حمأة الوضع المعيشيّ الضاغط والوضع المالي المجنون، يجب ألّا تُلهينا عن ملفٍّ لم يبرُدْ إذ طالما مُرِّرت الصفقات لقضايا كبرى في أوقاتٍ كهذه. إنّه ملفّ الترسيم البحريّ والمُعطى الاستراتيجي الجديد الذي فجّره الوفد اللبناني المفاوض في المفاوضات التي بدأت منذ ستّة أشهر. توقّفت المفاوضات والكلّ بانتظار تعديل المرسوم ٢٠١١/٦٤٣٣. أين أصبح ملفّ تعديل المرسوم ٦٤٣٣؟ ما العوائق أمام هذا التعديل ومن هم المعوّقون؟ هل سبب التأخير تقني متعلّق بالتحديد الدقيق والذي لا يدنو منه الشكّ للخطّ الجديد أم هو سياسي تحدّد مصيره أهواء السياسيين ومصالحهم؟ هذه المقالة لا تبغي الحديث عن مسألة تأخير إقرار تعديل المرسوم ولكنّها تهدف إلى الولوج إلى مسألة شديدة الأهمّية تتعلّق بمفاعيل الخطّ الّلبناني الرقم 29 وبالتالي تتعلّق مباشرةً بتعديل المرسوم المذكور.



هناك تاريخ مُرْتبك إن لم نقلْ مُريب ولا يُطمئن البتّة في ما خصّ معالجة ملفّ ترسيم الحدود البحريّة والتعاطي معه ومعطوفاً عليه معالجة ملفّ التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانيّة بشكل عام. سوف نعرّج على البدايات قبل العودة إلى الموضوع الرئيسي لما لذلك من علاقة وطيدة بالبحث. لن ندخل هنا في التفاصيل التقنيّة لترسيم الحدود البحريّة، فهذه أُشبعت دراسةً في مقالاتٍ كثيرةٍ حديثةٍ أخرى وتناولها الوفد اللبناني المفاوض بتفاصيلها في محاضراته الحديثة في الجامعات اللبنانيّة، وآخرها في معهد عصام فارس للدراسات في الجامعة الأميركيّة في بيروت بتاريخ 16 آذار 2021.

نبذة سريعة عن تاريخ التنقيب
في 28 آذار 2013، أعلن وزير الطاقة والمياه، آنذاك، جبران باسيل، أسماء اثنتين وخمسين شركة مؤهّلة من ضمن الشركات التي تقدّمت للتأهل للمشاركة في دورة التنقيب الأولى في المياه الإقليميّة اللبنانيّة. كان العدد كبيراً بكلّ المقاييس وخاصّةً إذا قيس بعدد الشركات المهتمّة بالتنقيب في المياه الإقليميّة لفلسطين المحتلّة. وقتذاك، باهى الوزير، عن حقّ، بهذا الإنجاز بخاصةٍ في حمأة المنافسة مع العدوّ الإسرائيلي في هذا المجال الاستراتيجي. التقدّم لدورة التراخيص الأولى الذي كان من المفترض أن يبدأ ويُستكمل في عام 2013 تأخّر لأسبابٍ عديدةٍ، يستحقّ اللبنانيون واللبنانيات أن يعرفوها ولم يعرفوها. هذا التأخير كانت كلفته باهظةً على لبنان، إذ بينما كان سعر النفط في ذروته في عام 2013 (بحدود الـ 100 دولار للبرميل) وكذا كانت شهيّة الشركات النفطيّة للمخاطرة في مشاريع الاستكشاف تِبعاً لارتفاع موازنات التنقيب في هذه الشركات بسبب الفوائض المالية المُتأتّية من ارتفاع أسعار النفط. التأخير كان بطبيعة الأمر هدراً للمقدّرات الوطنية بطريقةٍ غير مباشرةٍ، هدراً لا يُحاسِب عليه القانون ولا الشعب في بلدٍ لا يُحاسَبُ فيه على الفساد والهدر المباشر أساساً فكيف بالتقصير.
لسببٍ أو لآخر، استفاق المسؤولون مجدداً بعد نحو أربع سنوات من الرُّقاد وطُرحت دورةُ التراخيص الأولى من جديد. هذه المرّة ولأسبابٍ موضوعيّةٍ تتعلّقُ بأسعار النفط المتدنّية لفترةٍ طويلةٍ، تدنّى مستوى الاهتمام بالتنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية. في نهاية المطاف، تقدّم تكتّل شركات: توتال، ايني ونوفاتيك بعرضين عن الرقعتين 4 و 9. ولم يُقدّم أيُّ عرضٍ عن الرُّقع الثلاث الأُخرى: 1 (المحاذية للمياه الإقليمية السورية)، 8 و 10 (المحاذيتان للمياه الإقليمية لفلسطين المحتلّة). في الرابع عشر من شهر كانون الثاني 2018 أعلن وزير الطاقة والمياه، آنذاك، سيزار أبي خليل، فوز تكتّل شركات: توتال، ايني ونوفاتيك «بالمزايدة» وتمّ تلزيم الرقعتين للتكتّل المذكور بالشروط التجارية غير القابلة للتفاوض بطبيعة شروط المزايدة. انعدمت بطبيعة الحال المنافسة، ما أثّر بشكلٍ كبيرٍ على إمكانية مردودٍ اقتصاديٍّ أعلى للبنان من الرقعتين 4 و 9. ومهما تعدّدت التفسيرات، يبقى التفسيرُ الجيوسياسي وراء تدنّي الحصّة اللبنانية من البلوك (الرقعة) الرقم 9 مقارنةً بالبلوك الرقم 4 هو التفسير المنطقيّ بغياب أيّ تفسيرٍ وازنٍ آخر. يعني ذلك استغلال تكتّل الشركات للوضع الحدودي للرقعة وغياب المنافسة لتبخيس القيمة. وهذا بدوره منطقيٌّ بحسب قوانين المخاطرة من جهةٍ وبشكلٍ أساسيٍّ، قوانين العرض والطلب. أضف إلى ذلك، تعهّد توتال بالابتعاد 25 كلم شمالاً عن خطِّ الحدود المُدّعى من قبل العدوّ الإسرائيلي وقبول لبنان الضمني بهذا التعهّد، مع ما يستتبع ذلك من تفويتِ فرصةِ التنقيب في حقولٍ مُفترضةٍ واعدةٍ لأسبابٍ، مرةً أُخرى، غيرِ مفهومةٍ. حُجّة توتال في ذاك الوقت كانت عدم وجود حقولٍ مفترضةٍ واعدةٍ في المنطقة المُبتعد عنها. وفي ذلك جدلٌ كبيرٌ... تكون توتال بذلك كالمنشار، استحوذت على التنقيب والتطوير في البلوك الرقم 9 بسعرٍ بَخس وبقيت بعيدة عن الحدود وعن أيّ إزعاج للعدوّ الإسرائيلي في هذا المجال.

تاريخ المفاوضات والأخطاء اللبنانيّة
في كانون الثاني2007، وقّع لبنان مع قبرص اتّفاقية حول ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لكلا البلدين. تمّ تحديد خطّ الحدود البحري ما بين النقطة الرقم 1 جنوباً والنقطة الرقم 6 شمالاً، مع توضيحٍ مفادُه أنّ النقطتين المذكورتين غير نهائيتين بانتظار التفاوض مع الدول المعنيّة أي العدوّ الإسرائيلي وسوريا. لبنان، بدل اختيار نقطة مؤقّتة تمتدّ جنوباً مع فلسطين المحتلة، اختار لأسباب غير واضحة نقطة شمالاً بعيداً عن النقطة الثلاثيّة. كانت هذه أولى الأخطاء التي استغلّتها «إسرائيل» وبنت عليها الخطّ 31 – 1 (الخطّ «الإسرائيلي») ورسّمت حدودها على أساسه. ليس هناك أيّ سند تقني أو قانوني للنقطة 1 ما عدا استغلال الهفوة اللبنانيّة التي تسلّل منها العدوّ. في سنتي 2008 و 2009 قامت لجنة لبنانيّة مشتركة من كافّة الوزارات المعنيّة باستكمال دراسة الحدود اللبنانيّة وانتهت اللجنة بالخطّ 18 – 23 (الخطّ 23). في تمّوز 2010 قام لبنان بتبليغ الأمم المتّحدة بحدوده على أساس الخطّ 23 وفي كانون الثاني 2011 أصدر مجلس الوزراء اللبناني المرسوم الشهير 6433 مثبّتاً حدود لبنان من طرف واحد. يجدر القول أيضاً بأنّه هنا أيضاً، ليس هناك أيّ سند تقني أو قانوني للنقطة 23. المنطقة الذائعة الصيت الواقعة بين الخطّين 1 و 23 و التي تبلغ مساحتها 860 كم2 أصبحت منذ ذلك الوقت منطقة تنازعنا عليها «إسرئيل». الخطّ 23 غير المبني على أيّ أساس كان الخطيئة الثانية في مسار ترسيم الحدود البحريّة اللبنانيّة. في سنة 2012 اقترح «الوسيط» الأميركي فريدرك هوف خطّه الشهير الذي يبدأ ثلاثة أميال بعيداً عن الشاطئ والقائم بشكل أساسي على أساس خطّ الوسط مع احتساب كلّي لصخرة تخيليت المقابلة للشاطئ الفلسطيني. مساعي هوف، لحسن الحظّ فشلت بعد أن كادت تنجح وكان نجاحها ليؤدّي إلى خسارة لبنان مساحات بحريّة كبيرة تستبطن ثروات ضخمة.

المفاوضات الأخيرة
ممّا زاد الطين بِلّة أنّه في سنة 2011، وقبل صدور المرسوم 6433 بشهر صدر عن المكتب الهيدروغرافي البريطاني (UKHO) نتائج دراسة للحكومة اللبنانيّة تنصّ على أنّ حدود المنطقة الاقتصاديّة للبنان يمكن أن تمتدّ لمساحة إضافيّة واسعة جنوباً في حال عدم احتساب أثر صخرة تخيليت. تقرير الـ UKHO، ولأسباب مُريبة، لم يُعرض على مجلس الوزراء. في السياق نفسه وفي سنة 2013 أتمّ المقدّم البحري مازن بصبوص بحثاً لنيل إجازة أركان بعنوان «إشكالية تعيين الحدود البحريّة اللبنانيّة مع العدوّ الإسرائيليّ ومدى تأثيرها على استخراج الثّروة النّفطيّة». دراسة العقيد الركن بصبوص أكّدت نتائج الـ UKHO من حيث حقّ لبنان بمساحة تزيد عن 1400 كم2 فوق الـ 860 كم2 التي تنازعنا عليها «إسرائيل».
نام ملفّ الترسيم لغاية حزيران 2018 عندما أتمّت مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني، والتي أجرت سنة 2014 مسحاً للشاطئ اللبناني الجنوبي في منطقة الناقورة وقامت بإعادة تحديد للمنطقة اللبنانية الخالصة والتي أكّدت حقّ لبنان بمساحة 1430 كم2 فوق الـ 860 كم2 التي تنازعنا عليها «إسرائيل». فكان الخطّ اللبناني الجديد: الخطّ 29. في كانون الأوّل 2018 أحال الجيش اللبناني دراسته إلى مجلس الوزراء لاتّخاذ القرار المناسب. يجدر القول بأنّ معظم الأفرقاء السياسيين والكتل النيابيّة وُضعوا في كامل أجواء الخطّ الجديد في حدثين منفصلين على الأقلّ في تمّوز 2019 وكانون الثاني 2019. من العجيب بأنّ المُعطى الجديد لم يُتلقّف، ما يشكّل إدانة بالتهاون بالحقوق لكلّ الفريق الحاكم الذي علم والذي أُعلِم بالأمر، دون استثناء.
بين أخذٍ وردّ بعيداً عن الإعلام وتقصيرٍ من هنا وتهاونٍ من هناك، وصلنا إلى المفاوضات التي بدأت في تشرين الأوّل 2020 وإذا بالوفد المفاوض وبناءً على توصيات رئيس الجمهوريّة يفجّر قنبلته ويطرح المفاوضات على أساس الخطّ 29. يجدر القول إنّ الموقف المتقدّم للوفد اللبناني المفاوض قوبل بالتردّد في الوسط السياسي. لحسن الحظّ، الموقف هذا حصل على دعم شعبي وإعلامي ولكنّه افتقر إلى إجماع سياسي يواكبه وهو في أمسّ الحاجة إليه.

حقل كريش والبلوك 72 شمال فلسطين
تمّ حفر بئر الاستكشاف الأوّل KARISH-1 في حقل كريش في المياه الفلسطينيّة في آذار 2013 وتمّ حينذاك استكشاف كمّيات كبيرة من الغاز، بدأ على إثرها العمل على تطوير الحقل من قِبَل شركة انرجيان اليونانيّة عن طريقة ربط حقلَي تنين وكريش عبر سفينة إنتاج (FPSO). تقدّر الكِلَف الرأسماليّة لتطوير حقل كريش بـ 1،7 مليار دولار. توقّعت الدراسات وجود الغاز شمال حقل كريش وهو ما أثبتته بئر الاستكشافKN01 التي تمّ حفرها في آذار/نيسان 2019 وتمّ تقييمها في تشرين الأوّل من السنة ذاتها. يجدر القول بأنّ KN01 تقع حوالى ثلاثة كيلومترات شمال الخطّ الّلبناني 29 وحوالى 8 جنوب الخطّ 23. والجدير التركيز عليه أنّ الغاز المكتشف في حقل كريش يمتاز عن الحقول الأخرى في المياه الفلسطينيّة المحتلّة بارتفاع منسوب النفط السائل المصاحِب فيه، ما يضاعف من قيمته الاقتصاديّة. أخيراً، وفي ما يخصّ كريش، كان يُتوقّع بِدء الإنتاج من الحقل في الفصل الرابع من هذه السنة أو أوائل العام الحالي 2021. أمّا الإنتاج من القسم الشمالي من حقل كريش فمُتوقّع في القسم الثاني من سنة 2023.
الخطّ الجديد له تداعيات اقتصاديّة واستراتيجيّة كبرى على لبنان، ويمنع العدو من تطوير حقل كريش


مفاعيل ومترتّبات الخطّ 29
ماذا في الميزان وما هي مفاعيل الخطّ اللبناني 29 في ما خصّ الثروات المحتملة؟ الخطّ الجديد يعطي لبنان مساحة 1430 كم2 وهي من الأغنى والأكثر احتمالاً لوجود الغاز تبعاً لمحاذاتها لاكتشافات كبيرة في المنطقة الخالصة الفلسطينيّة وامتدادات طبقات الصخور الغنيّة بالغاز لمسافات طويلة عبر حقول الغاز في هذه البقعة. الشيء المؤكّد بأنّ الخطّ اللبناني 29 يشطر حقل كريش إلى شطرين ويصبح شمال كريش (المكتشف ببئر KN01) في المنطقة الاقتصاديّة اللبنانيّة الخالصة، مع ما يستبطن ذلك من احتياطات غازيّة مؤكّدة والتي من المؤكّد بأنّ العدوّ الإسرائيلي سيدافع عنها بالنواجذ. ولكنّ حقل كريش قد يكون جزءاً صغيراً من الثروات المحتملة. على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى احتمال قوي لوجود حقل غاز ضخم بكلّ المقاييس مع مخزونات محتملة تزيد بأضعاف تلك التي يحويها كريش، يمتدّ عبر الجزء الجنوبي للبلوك الرقم 9 بمحاذاة البلوك الرقم 8 جنوباً مجتازاً الخطّ 23 بمسافة تزيد عن خمسة كيلومترات، محتلّاً جزءاً مهمّاً من البلوك 72. فالبلوك 72 يصبح بمجمله داخل المياه الخالصة اللبنانيّة ويصبح أيّ تنقيب من قِبل العدوّ في هذا البلوك تعدّياً على الثروات اللبنانيّة. (راجع الرسم التوضيحي).

المآلات العمليّة ومستقبل المفاوضات
يتوقّع الوفد اللبناني المفاوض بأنّ تثبيت الخطّ 29 عبر تعديل المرسوم 6433 وإيداع النقاط الجديدة الأمم المتّحدة سيدفعان العدوّ الإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات بلحاظ تأثير الخطوة اللبنانيّة على مسار البدء بالإنتاج من حقل كريش وتداعيات ذلك. ماذا لو لم يحصل ذلك وماذا لو أدار العدوّ الإسرائيلي الظهر للمفاوضات واستمرّ بخططه؟ ردّة الفعل اللبنانيّة على ذلك يُقدّرها أصحاب القرار إذ سيكون اعتداءً مباشراً على الثروات اللبنانيّة وليس فقط على الحدود... ولكن، على كلّ حال، لن يؤُثّر ذلك من حيث المبدأ على خطط التنقيب في البلوك الرقم 9 إذ أنّ توتال قرّرت مسبقاً الابتعاد مسافة كبيرة عن مناطق «النزاع». أمّا بخصوص البلوك الرقم 10، فإنّه بالكامل في المنطقة اللبنانيّة الخالصة التي لا ينازعنا عليها العدوّ. وبخصوص البلوك الرقم 8، فقسمٌ كبير منه ينازعنا عليه العدوّ ومن المستبعد أساساً أن تقترب أيّ شركة من هذه المناطق «المتنازع» عليها على كلّ حال.
على الأرجح، يعود توقّف المفاوضات إلى الطرح الّلبناني الجريء وغير المتوقّع من قِبَل العدوّ ومِن قِبَل «الوسيط» الأميركي. ما هي الخيارات اللبنانيّة الآن وقد وُضِعَ الخطّ على الطاولة وسُجّل في محاضر المفاوضات؟ ماذا لو عُدّل المرسوم وماذا لو لم يُعدّل؟ من المؤكّد بأنّ عدم تعديل المرسوم يُفقد المصداقيّة لأيّ طرح أو إصرار للمفاوض اللبناني لمناقشة الحقوق اللبنانيّة جنوب الخطّ 23. فالمنطق يُحتّم بأنّه لو كنّا نعتقد بحقّنا لعدّلنا المرسوم. من جهةٍ أخرى، هناك الرأي القائل بأنّ تعديل لبنان للمرسوم 6433 يجعل أيّ تنازل عن أرضٍ شمال الخطّ الّلبناني 29 يُظهر الّلبناني بمظهر المتنازل عن حقوقه. وفي هذا ما يُجافي المنطق. فمجرّد الذهاب إلى المفاوضات في تشرين الأوّل 2020 يعني منطقيّاً قبولاً بمبدأ التنازلات. فالمفاوضات بطبيعتها تستبطن تنازُلات وإلّا لكنا أعلنّا عن موقفنا غير القابل للتنازل قبل المفاوضات ولما كنّا ذهبنا إلى المفاوضات أساساً. فنحن لا نذهب إلى مفاوضات استسلام حيث يوقّع العدوّ صاغراً صكّ التنازل عن مطالبه. الأمر ذاته ينطبق لو وُقّع المرسوم وأُحيلت نقاط الخطّ الّلبناني 29 إلى الأمم المتّحدة. عندئذٍ تنطلق المفاوضات وهي حاجةٌ للعدوّ أكثر منها للبنان، من مُنطلقٍ ومُعطى جديد. عندئذٍ يصبح خيار الحلّ القائم على أساس خطّ هوف والمبني على احتساب كلّي لصخرة تخيليت قبالة فلسطين المحتلّة شيئاً من الماضي ويصبح التفاوض، في أسوأ حالاته، على احتساب جزئي / بسيط لصخرة تخيليت. ماذا يعني ذلك بناءً على المُعطى التقني المذكور أعلاه؟ عندئذٍ يدخل مُعطى الثروات في الميزان والحلول التفاوضيّة التي تخلّص لبنان من الشراكة مع العدوّ في الحقول المحتملة وتبِعات ذلك التطبيعيّة وعلى رأسها الحقل المُحتمل الممتدّ جنوب البلوك 9 ولغاية شمال كريش والمشار إليه في الرسم أعلاه.

توصية بالنسبة إلى البلوك 9
تِبْعاً للخطط ولما صرّح به وزير الطاقة والمياه الدكتور ريمون غجر، لم يُحَدّد لغاية الآن موقعُ حفر بئر التنقيب الأوّل في البلوك رقم 9 والمُقدّر في النصف الأوّل من الـ 2022. من الآن وحتّى الحصول على كامِل حقوقنا ودون ذلك ما دونه من مجابهات، ننصح بالتدخّل الفعّال، التقني بشكل أساسي والسياسي المواكِب أيضاً، لدى شركة توتال لتحديد موقع البئر في جنوب البلوك رقم ٩ دون الدخول في المنطقة «المتنازع» عليها مع الكيان المحتلّ. فشركة توتال تستطيع حفر البئر القادمة في البلوك رقم 9 على بُعد خمسة كيلومترات شمال المنطقة التي «ينازعنا» عليها العدوّ إذ ليس في ذلك أيّ «مُعوّق» قانوني تستطيع أن ترتكز عليه توتال لرفض ذلك وليس هناك أيّ حجّة قانونية يستطيع العدوّ الارتكاز عليها لمنع ذلك. فكلّ التقديرات تشير إلى أنّ جنوب البلوك الرقم ٩ يحتمل نتائج أفضل بكثير وكمّيات كبرى، وفي ذلك تثبيت لحقوق لبنان في الحقل المحتمل في تلك المنطقة. تجدر الإشارة إلى أنّ كيان العدوّ حفر على بعد كيلومترات قليلة من المنطقة المتنازع عليها، شمال حقل كريش (شركة انرجيان اليونانية) وهو على أهبة البدء بالتقيب في منطقة أقرب بكثير من ذلك للخطّ 23 ألا وهي البلوك 72.

تداعيات اقتصاديّة واستراتيجيّة
الخطّ اللبناني رقم ٢٩ له تداعيات اقتصاديّة واستراتيجيّة كبرى على ملفّ الثروات البحريّة اللبنانيّة. والخطّ الجديد، إذا ما ثُبّت، يكبّل يد «إسرائيل» عن المضيّ قُدُماً في تطوير حقل كريش إذ يصبح نصف الحقل، بناءً على المرسوم المُعدّل، متنازعاً عليه مع لبنان على أقلّ تقدير، ما قد يدفع الشركة المُطوّرة للحقل للإحجام عن المضيّ قُدُماً في مسار الإنتاج من الحقل المذكور مع تداعيات ذلك على الأمن الطاقوي «الإسرائيلي». من جهةٍ أخرى، إن حقل كريش هو بعض الثروات التي يعيدها الخطّ الجديد إلى لبنان. فأكبر الحقول المحتملة جنوب البلوك الرقم ٩ وأهمّها وأكثرها احتمالاً لاكتشاف الغاز يصبح بشكل تام ضمن المنطقة اللبنانيّة الخالصة تبعاً للخطّ اللبناني الرقم ٢٩. هذا يشكّل معطى إستراتيجياً جديداً في آليّة تطوير هذا الحقل من الجانب اللبناني، فلا حاجة حينئذٍ إلى أيّ تنسيق من أيّ نوعٍ كان مع العدوّ لتطوير الحقل المُحتمل وأيّ باب من أبواب التطبيع المتأتّية من ذلك التنسيق. على أنّ الخطّ الجديد وتداعياته ستخلق أيضاً مُعطى جديداً من التحدّيات واحتمالات المواجهة مع العدوّ الإسرائيلي، وما على لبنان بجيشه وشعبه ومقاومته إلّا التجهّز لها ولِكِلَفِها بخاصّة إذا ما قرّر لبنان خوض غمار معركة الدفاع عن حقوقه حتّى آخرها. على كلّ حال، إنّ التحدّيات القادمة كمّاً ونوعاً تتطلّب رصّ الصفّ الداخلي والدعم القوي والصادق للمفاوض اللبناني في معركة تحصيل الحقوق مِن عدوٍّ، أثبتت كلّ التجارب بأنّه يفهم لغةً واحدةً هي لغة القوّة.
* باحث وأستاذ في الجامعة الأميركيّة في بيروت ومُستشار في تطوير حقول النفط والغاز في شركة شلمبرجر

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا