الإشارات والتسريبات تتواتر عن اختراق كبير في «مباحثات فيينا» لإعادة إحياء الاتفاق النووي بكامل نصوصه والتزاماته ورفع العقوبات الأميركية عن إيران.

إذا ما مضت موجة التفاؤل إلى آخرها فسوف نكون أمام انقلابات محتملة في الإقليم تتجاوز موضوع التفاوض بتعقيداته وألغامه إلى معادلات القوة والنفوذ وحسابات الأطراف المتداخلة في أزماته المستعصية.
الحسابات المتغيّرة سوف تؤثر بعمق في طبيعة الأزمة السعودية الإيرانية وفرص بناء علاقات أكثر إيجابية على ضفاف الخليج.
بقوة الحقائق الجديدة لن يكون ممكناً التصعيد في مستوى التوتر بين البلدين إلى الحدود التي سادت العلاقات بينهما في السنوات الأخيرة، الحرب مستبعدة نهائياً والتهديدات خارج أيّ نطاق عملي يمكن أن تنزلق إليه الحوادث.
لا السعودية بوارد الخروج عن السرب الأميركي، ولا إيران مستعدة أن تخاطر بما سوف تحققه من مكاسب اقتصادية واستراتيجية جراء رفع العقوبات.
الأطراف الدولية والإقليمية كلها، بدرجات مختلفة من التنبه، تتأهب لما بعد «مباحثات فيينا».
المباحثات مبشّرة، لكنها ملغّمة في الوقت نفسه.
ربما لهذا السبب تقرر تسريعها خشية إجهاض ما جرى التوصّل إليه بتحرشات عسكرية تفلت حساباتها، أو بضغوط داخلية على صناع القرار.
بصورة أو أخرى، بدا اللاعبان الإيراني والسعودي متأهبين لفتح صفحة جديدة.
إيران تقول إنها مستعدة لحوار إقليمي مع الخليج، السعودية بالذات، يؤسس للتعاون بديلاً عن الصدام، وأن أية أزمات قابلة للحل دون تدخلات خارجية.
والسعودية تعلن، ربما لأول مرة منذ التحلل الأميركي من الاتفاق النووي على عهد الرئيس السابق «دونالد ترامب»، عدم ممانعتها في عودته مجدداً، مؤكدة على لسان ولي عهدها «محمد بن سلمان» السعي إلى علاقات «طيبة» و«مميزة» مع الجار الإيراني.
اللهجة المختلفة تعبير عن معادلات جديدة توشك أن تؤكد حقائقها على الأرض، لكنها لا تعني أن الاحتقانات والاختلافات سوف تختفي بضغطة زر.
أرجح الاحتمالات وقف التصعيد والسعي إلى مقاربات جديدة، غير مباشرة على الأغلب، لحلحلة فجوات الثقة المتراكمة.
خيار الحوار المباشر ظل مطروحاً على أجندة العمل الدبلوماسي حتى يناير (2016) حين ألغيت مباحثات أوشكت أن تعلن، على خلفية إعدام الداعية الشيعي السعودي الشيخ «نمر باقر النمر» و(46) آخرين.
جرت إدانات حقوقية دولية واسعة وحاصرت تظاهرات احتجاجية مقرات دبلوماسية سعودية في إيران وتوقفت لغة الدبلوماسية ومشروعات الحوار، حتى عادت أخيراً على وقع إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني.
بأية مقاربة ممكنة تطل أزمات جوهرية في الإقليم تبدأ من سوريا في المشرق العربي ولا تنتهي باليمن عند الخاصرة الجنوبية للسعودية.
رغم تعقّد الأزمة اللبنانية، التي أنهكت ذلك البلد العربي حتى صار وجوده مهدداً، إلا أن تخفيف حدة التوتر السعودي الإيراني يساعد باليقين على تسويته السياسية وتحسين أحواله الاقتصادية المتردية في الوقت نفسه.
بقوة الحقائق يكاد يستحيل إنهاء المحنة اليمنية المروعة دون توافق إيراني خليجي على الحل السياسي في إطار تفاهم واسع لا يقف عند الحدود المباشرة للأزمة.
في سنوات سابقة ساد اعتقاد أنه من الممكن إجراء مقايضات سياسية بين البلدين، بأن يخفف السعوديون غلواء عداوتهم للنظام السوري مقابل أن يسعى الإيرانيون لدى حلفائهم الحوثيين لوقف عملياتهم العسكرية ضد مواقع سعودية حيوية والذهاب إلى موائد التفاوض وفق المرجعيات الدولية.
استهلكت فرص المقايضة السياسية المفترضة بتراجع الدور السعودي في سوريا وسحب البساط من تحت قدميه لمصلحة أدوار تركية تعاظمت في الوقت.
