يتوافر شبه إجماعٍ لدى أوساط الشارع العربي - أقله لدى أطراف محور المقاومة - على أن المعركة التي تخوضها اليوم فصائل المقاومة الفلسطينية والمنتفضون على امتداد مساحة الوطن السليب في القدس وأراضي الـ 48 والضفة الغربية، هي معركة الدفاع عن المسجد الأقصى وامتداداً كنيسة المهد، ضد المحاولات الصهيونية للاستيلاء على المقدسات وتهويد مدينة القدس، وهذا ما يجعل المعركة هذه المرة مختلفةً عن سابقاتها في 2009-2008 و2012 و2014. هذا في التوصيف، أما في السياق، فهي تأتي بعد عقدٍ من المواجهات بين محور المقاومة والمحور الصهيوأميركي في الإقليم، رسمت خلالها موازين قوى جديدةٍ تميل لصالح قوى المقاومة في منطقتنا، على عكس ما كانت عليه الحال سابقاً، وقد أكد هذا التوصيف والسياق رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين خلال كلمته في الـ 17 من هذا الشهر. ويمكن تلمُّس حقيقة موازين القوى الحاكمة الجديدة في المنطقة في عدة جوانب منها؛ مدى الهزالة التي ظهر عليها الكيان الصهيوني أمام صواريخ المقاومة، حيث فشلت القُبَّة الحديدية في حماية جبهة العدو الداخلية أيّما فشل، وزاد المحللون في كيان الاحتلال على هذا الفشل بالقول "والشيء المقلق هذا لا يتجاوز عُشر قدرات حزب الله" بحسب يوسي يهوشوع في يديعوت أحرونوت. أما في الجانب الفلسطيني فظهر اختلال موازين القوى الذي رسمته السنوات العشر الماضية - إن لم نقل أكثر - في جسارة المنتفضين خلال مواجهاتهم مع المستوطنين، ما يعكس رسوخ الإحساس بضعف كيان الاحتلال في وعي الفلسطينيين خصوصاً وفي وعي بيئة المقاومة في الوطن العربي عموماً، وقد قال بهذا أيضاً الصهاينة ذاتهم حينما لاحظ كاتب يديعوت أحرونوت شمريت مئير "زيادة جرأة الشباب الفلسطيني وانعدام الخوف والرغبة في إظهار التفوق على الجانب الإسرائيلي. في القدس، يتم التعبير عن ذلك في تحدّي ضباط الشرطة وفي عنف جامح ضد المستوطنين في منتصف النهار. التنظيم في غزة بدأ بالعدّ التنازلي لإطلاق الصواريخ، كما رأينا أمس الساعة 6 مساءً و 9 مساءً؛ الهدف هو إظهار السيطرة والسيادة. لم يتم إجراء تحليل نفسي لهم هنا. قد يقول البعض إن ذلك يكمن في مشاعر الإذلال والإحباط العميقة، لكن هذا ليس تفسيراً كافياً. لقد تآكل شيء ما في الردع الإسرائيلي بشكل كبير". وهذان جانبان فقط والقائمة تطول.

وعليه، فإن المعركة اليوم إضافة إلى كونها معركة الدفاع عن المسجد الأقصى وكنيسة المهد، فهي أيضاً معركة محورٍ بكامله، حيث تتمظهر فيها حقيقة موازين القوى التي فرضها محور المقاومة، هذه الموازين التي لن يكون لها أي مفعولٍ واقعيٍ إلا إذا ما صُرفت في مواجهة العدو الأساسي والمشترَك بين قوى التحرر في الإقليم، وفي رصيد القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية جمعاء، بهذا يصير انكسار غزة والمقاومة الفلسطينية ممنوعاً، ويصبح دعم المعركة مصلحةً استراتيجيةً لأطراف المحور قاطبة، وليس واجباً أخلاقياً وحسب.
هناك عدة أمور يمكنها تحقيق نصرٍ استراتيجيٍ نظيفٍ لكل أطراف محور المقاومة من دون إطلاق رصاصةٍ واحدةٍ. فمثلاً، تنظيم اعتصاماتٍ مدنيةٍ مستمرةٍ على الحدود مع فلسطين المحتلة من شأنه زيادة إرباك العدو، وتشتيت جهوده في قمع المنتفضين في القدس وأراضي الـ 48 والضفة الغربية. وفي ظل خشية العدو الواضحة من الدخول في حربٍ مفتوحةٍ، يكفي المحور التلويح بخيار فتح الجبهات كي يُجبَر العدو على القبول بالتهدئة في أسرع وقتٍ ممكن، أو في أقل تقدير تفادي الذهاب إلى عملية كسر عظم ضد المقاومة المحاصرة في قطاع غزة، كيف إذا ما أضفنا إلى هذا عدم الرغبة الأميركية البائنة في التصعيد خوفاً من انفجار المنطقة برمتها، بما يمثل تحدياً لتوجهه العام إلى خفض التوتر في منطقة المشرق العربي وغرب آسيا، من أجل التفرُغ للملفات الأخرى الضاغطة عليه، كالتحدّيين الصيني والروسي.
في أثناء كتابة هذه السطور، يلوح النصر كثمرةٍ ناضجةٍ للقطاف، وهو قاب قوسين أو أدنى، والكرة الآن في ملعب الصهيوني، وعليها أن تظل كذلك.

*كاتب وباحث سياسي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا