«العلاقات السرّية بين الوكالة اليهودية وقيادات سوريّة في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى» هو عنوان كتاب للدكتور محمود محارب، صادر حديثاً في بيروت، عن «دار جسور للترجمة والنشر» (2021). وفي فصله الخامس، يجد القارئ اهتمام الكاتب المبالَغ به بذكر اسم سلطان الأطرش، بداعٍ ومن دون داعٍ، حتى نشعر بأنّ سلطان الأطرش هو الشخص الأساس والوحيد المسؤول عمّا طرحه الكاتب في هذا الفصل، علماً أننا لا نجد فيه أي وثيقة مكتوبة بخط سلطان أو بتوقيعه... وأنا أعرف خطّه وتوقيعه تمام المعرفة لأني عملتُ، خلال عشرين عاماً، على تحقيق أرشيف سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى، وأنا أبحث اليوم عن التمويل لنشره، وهو خمسة أجزاء بأكثر من ألفَيْ صفحة.

سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى (1925-1927)

بادئ ذي بدء، أودّ تصحيح بعض الأخطاء الواردة في الصفحة 180 من الكتاب: فولادة سلطان الأطرش هي في عام 1888 وليست في عام 1891؛ وحين لجأ مع عدد من الثوّار في صيف عام 1927 أولاً إلى الأزرق ثم إلى صحراء وادي السرحان في مملكة نجد والحجاز، بعد أن قام الانتداب البريطاني بتضييق الخناق على الثوّار في الأزرق، قضى في صحراء وادي السرحان خمس سنوات مع رفاقه وعائلاتهم. أما دخوله ورفاقه إلى شرقي الأردن، فكان في عام 1932، وقد تمّ وضعه، هو فقط، قيد الإقامة الجبرية في الكرك التي لم يكن يستطيع تركها مطلقاً، بينما كان رفاقه وأهل بيته وأشقاؤه يستطيعون السفر أينما شاؤوا في الأردن، وبعضهم إلى خارج الأردن أيضاً. وهذا الأمر له دلالة! أما في الهامش الرقم 11 من الصفحة 180، فالمسؤول عن إعداد كتاب (أحداث الثورة السورية كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش) هو ابنه، منصور، لا غيره، كما هو واضح في التمهيد!
إن إصرار المؤلف على أنّ جميع مَنْ ذكرهم، ممن نسجوا علاقات ذات مصالح شخصية بحتة مع الوكالة اليهودية، هم مقرّبون من سلطان الأطرش ولا يقومون بأمر إلا بمعرفته وموافقته، أمر مبالَغ به جداً! فحتى اليوم، نجد أنّ الغالبية العظمى من أهل جبل العرب في سوريا يزعمون أنهم «مقرّبون» من سلطان، لا بل هم أحفاده! وهذا أمر يعود إلى الطبيعة العشائرية الحاكمة في جبل العرب! فكيف بمَنْ يرغب في إثبات صدقيّته من أجل تحقيق مصالح شخصية ضيقة، لا من أجل الصالح العام كما كان دائماً هدف سلطان الأطرش؟
بعد عودة سلطان الأطرش إلى سوريا، جاءه المهنّئون من بلاد الشام كلها، وبينهم آبا حوشي (1938) بصفته رئيس نقابة العمّال في حيفا


أما إيراد أمور شديدة الأهمية على لسان سلطان الأطرش، من دون أن تؤيّدها وثيقة واحدة مكتوبة بخط يده ومختومة بخاتمه الذي هو في حوزتي اليوم، فلا أعتقد أنه عمل بحثي أكاديمي موثوق. على سبيل المثال، ما ورد في الصفحتين 184 و185 من الكتاب، وهو أنّ سلطان طلب من الشيخ وحش ابن الشيخ محمد الحسين أن يتوجّه إلى قادة الحركة الصهيونية وأن يطلب منهم التدخّل لدى فرنسا من أجل السماح له بالعودة إلى سورية» في خريف عام 1932. هذا افتراء واضح على سلطان الأطرش للأسباب التالية:
1- كانت ظروف الحياة في الخيام في صحراء وادي السرحان أصعب بما لا يُقاس، مقارنةً بالحياة في الكرك: (يتبيّن للقارئ شظف العيش في تلك الصحراء من خلال السيرة الذاتية لمنصور سلطان الأطرش، في كتابه: الجيل المُدان، بيروت، «دار رياض الريس»، 2008، في الصفحات، من 19 حتى 34)، حيث كان يستأجر منزلاً في الكرك، وأنا زرتُه وصوّرتُه في أيلول من عام 1982، ونشرتُ الصورة في الصفحة 256 من روايتي الذاتية (إلى آخر الزمان، دمشق، دار تساؤلات، 2014)، لكنه، مع ذلك، لم يطلب هذا من أحد، وليس من شيمه الحصول على الخلاص الفردي!
2 - الوطنيون السوريون فقط هم الذين كانوا يعملون على وضع مسألة العفو عن جميع الثوّار والسياسيين ضمن المفاوضات بينهم وبين فرنسا. (أرشيف سلطان الأطرش، السعي من الوطنيين السوريين لدى المندوب السامي في دمشق، لطلب العفو عن جميع أبناء سوريا، الوثيقة رقم 593، العام 1931).
3 - رفض سلطان الأطرش في عشرينيات القرن العشرين، بعد ضعف الثورة عسكرياً واستمرار المقاومة، عرضاً من الملك جورج الخامس قدّمه له المعتمد البريطاني، لدى اجتماعه به في الأزرق، مخاطباً سلطان الأطرش: «إنّ حكومة صاحب الجلالة البريطاني تتكفّل بتقديم قصر خاص بإقامتكم في مدينة القدس، وراتب كبير يضمن لكم العيش الهنيء والسعادة مدى الحياة»، وذلك في محاولته لإقناع سلطان «بضرورة إنهاء الثورة والتسليم للأمر الواقع من دون قيد أو شرط»! فأجابه سلطان الأطرش بما يلي: «إنّ سعادتنا باستقلال بلادنا وحرية شعبنا. ولو كان العيش في القصور غايتنا، لكنّا بقينا في دورنا الرحبة، واستجبنا لدعوة الفرنسيين المتكرّرة بالاستسلام. إنّ طلبكم هذا فيه مساس بكرامتنا، فلا نرضى إطلاقاً أن تكون المفاوضة معكم، أو مع حلفائكم الفرنسيين، إلا على أساس صلح مشرّف تتحقّق به المبادئ التي قامت ثورتنا عليها ومن أجلها، وتتلخّص بحرّية الشعب واستقلال البلاد ووحدتها، وجلاء القوّات الأجنبية عنها» (أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش، راجعها وصحّحها ومهّد لها منصور سلطان الأطرش، دمشق، دار طلاس، ط2، 2008، الصفحتان 305 و306). وكان المعتمد البريطاني حينها قد أحضر معه لمقابلة سلطان الأطرش وبعض من رفاقه في الأزرق ما لذّ وطاب من الطعام والشراب. وكان الثوّار محرومين من الماء والطعام، إلا القليل الذي يتيسّر لهم، وذلك بسبب حصار البريطانيين لمصادر المياه في الأزرق، فمن يحاول جلب الماء من الثوار، كان البريطانيون يطلقون عليه النار. وبنظرة من سلطان إلى رفاقه، فهموا منها أنّ هذا الطعام محرّم عليهم جميعاً. وحين نهض المعتمد البريطاني للذهاب، قال له سلطان الأطرش: «خذ كلّ ما أتيت به من طعام وشراب، فلا حاجة لنا به». وهكذا كان.
وقد وثّقتُ مع صديقتي أليسار خوري في مكتبة الأسد الوطنية، في عام 1986، أرشيف وزارتَي الخارجية الفرنسية والبريطانية، وكان من بينها رسالة من قنصل بريطانيا في المشرق إلى وزارة الخارجية البريطانية يؤكّد فيها على رفض تعاون سلطان الأطرش مع البريطانيين رغم السعي البريطاني الحثيث لتقديم الدعم المادي له، واستمرار رفضه له: «سلطان الأطرش لا يمكن شراؤه»! هذه الوثائق هي ضمن أرشيف المكتبة الوطنية في دمشق (١) أما ما ورد في الصفحة 186: «وكان العيسمي من أهم مساعدي سلطان الأطرش ومستشاره الخاص للشؤون الخارجية»، فهذا غير صحيح مطلقاً في ثلاثينيات القرن العشرين، فمنذ عام 1930، بدأ اللغط يدور حول دور العيسمي كممثّل لسلطان الأطرش في مصر (أرشيف سلطان الأطرش، الوثيقة رقم 459، العام 1930)، وذلك لأسباب عديدة لا مجال لشرحها الآن. ومنذ عام 1931، أصبح المعتمد الأساس لسلطان الأطرش في عمّان هو السيد حمدي منكو (أرشيف سلطان الأطرش، الوثائق 587، 592، 595، 599، 604). بعد انتهاء الثورة، لا أحد مطلقاً يمثّل سلطان الأطرش، لا السيد العيسمي ولا السيد القطامي (الصفحة 193) ولا غيرهما! فالمرء، في أحايين كثيرة، يختلق أقاويل على لسان شخصية موثوقة لدى الناس، بغية إثبات مصداقية سعيه، إرضاءً لمن يعمل لمصلحتهم، لكنّ غايته في ذلك هي تحقيق مصالحه الشخصية الضيقة!


في الصفحة 187، ورد على لسان العيسمي «أنّ سلطان الأطرش يسعى بعد أن يعود إلى جبل الدروز ليحصل جبل الدروز على حكم ذاتي كامل». وهذا أيضاً كلام لا يمتّ بصلة إلى تاريخ سلطان الأطرش النضالي ولا تثبته أي وثيقة بخط يده! إنه محض افتراء! ففي بيانه «إلى السلاح» في آب/ أغسطس 1925، حدّد سلطان الأطرش هدف الثورة السورية الأول بـ «توحيد سوريا ساحلاً وداخلاً؛ والهدف الثاني هو الاستقلال»، وقد رفض دويلة جبل الدروز التي أقامها الفرنسيون، رغم كل الإغراءات الفرنسية له. (أرشيف سلطان الأطرش، الوثائق والبيانات التي تؤكّد على وحدة سوريا وعلى وحدة جبل العرب مع الوطن الأمّ سوريا ورفض انفصاله عنها، من سلطان الأطرش وبخط يده، الوثيقة ٣١٨ للعام ١٩٢٨؛ الوثيقتان: 584 و601 للعام 1931؛ الوثيقتان 715 و725 للعام 1936؛ الوثيقة 739 للعام 1937).
إنّ الأحداث التي وقعت خلال الثورة الفلسطينية الكبرى قد دحضت ادّعاء العيسمي وغيره، إذ ورد في الصفحة 188 ما يلي: «انخراط عرب دروز في الثورة الفلسطينية من سورية ولبنان...»؛ «الدروز في جبل الدروز خصوصاً، يشاركون بنسبة كبيرة في الثورة في فلسطين»... وهذا دليل على عدم صدق ادّعاءات العيسمي في مسألة ضغط القادة في جبل العرب على أهالي الجبل من أجل عدم مشاركتهم في الثورة الفلسطينية الكبرى!
في الصفحة 208، ادّعى العيسمي أنّ الأشقاء سلطان وزيد وعلي الأطرش «أعربوا عن رغبتهم في دعوة آبا حوشي» لزيارة جبل العرب، وهذا قد تمّ دحضه بالفعل في الصفحة 204، حيث قام إلياهو ساسون، وهو دمشقي، بدحض أفكار حاييم كوهين، فقال: «ليس صحيحاً ما ادّعاه كوهين عن أنّ الدروز هم الذين بادروا، بعد عودة سلطان الأطرش إلى جبل الدروز، لإقامة علاقات مع الوكالة اليهودية...».
ثم إنّ بعد عودة سلطان الأطرش في أيار 1937 إلى سوريا، جاء إليه لتهنئته بالعودة إلى الوطن عشرات الآلاف من بلاد الشام كلها، وهو لم يدعُ أحداً لتهنئته بالعودة! بل استقبل الجميع على اختلاف مشاربهم، ومن ضمنهم آبا حوشي الذي يتحدث العربية، كما ورد في الهامش 97 في الصفحة 226، وقد تمّ استقباله سنة 1938 بصفته رئيس نقابة العمّال في حيفا فقط.
ما لفت نظري في هذا الكتاب، وربما سيلفت نظر أيّ قارئ دقيق الملاحظة، هو أنه حين يكون الحديث عن بعض إساءات الثوار في فلسطين تجاه أشقائهم في الوطن من بني معروف، كان محمود محارب يوحي للقارئ بأنّ تلك الإساءات لم تقع وبأنها تُهَم ملفّقة! لكن، حين يكون الحديث نقلاً عن فلان وعلّان، عن لسان سلطان الأطرش، وبما يتوافق مع نهج الصهاينة في تهشيم الرموز الوطنية في وطننا العربي، فإنّ محمود محارب يوحي للقارئ بأنّ الحديث مؤكّد!