لم يعد لدى السعودية ما تقايض به في الملف السوري، لكنها يمكن أن تلعب أدواراً إيجابية في إعادة دمج سوريا بالعالم العربي والضغط على تركيا، التي تسعى لفتح صفحة جديدة مع مصر أولاً والخليج ثانياً، لوقف تدخلها المفرط في سوريا مقابل زيادة معدلات التعاون الاقتصادي ورفع منسوب الاستثمارات.
بإرث المنازعات المتراكمة لا شيء سوف يحدث فجأة ولا حلحلة في أي ملف إذا لم يكن الإطار العام للتفاهمات مقنعاً للرأي العام العربي، وإذا لم تكن مصر، أكبر دولة عربية، طرفاً فاعلاً ومؤثراً وضامناً لكل ما يجري التوافق عليه.
العراق يطرح نفسه جسراً للتفاهم الممكن بين الخليج وإيران، ومصر تحتاج أن تأخذ خطوات كبرى في الاتجاه نفسه، بقدر المبادرة يرتفع وزنها الإقليمي بما يساعدها بأكثر من أي تصور على مواجهة استحقاقات أزمة «سد النهضة» الإثيوبي.
مشروع المصالحة الإقليمية الواسعة يعترضه ملف التطبيع مع إسرائيل.
الحديث مع إيران وتخفيف التوتر مع تركيا مدخلان لازمان لإعادة بناء الإقليم المهدم وإزاحة ركام الأزمات التي انهكته، لكنه لن يكون ممكناً في أي حال، أو في أي حساب، دون رد اعتبار واسع للقضية الفلسطينية، التي تمثل رغم كل ما تعرّضت له من نكبات وانتكاسات وتراجعات المعيار الذي تقاس عليه السياسات والمواقف والشرعيات.
من اللافت في «مباحثات فيينا» وما حولها، تراجع منسوب العامل الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي بالشرق الأوسط.
إسرائيل حاضرة في المعادلات الأميركية الجديدة، فاعلة ومؤثرة، لكنها ليست حاسمة ولا جوهرية في صنع القرار بشأن المشروع النووي الإيراني.
إدارة الرئيس الأميركي «جو بايدن» تمضي في استراتيجيتها لإعادة بناء أولويات السياسة الأميركية، بالانسحاب من الشرق الأوسط بأزماته وصراعاته بقدر ما هو ممكن لتركيز بؤرة الاهتمام على شرق آسيا، حيث تقع الصين المنافس الأول على صدارة النظام العالمي الجديد في عالم ما بعد «كورونا».
بصورة أو أخرى سوف تقبل إسرائيل في نهاية المطاف رغم الطنين الدعائي بإحياء الاتفاق النووي وتطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية، لكنها سوف تسعى للحصول على ثمن سياسي وعسكري يستهدف بالمقام الأول إنهاء المشروع الصاروخي الإيراني.
هذا صلب مهمة وفودها المعلنة وغير المعلنة، الأمنية وغير الأمنية، التي تزور واشنطن الآن.
معضلة إسرائيل الماثلة أن صورتها الدولية اهتزّت بعنف، لم يعد أحد في العالم تقريباً مقتنعاً بدعاياتها عن ديمقراطيتها وحداثتها.
«تجاوزوا الحدود»... هكذا عنون تقرير أخير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» ما رصده من انتهاكات إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وداخل الخط الأخضر نفسه.
أخطر ما في التقرير الحقوقي الدولي اتهام إسرائيل بجريمة «الفصل العنصري»، على النحو الذي كان يحدث في جنوب أفريقيا قبل تحريرها من ربقة «الأبارتهيد».
المأساة –هنا- أن إسرائيل المنكشفة أمام العالم، الهشّة في بنيتها السياسية حيث يحتمل أن تُجرى فيها انتخابات خامسة للكنيست في غضون شهور قليلة، المتهم رئيس حكومتها «بنيامين نتنياهو» بالفساد والاحتيال والرشى، والمعرّضة بعض قياداتها العسكرية الكبيرة للملاحقة أمام الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تجري الهرولة إلى أعتابها، كأننا نمد لها أطواق الإنقاذ.
بقدر الانكشاف الاستراتيجي الإسرائيلي، فإنه من المرجح انكسار موجة التطبيع.
باستعارة وصف المنظمة الحقوقية الدولية «تجاوزوا الحدود»، فإننا لسنا ضعفاء إلى هذا الحد وإسرائيل ليست قوية إلى هذا الحد.
هناك فرص حقيقية تطرح نفسها في ثنايا «مباحثات فيينا» لترميم أوضاع الانهيار في العالم العربي أخشى أن تفلت مجدداً.

*كاتب وصحافي مصري

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا