المقصود، طبعاً، بـ»الرئيس القوي» العماد ميشال عون. هو وفريقه اختارا مفردة «القوة» ميزة، يتوسلها «شركاء» آخرون أيضاً في ما يعنيهم، لبلوغ سدّة رئاسة الجمهورية. بعد ذلك واصلاها أداة لتفعيل نهج إعادة النظر في التوازنات التي نشأت، على أساس تسوية «الطائف»، في ظل الإدارة السورية وبعدها. كذلك لاستعادة كل أو معظم الصلاحيات التي أناطها دستور «الطائف» بمجلس الوزراء مجتمعاً وقد كانت في يد رئيس الجمهورية منفرداً. انتظم ذلك سياق، تبلور تباعاً، وتحت عنوان «استعادة الحقوق» و»الشراكة الكاملة»، لتعديل الدستور، بإلغاء النصوص التي تشدد على إلغاء الطائفية السياسية وعلى الطابع المؤقت لـ «المناصفة» الطائفية كما في المادة 95 منه. خدمت السياق المذكور جملة مفاهيم إيديولوجية وممارسات متعددة ومتواصلة في الشكل والمضمون. من خلال ذلك خاض الرئيس عون وتياره، دون هوادة، معركة التمسك بمنظومة المحاصصة الطائفية (مع محاولة إعطائها بعداً إقليمياً مشرقياً ودولياً في المغتربات والعلاقات الخارجية)، والسعي، بالشعارات والتحالفات والممارسات، لتأبيدها، من جهة، وتغيير توازناتها، من جهة ثانية.

تزامنت ولاية الرئيس عون، أواخر عام 2016، مع تسارع عملية إفلاس وانهيار اقتصادي مالي بلغ ذروته أواخر عام2019. كشف الانهيار عملية نهب شاملة للدولة وللمواطن. كشف أيضاً خللاً بنيوياً في منظومة حكم وسياسات وعلاقات تحالف قوى البرجوازية الكبرى الموزّعة بين كبار الرأسماليين ( الطغمة المصرفية) وبقايا الإقطاع السياسي المتطيّف، القديم والجديد. وكما واصل الأطراف الأساسيون في السلطة تمسكهم بمنظومة التحاصص السائدة رغم الانهيار المروِّع، واصل الرئيس عون تمسكه بكامل نهجه الفئوي من حيث الشعارات والأولويات والأساليب. تعرض الرئيس عون وتياره لانتقاد واسع. دفع بعضُ منافسيه في بيئته، الانتقاد إلى حدود الاستهداف الكامل، الشخصي والسياسي، وغالباً، بأساليب مباشرة ومبتذلة. بلغ ذلك ذروته في نطاق ضغط منظم قادته وغذَّته واشنطن وحلفاؤها في المنطقة، لإحداث تغيير كامل في السلطة لمصلحة المشروع الذي أطلقته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بعنوان «صفقة القرن». الحملة الخارجية والإقليمية، والاستياء الشعبي، وتمادي عجز السلطات، وتعاظم معاناة المواطنين، والعقوبات والحصار الأميركيان، كل ذلك أضعف عون وتياره إلى درجة كبيرة. لكنّ عوامل عدّة عملت، في الآونة الأخيرة، لمصلحة رئيس الجمهورية، فبدأ يستعيد، ولو بشكل محدود، زمام المبادرة على الصعيدين السياسي والإداري.
لا شك في أن الرئيس عون حاول ويحاول من خلال فشل سعد الحريري في تشكيل حكومة جديدة، ومن خلال انكفاء الحكومة المستقيلة، ممارسة الدور التنفيذي الأول الذي يعود لرئاسة الحكومة وللحكومة. وهو إلى ذلك، استعاد الصلة مع واشنطن بعد انقطاعها في مرحلة الرئيس ترامب. يحصل ذلك من خلال استئناف المفاوضات غير المباشرة مع العدو الصهيوني، مقدماً، في سبيل ذلك، تنازلات حذرة وخطرة في آن. وهو أمر لا يستطيعه سواه، بسبب تحالفه مع «حزب الله» والثقة القائمة بين الطرفين. خصومه المسيحيون (من البطريرك إلى «القوات» والكتائب و...) عاجزون عن عزله مسيحياً بسبب تقدمه عليهم في رفع شعارات استعادة «الحقوق» الطائفية في السلطة وتمكنه من تحقيق «إنجازات» في هذا الحقل. التطورات الجديدة في المنطقة وفي العالم، من جهتها، عزّزت موقع عون: الاندفاعة الترامبية تراجعت بسقوط صاحبها. المحور السعودي «طحَّل» في اليمن. هو يبحث الآن، بالمفاوضات التي كان يرفضها، عن مخرج من ورطته بالتنازل لخصومه، وحتى باستجدائهم. ليس أقل أهمية قرار واشنطن باستئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي والانفتاح الخليجي على دمشق... بالمقابل، ثمة توتر في علاقات الإدارة الأميركية الجديدة مع ولي العهد السعودي، ونسبياً، مع شريكه في التطبيع وبناء حلف جديد خطير في المنطقة، بنيامين نتنياهو. ساهم في ذلك أيضاً تراجع الحركة الشعبية الاحتجاجية التي عجزت عن أن تتوحد وتبلور بديلاً من خلال برنامج وأولويات وصيغة قيادية جامعة....
بيد أن استعادة الرئيس عون وتياره شيئاً من النَّفَس لا تعني أنه قد بات في موقع القادر على القيام بدوره في إخراج البلاد من أزمتها المتمادية القاتلة. هو لم يفعل ذلك في السابق، ولا يفعله اليوم، برغم كل ما حصل من كوارث. دون ذلك تغيير ناور به الرئيس عون وآخرون، لكنهم ما زالوا يعملون بعكسه على خطٍّ مستقيم. عون وآخرون تحدثوا عن ضرورة قيام دولة مواطنية مدنية. لكن ذلك، بالنسبة إلى الرئيس وتياره، مرتبط بتحقيق «المناصفة» الطائفية الكاملة في الممارسة وبتعديل الدستور لتكريسها! تلك هي أولويته المستمرة، ومن أجلها يعمل لاستمرار الإمساك برئاسة الجمهورية عبر وريثه السياسي وكذلك التمسك بتحالفاته كمصدر قوة داخلي، رغم كل الضغوط الداخلية والخارجية التي تستهدف، خصوصاً، تحالفه مع «حزب الله».
يكابد اللبنانيون أسوأ وأقسى وأخطر مرحلة. سيكون من الظلم تحميل المسؤولية الكبرى عنها للرئيس ميشال عون. مسؤوليته، بالتأكيد، أقل. المنظومة بكاملها تراوح في اللامسؤولية والعجز والفئوية والتعبية. ثمة في نظامنا السياسي ما لم يعد من الممكن إصلاحه، بسبب فساد المنظومة وتباين الأولويات على المستوى الداخلي أو الخارجي. ليس في الساحة، اليوم، من هو قادر على الاستفادة من فُرص إقليمية ودولية سانحة. لن تنتهي جلجلة الشعب اللبناني إلا بالتخلص من الخلل البنيوي الذي رافق تأسيس الكيان اللبناني حتى الآن. ذلك يتطلب صحوة شعبية تُبلوَر، بالكفاح وصحة الخيارات والأولويات والأساليب، حركة شعبية وطنية كبيرة ذات طابع تأسيسي وإنقاذي في الوقت عينه.
* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا