهو مفهوم يناقض أصل الممارسة الديمقراطية القائمة على استبدال الحرب الأهلية بصندوق الاقتراع، ووجود معارضة حقيقية سلمية تحت حراسة الأغلبية الحاكمة، وإعلام حر يسلط الضوء على الحقيقة العارية، بعيداً عن سلطة المال ومال السلطة وقضاء مستقل ومنتخب من الشعب يعادل بقية السلطات...
نحن نفتقد كل هذه الميزات في الديمقراطية الحقيقية، ونجهل أن «التوافق أصلاً غير ديمقراطي»، إنه سلسلة من التسويات التي تؤجل الحرب ولا تطور النظام، ولكن زرعوا في أذهاننا أننا شعب يحول كل اختلاف إلى خلاف ولا يحسن الاحتكام إلا إلى السيف، يعني لا نزال في مرحلة ما قبل الدولة المدنية، بل ما قبل السياسة.
وبالأمس القريب نجحت المقاومة في تحرير الأرض من دون أن تكون يوماً محل إجماع وتوافق وطني، ولكنّ المقاومة في الداخل تحتاج إلى التفاف شعبي لبناني يكملها، لتلعب دوراً فاعلاً في إصلاح النظام كقوة تغيير سلمية مدنية هذه المرة. بدون هواجس الإجماع الوطني والميثاقية بل فقط بلغة ما بعد السياسة لا ما قبلها. يعني ثقافة اختلاف بين الآراء لا بين الطوائف، وصراع برامج لا مناطق نفوذ. ولكن عندما تعلق الأمر بالشأن الداخلي تم ابتداع مفهوم «الميثاقية» أصلاً لمنع الديمقراطية الحقيقية والحفاظ على فيدرالية الطوائف.
يحتاج الأمر بكل صراحة إلى اعتراف القوى السياسية الحالية بالفشل في تطوير الفكر والممارسة السياسية ، بحيث يتمكن المواطن من التفكير خارج صندوق النظام الحالي، ويتخلى عن الخوف من نظام ديمقراطي حقيقي يتطلب منه مجهوداً أكثر من مجرد اجترار فكرة الولاء لحزبه أو لطائفته.
إن لم نكن قادرين اليوم على تشكيل أحزاب رأي ، وأقصد بها تلك الأحزاب التي لا تشترط الاتفاق على كل شيء ، الحزب فيها ليس صنماً يُعبد ، بل إطار تنظيمي مؤقت أو شبه دائم لتنفيذ مشروع سياسي اقتصادي بيئي إنمائي، يؤمّن الحاجات الأساسية للمواطنين بلا تمييز، ويحفظ سيادة البلد بلا خوف، ويحافظ على إنجازات التحرير بلا تردد... لتكن فكرة جبهة عريضة تحضر للانتخابات المقبلة، وتستعد فيها القوى والأحزاب لنمط متقدم من العمل السياسي أكثر مرونة مما عرفناه على مدى التجارب الفاشلة السابقة.
وليتمخّض عن تلك الجبهة العريضة حزب أو أكثر مع برامج تهم كل مواطن في هذا البلد بلا استثناء، وتركز على قضايا حياتية وسياسية واقتصادية ملحة أصبحت ضرورة لبقاء البلد واستمرار تطوره في كلّ المجالات... ولا شيء يمنع من أن تظهر أحزاب قبل موسم الانتخابات وتختفي بعدها لتنضم إلى تحالف أوسع من بيئتها التقليدية، ما يساعد على تنفيذ برامجها بشكل أوسع وعلى مساحة كل الوطن، فالتنظيمات كل التنظيمات حتى الدولة والأديان كلها صُنعت ووُضعت لخدمة الإنسان، هذا الذي نسيناه عندما أغرقتنا الوثنية الجديدة في وحولها.

4_ ضرورة الإبداع في المواجهة
لا يمكن مواجهة تحديات جديدة بالمزيد من الشيء نفسه، المودعون من كل الطوائف يمكنهم أن يكونوا نواة لحزب اقتصادي مالي مهمته ترشيد العمل المصرفي والحد من سلطة المصارف، وتغوّلها على المواطن، وما تبقى من دولة. وليكن لهذا الحزب نواب في نظام الدائرة الواحدة على أساس النسبية.
الجمعيات التي تدعم الفقراء اليوم وتهتم بتوزيع المساعدات بمبادرات وطنية، يمكنها أن تكون حزباً يحمل همّ العدالة الاجتماعية ومواجهة التفاوت الطبقي الفاحش، بدون أدلجة، بل فقط بالإيمان بكرامة الإنسان وحقوقه الطبيعية والبديهية، حزب من هذا النوع يمكنه أن يحول المعاناة إلى مصهر وطني للطاقات.
ما أعظم جريمة الإعلام والتعليم في هذا البلد، عندما تُسخر إمكانات إعلامية وتربوية هائلة، لإعادة إنتاج مجتمع متخلّف عاجز عن المبادرة إلا ضمن الأطر التقليدية.
لا تزال الآمال معلقة على ذلك التفاهم التاريخي بين حزب الله والتيار الوطني الحر، في إبداع وتبني أساليب جديدة في المواجهة الصعبة لرد العدوان عن كرامة هذا البلد، وابتكار أحزاب مكملة ومنظمات وظيفية رديفة تكسر الطوق الطائفي، وتدخل إلى كل بيت لبناني، لتمنحه الشراكة في كرامة التحرير وقوة السيادة وثمرات الإصلاح والتغيير. ومرة أخيرة التوافق ليس شرطاً للنجاح بل الإخلاص.

* مدير المركز العالمي للتوثيق