في الصفحة 231 أكّد العيسمي على التوافق مع سلطان الأطرش بشأن نقل دروز فلسطين إلى جبل العرب في سوريا! لكنّ الوثيقة المكتوبة بخط يد أسد سليم الأطرش، من المجيمر، وقد كان مديراً ويعمل في ميناء حيفا، وهو الذي رافق الوفد الفلسطيني الذي زار سلطان الأطرش، تؤكّد على أنّ سلطان الأطرش، مخاطباً وفداً زاره من مشايخ بني معروف من فلسطين، في القريّا، في 15 حزيران/ يونيو 1948، نهى الدروز عن ترك قراهم في فلسطين، ودعاهم للصمود في أرضهم، مؤكّداً لهم على أنه «إذا ما نزحتم إلينا فلن نقبلكم أبداً»!
كما أكّد سلطان الأطرش في كتاب «أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش»، وفي الصفحة 369، على أنّ علاقته بالقضية الفلسطينية قديمة، «فعندما قامت الثورة سنة 1936، كنّا ما زلنا في الكرك في شرق الأردن، وقد ساهمنا مع وجهاء البلدة في نصرة الثورة بقدر ما أتاحت لنا الظروف، حيث إنّ بريطانيا لم تغفل عن مراقبة أي تحرّك يُقدِم عليه الأهلون لدعم الثورة. فقدّمنا بعض العتاد الذي كنّا نحرص عليه من بقايا سلاحنا في قتالنا للفرنسيين على أرض سوريا. وكلّفنا المجاهد شكيب وهاب في تأمين وصوله إلى المجاهدين على أرض فلسطين». وبعد إقرار تقسيم فلسطين، 1947، «حضر إلى الجبل القائد فوزي القاوقجي... ثم قدِم إلى القريّا وأطلعني على المهمّة الموكلة إليه وهي طلب المتطوعين في جيش الإنقاذ لمنع وقوع فلسطين في يد الصهاينة. استنهضنا همّة شباب الجبل في تلبية دعوته، فاستجاب الكثيرون لها... ولقد قدّم الجبل عدداً من الشهداء فاق الثمانين شهيداً على أرض فلسطين».
أخيراً، يؤسفني أن يقوم أستاذ أكاديميّ بمثل تلك السقطات في كتاب يُفتَرَض فيه الحيادية في البحث. وأنا أصرّ على كل كلمة كتبتُها في هذه المقالة بسبب ما يشكّله هذا الكتاب من خطورة، خصوصاً في هذه الأيام التي نعاني منها من محاولات التفتيت الجديدة في منطقتنا، والتي تستهدف بشكل خاص الأجزاء الشمالية والشرقية والجنوبية من سوريا.

* أكاديمية سورية

المراجع
1) Documents of the British Colonial about Syria (1921 – 1944; 1947; 1949): L. 62; L. 63; L. 66

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا