«يمكنك قتل ثوري ولكن لا يمكنك أبداً قتل الثورة»

(فريد هامبتون **)
«وديع حداد... إنه الزعيم التاريخيّ الذي لا مثيل له، وهو المنظّر والمخطّط والمنسّق لتلك الاستراتيجية الرائعة لزعزعة العدو عبر نقل الحرب لمكان تواجده وعبر الجبهات ومن خلال هجمات الكوماندوس المحددة الأهداف والمدمّرة، إنه معلّمنا جميعاً».
(كارلوس)

مرت أخيراً ذكرى استشهاد وديع حداد المولود عام 1927 في مدينة صفد عاصمة الجليل المحتل، والذي أسلم الروح في ألمانيا الشرقيّة في 28 آذار/ مارس 1978. قبل ثلاثة وأربعين عاماً غاب الجسد. لكن الرجل حاضر في ضميرنا وضمير الأجيال اللاحقة. يبقى حضوره طاغياً بالنسبة إلينا، نحن الذين عشنا في زمن «الخال» ـــ لقبه ـــ إضافة إلى كنيته «أبو هاني». في زمنه، وعلى امتداد عقود، عرفت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية، وحركة التحرّر العربية وقوى التغيير والثورة الأممية، زخماً نضاليّاً، ومراحل من التقدم، قبل أن تواجهها مشكلات وإخفاقات متعدّدة. لقد أعاد لنهج المقاومة المسلّحة ألقه في أكثر من منطقة اشتباك في العالم، وفي المركز فلسطين: قضية، وساحة كونية للمواجهة مع العدو الصهيوني الاستعماري، الاقتلاعي والفاشي الذي بنى كيانه على المذابح والطرد والإبادة.
عندما يستعيد كبار السن من أهل صفد ذكرياتهم عن مقاومة مدينتهم للانتداب البريطاني قبل أن يحتلّها الصهاينة ويمارسوا بحق الشعب الفلسطيني سياسة الاقتلاع والإبادة، بدعم وتسهيل وحماية حكومة الانتداب، فإنّ اسم الفتى وديع حداد يفرض حضوره البهيّ. لقد شارك في مقاومة الجيش البريطاني وتخريب بعض آلياته ومعداته. ولا شك في أن مخزون التجربة التأسيسية، مع ما أضافته نكبة 1948 إلى وعي الطالب المنتسب لكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، سيترك تأثيره المباشر على نشاط وديع حداد. نشاط سياسي وميداني مع زملاء من الطلبة العرب، في عدد من كليات الجامعة داخل إطار «جمعية العروة الوثقى»، وقد شكلت النواة الأولى لـ «حركة القوميين العرب» التي أصبح الدكتور وديع أحد أبرز مؤسّسيها وقادتها. عن تلك التجربة الحزبية العربية، كُتبت المئات من المقالات والدراسات، وعرفت المكتبة العربية عدداً من الكتب التي عالجت بالدراسة والتقويم سنوات نضال الحركة في عدة أقطار عربية. وكان اللافت فيها جميعاً، اقتران اسم «أبي هاني» بالجانب العملي/ التقني للخط الكفاحي للحركة، وامتداداً، في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
قاد «الخال» مسؤولية العمل المسلّح ضد العدو الصهوني في الجبهة الشعبية لسنوات طويلة. وقد عبَّرَ رفيقه القيادي والأديب الثوري غسان كنفاني عن ذلك النهج في كتابات متعددة، يمكن اختصارها بشعار «وراء العدو في كل مكان». وقد ترجمت هذا المسار الكفاحي مجموعات النخبة الثوريّة المقاتلة في الجبهة المعروفة بـ «المجال الخارجي» التي قادها وديع حداد في مواجهة العدو الصهيوني في السماء وعلى الأرض، وحولت مساحات واسعة من العالم إلى ساحة مواجهة مع العدو. وقد انصهرت في هذه النخبة المقاتلة مجموعات ثورية عربية وأممية من اليابان وأوروبا وأميركا الوسطى والجنوبية. واستطاع هذا الفعل الثوري أن يضع اسم فلسطين كقضية تحرّر وطني لشعب تعرّض للمذابح والاقتلاع والتبديد، على خارطة العالم والنضال الأممي والسياسة الدولية.

إن ذكرى رحيل القائد الشهيد مناسبة لاستلهام دروس النهج الكفاحي الذي قاده عبر نقل النظرية من حيز الفكرة إلى ميادين التطبيق


كان أبو هاني قائداً ثورياً استثنائياً، كما قال عنه رفيق عمره والشريك الأبرز في نضاله التحرري الثوري على مدى عدة عقود الحكيم جورج حبش. لم تكن تلك «الاستثنائية» سوى التوصيف الحقيقي والمعادل الموضوعي لفكرة «الثورة والتحرير». هكذا فهم ومارس «الخال» المقاومة المسلحة بدوائر النضال المشتركة: القطرية، والقومية، والأممية. لم تكن قضية تحرير فلسطين على جدول أعماله، مسألة «قطعة أرض» تُقام عليها سُلطة شكلية، تنتزع من مضمون القضية اسم فلسطين لتضيفه إلى كلمة السلطة لتصبح «سلطة فلسطينية»!
وديع حداد الذي لم يكن «يحبّ الظهور والميكروفونات والشاشات»، كما تقول رفيقة نضاله الثوري ليلى خالد في مجلة «الآداب» اللبنانية، ضمن الملف الخاص عن القائد الشهيد (27/03/2017). كتبت ليلى: «لم يكن «الخال» كثير الكلام، فأفعاله هي التي تتحدث عنه» (... كنا نسمعه يقول) «أنا بلدي اسمها صفد... لا أقبل إن عُرضت علينا كل فلسطين باستثناء صفد، وأرفضها إذا عُرضت مع صفد واستُثني منها بيتي، وأرفضها إذا عُرضت مع صفد وبيتي واستُثني منها شبر واحد. هذه هي مواقفنا وهذا هو مشروعنا للتحرير. خطنا هو حرب الشعب الطويلة الأمد وسياسة الاستنزاف التي ستؤدي إلى إصابة الجسم الإسرائيلي القوي بفقر الدم والانهيار». تكتسب ذكرى أبو هاني هذه الأيام أهمية خاصة في مرحلة سياسية هي الأخطر فلسطينياً، بسبب المحاولات التي يقودها «ذوو القربى» بهدف اختزال وتقزيم الكفاح الوطني للشعب الفلسطيني: من تحرير الوطن من الاستعمار الاستيطاني إلى توافقات على محاصصة لعدد «المقاعد» في انتخابات شكلية لـ «مجلس ورئيس»، في ظل الاحتلال وإجراءاته وهيمنته الكاملة، تحاول أن توهم عبر نهج تضليلي بأنها «سيادية»! فالهدف ليس إلا العودة إلى طاولة المفاوضات التي أثبتت عقمها ولاجدواها، وإعادة تكرار مسار الفشل الممتد على عقود.
وفي جانب آخر، تتشابك الذكرى مع «يوم الأرض» (30 آذار/ مارس) الذي أحياه شعبنا في الوطن المحتل منذ عام 1948 وسائر أجزاء الوطن والشتات. هذا الشعب الذي واجه، قبل أيام انتكاسة جديدة، في مهرجان انتخابي صهيوني لتجديد أعضاء برلمان في كيان العدو. انتكاسة ليس سببها خسارة بضعة مقاعد أو انشقاق في القائمة العربية، بل الرهان الخاطئ والمُدمّر لدى بعض القوى السياسية في الداخل على «ديمقراطية» المستعمر! وذلك في ظل الاحتلال الموغل في عنصريته وتعسّفه ضد أصحاب الأرض المحتلة والحقوق المغتصبة... وقد جاءت نسبة المقاطعة العربية لصناديق الاقتراع التضليلية التي دعت إليها قوى وشخصيات وتيارات وطنية، لتعيد للموقف الوطني الجذري توهجه وترسخه.
إن ذكرى رحيل القائد الشهيد مناسبة لاستلهام دروس النهج الكفاحي الذي قاده عبر نقل النظرية من حيز الفكرة إلى ميادين التطبيق. لم يتوقف أبو هاني في بازار لعرض «النظريات الأزياء»، كما يقول مظفر النواب في إحدى قصائده، بل أعطى للأفكار الثورية عُمقها الكفاحي بدوائرها المتداخلة والمترابطة: الوطنية والقومية والأممية. لذا يصبح ضرورياً استحضار الثوري الاستثنائي في زمن «التهافت» المكشوف، لأن العنف الثوري المنظّم: فكراً وممارسةً، بحوامله التنظيمية والاجتماعية هو الأسلوب الأنجع والأسرع في نقل «فكرة الثورة» من الشعار النظري إلى الواقع الموضوعي.
اليوم ونحن نحيي ذكرى رحيل وديع حداد، علينا إعادة ترسيخ نهجه وأفكاره الراهنة أكثر من أي وقت، في وعينا الوطني والقومي. روح الثورة التي حملها عقوداً ما زالت هي الأفق الأوحد أمام شعب فلسطين والشعوب العربية. كما أن الصراع التاريخي مع المستعمر، يُظهر لنا أن جيلاً فلسطينياً/عربياً راديكالياً ، تَعَلَّم من تاريخ وتجارب الثوريين ووديع حداد أبرز رموزهم. تشهد على ذلك أسماء مهند ورأفت وباسل وسامر وقسام وعمر وغسان وعلاء... التي روت بالدم أرض فلسطين وأسست لجيل ثوري جديد في تاريخ النضال الوطني والمقاومة. لقد خرج هذا الجيل من رحم المقاومة المسلحة وبيئتها، ومن ميادين الاشتباكات والمواجهات على الحواجز، ومن الاضطهاد والقمع والقهر، ومن حلقات الحوار والنقاش وورشات العمل الفكرية والنظرية في الجامعات، حاملاً فكرة الثورة وطهارتها وسلوكها، بعيداً عن كل أشكال المساومة السياسية الرخيصة والارتزاق والزبائنية والانتهازية.
سلام لك أبا هاني وأنت تحمل البشارة لصفد، ولكل قرية أو مدينة في فلسطين المحتلة، بأن النصر قادم. سلام لك وسلام عليك، وأنت تُقدّم لمناضلي شعبك وأمتك والعالم، القدوة والنموذج في نكران الذات، وفي الطهارة الثورية، والتقشف، وفي مقارعة الاحتلال والظلم والهيمنة الاستعمارية.
* كاتب فلسطيني.
** قائد تنظيم «الفهود السّود» في إلينوي (شيكاغو)، اغتالته عناصر الشرطة الأميركية في بيته عام 1969.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا