كثيرون هم من يريدون أن يكونوا صفراً. أهم ما ورد في مقالة جمال غصن الأخيرة في «الأخبار»، «أن تكون صفراً»، هو عنوانها، كون الكاتب استطاع أن يُترجم ما عجز أصحاب الخطاب الرائج وصنّاع المشهد السياسي عن قوله؛ التجرُّد. وهو، يا للمفارقة، تجرّدٌ مزعوم، يُشبه الصفر كرقمٍ دخيل على خريطة بقية الأعداد. بغض النظر عن أهمية الصفر كرمز للبداية، كاختزال لكلّ «ما قبل»، الأمر الذي شدّد عليه صاحب المقالة وفنّده، إلا أن للصفر إشارة تكاد تبرز على شكل استعارة، كدلالة إلى اللاموقف أو الحياد أو التجرّد.

«أن تكون صفراً» يصلح تماماً لأن يكون عنوان العقل المُجرّد عن نفسه، العقل النائي بنفسه، ولكنه في الوقت عينه، عقلٌ يستطيع الإقرار والاختيار، وهي معضلة فلسفية قبل كل شيء، تكاد تصبح جبروتاً غامضاً عندما ينشط هذا العقل في الحيّز السياسي. إنه الهدف الأمثل بالنسبة إلى هذا العقل، في ظلّ نشاطهِ الجنوني في بورصة العمولات، وفي خضم لا معقولية خطابهِ حيث كاد أن يمزج بين طائفة «السريان» وشلّة «السرياليين»، أن يكون في حالة الصفر اليوم، بمنطق أنه بمجرّد هذا الإقرار سيتجلّى الخلاص، الذي هو في أحسن الأحوال البديل الوافي لما عُرف في السابق بالـ«ستاتيكو». حالة الصفر هي، بشكل دقيق، الهوية المرجوّة لـ«لبنان الجديد»: وطن متفلّت من الالتزامات، بريء من القضايا، لا يلتفت يميناً أو يساراً بل وجهته جامدة، خاوية، لا قعر لها ولا تنحاز. وطن محايد دون هوادة، لكنها، قبل كل شيء، حالة معدّة سلفاً من عقل يتحدّث بلغتين. لغة ادّعائية، تاريخها الذي يُحرّكها يفضح انحيازها، والثانية أن حالة صفر بذاتها هي عبء ثقيل مثل السكون في النغمة الموسيقية، تكريسها مستحيلٌ واقعياً، إذ حتى الموت في العالم الإنساني له ارتدادات ويحمل وطأة.
لا يمكن التحدّث عن حالة الصفر دون أن يستحضر ذهنك عبارة رولان بارت الشهيرة «الكتابة على درجة الصفر». بالرغم من التشابه اللفظي والتداخل البسيط الذي يجمعهما، حيث الاثنان معنيّان بأزمة الإنسان وخطابه، إلا أن هنالك تقاطعاً شبه مطلق بين كِلتا الحالتين. حالة الصفر في السياسة تقضي على المفهوم البارتيّ وتشوّهه، ليس فقط لأن للصفر قوّة سحرية خفيّة، أو لأن الكتابة المحايدة عند بارت هي انحياز لأدب جديد يُعنى بتمايز الفرد، بل لأن حالة الصفر في السياسة مليئة بالأسطوريات، محشوّة بالبروبغندا، يقودها رجل واعظ ومارد عسكري، وهي امتداد، لا انفكاك، لموروث أيديولوجي خطير خطورة الكتابة عند بارت. إن الحياد الذي نادى به بارت هو شكل من أشكال الانبعاث المقاوم للموت النهائي، حيث بالقضاء على الخلفية والموروث اللذين يؤسّسان المؤلف، يحيا الأدب ويشق طريقاً فريداً متمايزاً يلتزم به المؤلف الذي يهزأ من الرجل الواعظ والمارد العسكري.

الحياد الذي نادى به بارت هو شكل من أشكال الانبعاث المقاوم للموت النهائي


حالة الصفر في السياسة هي التجرُّد المزعوم، هي موقف من الحياد وليست موقفاً حيادياً لعقل محايد، والذي لا ينجح أصلاً في مهمّته الحيادية إلا جزئياً، على شرط أن يكون حياده مثل الضوء في آخر النفق، مُرتبطاً بأفق جديد. هي إذاً الاسم لهذا الإعلان، وهي تجسيد لرغبة العيش في الصقيع وسط منطقة مشتعلة ووطن ممزّق. تظهر حالة الصفر في السياسة بلباس الحمل الوديع، كقوّة سياسية ناعمة، وجلّ ما تبغيه هو العيش بهدوء وسلام على طريقة هاشتاغ «حب الحياة»، مساوية بين الجميع، دون إحلال الفرق بين القامع والمقموع.
وفي واقع الحال، ليست حالة الصفر سوى دعوة للخلاص الفردي، تأتي على شكل انغلاق، الذي بدوره لا يعترف بموضوعٍ خارج عزلته. أن تكون في حالة الصفر معناه أن تعدم كل ما هو غير أناك، أن تجعل ذاتك خالدة، مطلقة، أحادية، دون أن يرفّ لك جفن عن حقيقة تركن في مكان ما، على ضفة غريبة، مختلفة عنك. لكن حالة الصفر، وبالرغم من التباسها، على أساس أن للصفر قوّة سحرية مخفيّة، فهي على عكس ما تظهر، مصطنعة ومزيفة ويكرّسها شيئان: العقل الذي اختار أن يكون الصفرُ حالته، وقوّة الصفر التي منها تستمد هذه الحالة وجودها.
فالعقل الذي اختار أن يكون الصفر حالته، طمعاً بالتجرّد وبغية للحياد، قد انزلق مما هو هاربٌ منه أصلاً، أي من الخيار، وهنا التجسيد الأمثل لما قاله سارتر؛ ما معناه أن اللاخيار هو بحد ذاته خَيار، فيصبح الصفر عندئذ انحيازاً ، يبدو خجولاً، وغير مُعلن، لا يشير إلى ما يخبئه في الشكل لكنه يُشهّر به في مراحل متقدّمة بمضامين نقاشه. أمّا موضوع الصفر، فهو بلا شك رقم ذو امتياز، عددٌ ذو وظيفةٍ مزدوجة، ينزاح ويلعب دور المدّ والجزر حسب الطلب، وهذا ما تركه جمال غصن في خاتمته المفتوحة رهناً للقارئ. فالصفر على الشمال مختلف عن الصفر على اليمين، في الحالة الأولى يأتي مضافاً بيد أنه في الحالة الثانية يكون ناقصاً، يأتي كطاقة سلبية.
ضع صفراً جنب ست وستين فتجد ستمئة وستين، أي الحد الأدنى للأجور، أمّا إذا وضعت مثلاً الصفر بعد الفاصلة فتكون النتيجة كارثية، كلوحة قبيحة، مأساوية، رسمها البنك الدولي.
وهذا ما تستنتجه من أصحاب حالة الصفر، الموارَبة والخداع. فالصفر هو انحياز، وما تضمره حالة الصفر في السياسة هو الدور الذي يلعبه مهرّج السيرك الذي يتمايل ويتراقص على حبلين. ترى أحدهم في مناظرة على التلفاز يحذّر من تكاثر عدد السكان والتضخم الديموغرافي فيتحفّظ على قانون مدني للأحوال الشخصية، ومن ثم تتغيّر الموازين فيسوّغ نقيض ما قد تفوّه به، فتصبح العلمانية مطلباً أو واجباً وطنياً. هكذا يتصرّف صاحب حالة الصفر في السياسة. في محاكمة يَحضرها صاحب حالة الصفر، يقف مشدوهاً، قلبه مع الجاني، لكنه يعلّق الحكم كونه حيادياً، فلا ينصف أحداً بحجة الحفاظ على مصلحته من خلال عدم التوّرط في الاصطفاف. هكذا يتصرّف صاحب حالة الصفر في السياسة. وهذه زعبرَة لبنانية مشهورة، عرفت أشكالاً متعدّدة من التعبير السياسي، بدأت في السهل الممتنع «قوّة لبنان في ضعفه» وصولاً إلى التفريغ اللغوي مثل عبارة «النأي بالنفس»، عارجةً على الحقل المعجمي اليومي كإحالة، فمن كان يقول عندما حكم «البعث» في لبنان «لا علاقة لي بالسياسة، أنا محايد» لم يعنِها حرفياً، بل قصد أنه ضد الطرف المهيمن الذي سيطر على المعادلة.
حالة الصفر في السياسة تعرض نفسها كأسطورة خلاص، تخفي وراءها إعصاراً فتاكاً، هو العقل الذي يرعاها، إلا أن التاريخ عندما يشارف على تدوين نفسه، سيكشف الزيف، والتصنع، والمواربة، وسيدوّن أن حالة الصفر في السياسة كانت يوماً ما، في هذا الحاضر، تخريبية كنشاط الصفر على اليسار.