مرحلة ما بعد عام 2005، وانسحاب الجيش السوري من لبنان، ثم حرب تموز 2006، ورغم عظيم تحدّياتها التي فرضتها على حزب الله، جعلت لفعل قوى المقاومة في لبنان وفلسطين وحتّى العراق نواتجها البعيدة. فقد رشّحت حزب الله لموقعٍ متقدّم ونصّبته قوة إقليمية فعلية ونموذجاً ملهماً، فأصبح تلقائياً جزءاً من استهدافٍ أكبر لأنظمة عربية وليس لأميركا وإسرائيل فحسب. وقد انعكس ذلك على صعد عدّة وشتّى، كان منها معنى ومضمون العروبة وماهية انتماء لبنان إليها كما نصّ «الطائف»، وكان معنيّاً أكثر من أيّ وقت مضى بأن يدبّر الأمور ويحدّ من المواجهات المفتوحة التي تولّدت، وما يمكنها أن تتركه من أثر على لبنان الذي طالما عمل حزب الله على تخفيف انعكاس الضغط عليه وحفظ حدٍّ أدنى من مخاطر الانشطار فيه.

من هنا كان أبرز مبادرات حزب الله بالعمل على صياغة علاقة متعدّدة الاتّجاهات داخلياً، ساعدت حينها في تمتين الحدّ الأدنى المجتمعي الضروري وحماية المقاومة كفكرة تحرّرية نهضوية، من خلال التفاهم الرباعي وصولاً إلى التفاهم المحوَري مع التيار الوطني، فتشكّلت مع هذا الشريك - التيار الوطني - أرضية لضمانة أعمق للسلم الأهلي، حين جُسر بين بيئتين أبعدتهما الظروف التاريخية إلى حدّ كبير، إلى جانب حلفائه من البيئة السنّية في الخط المقاوم. وكاد أن يصل إلى تفاهم مشابِه مع بعض القوى الإسلامية في الشمال اللبناني، بهدف خلق شبكة أمان وطني متينة - فيما «الطائف» يترنّح بين التفسيرات والتأويلات مع تراجع رعاته - ولم يقتصر على ذلك، بل دفع تباعاً بقوّة لإنجاز قانون انتخاب نسبيّ يساعد على إبراز قوى مقاومة فعلية كانت مغيّبة رغم وزنها الكبير، كما في الساحة السنّية الكريمة. وإذا كان في الداخل من يعتبر 7 أيّار خطيئة ارتكبها حزب الله، فإنّ الأخير من وجهة نظره، وبالقرائن والمعطيات التي اعترفت بها زعامات 14 آذار، كان يلمس في المسار الذي أوصل إلى 5 أيار خطوات تهدف إلى الإيقاع بين الجيش والمقاومة ومخطّطاً يهدف إلى أن يدخل البلد أتون فتنة، فكانت خطوته لردع خصومه من إكمال هذا المسار، وليس رغبةً في تعديل دستوري أو لتوظيف فارق القوّة. وهذا ما برهنت عنه مخرجات اتفاقية الدوحة، وقبلها حرب تموز 2006، وقبلها انتصار عام 2000، إذ هو أراد أن يقول: «حيّدوا مسألة المقاومة عن الاستهداف فقط»، وأيّ أمر آخر إلى طاولة الحوار مهما كبر.
ولم يفتأ البلد يعيش الغليان والتشنّج على أثر نتائج حرب تمّوز، والانقسام العاموي الذي خلّفته وصولاً إلى حكومة السنيورة وانفجار الشارع حتى الانتخابات النيابية عام 2009، حين اعترف حزب الله بفوز خصومه، مميِّزاً بين قضية المقاومة وقوّته الهائلة واللعبة الديموقراطية واحترام نتائجها.
لكنّ الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد، بل سرعان ما تغيّرت المقاربة الأميركية مع رؤيتها للخروج من العراق، على أثر ضغط قوى المقاومة والفشل الذي أصيبت به، ثمّ «الربيع العربي»، وما تلاه من أحداث على امتداد الإقليم الذي أقلّ ما يُقال فيها إنّها كانت أشبه بزلزال ما كان ليُبقي كيانات ولا دول فضلاً عن مجتمعات، وكانت سوريا المتاخمة للبنان شرقاً وشمالاً محور هذا الصراع وبوّابته الأكبر لإحداث التغيير الاستراتيجي، وفقاً للرؤية الأميركية. وإزاء التهديد الوجودي الذي انخرطت فيه إرادات الجميع وإمكاناتهم في لبنان وخارجه مع اختلاف القدرات والإمكانات، كان السؤال ماذا لو نجح في إفشال هذه الاستراتيجية الأميركية؟ وهل يمكن الخوض على جبهتين في الداخل والخارج؟ وهل يمكن الإصلاح في لحظة لم يعُد البقاء الفيزيائي للمكوّنات فيها مضموناً؟ وكيف يمكن تجنيب لبنان يد الإرهاب والفتنة؟
أعتقد أنّ من كان جزءاً من هذه الرؤية الكلية، وفي عين العاصفة، وله دور أسّ في التصدّي التاريخي لها لن يفكّر كما يرغب البعض، لا سيّما أنّ غالبية من آمن بأحقّية معركة سوريا، آمن بذلك أخيراً، أو حينما رأى بشائر النصر تلوح في الأفق.
في الحقيقة، فإنّ النقد والانتقاد دائماً أمر مفيد ومطلوب، لكنّ سرد الوقائع من جهة وتبصّر المخاطر من جهة ثانية، أثبتا أنّ حزب الله أحسَنَ التشخيص وترتيب الأولويات حينها، ويمكن أن نقول إنّه حقّق مع من حالفه على هذه الأولويات النتائج التالية:
أسهَمَ في حفظ الكيانات والدول التي كانت مهدّدة ببقائها من التقسيم والتشظّي.
ساهم في حماية التنوع الديني والطوائفي وبالتالي هوية لبنان الفريدة.
حافظ على حدّ مقبول من التماسك الاجتماعي العابر في الواقع اللبناني رغم قوّة الرياح الخارجية وعصفها.
أنجز صيغة جديدة وإبداعية تكاملية عبّر عنها بثلاثية «الشعب، الجيش، المقاومة»، حيث تكاملت المقاومة والمؤسّسة العسكرية عملياً، قبل التنظير، ما أعطى مساحة جدّية للتنظير السياسي في بلادنا لوضعية الانتقال الاجتماعي نحو تحقّق فكرة الدولة العادلة والفاعلة.
ساهم في إنجازات كبرى، كان منها تحرير الأرض من الإرهاب وكسر شوكة الإرهابيين في المنطقة واندفاعيّته وخطورة هذا المشروع على الإقليم والعالم بأسره في ما لو نجح.
صاغ ردعاً فعلياً واستراتيجياً في مواجهة إسرائيل كأكبر إنجاز في تاريخ الصراع مع العرب والمسلمين، وأفقد إسرائيل قدرة المبادرة وخاصية الردع واليد الطويلة، كما قلّص من مكانتها ودورها الوظيفي.
عزّز من قوّة لبنان وثقته بعناصر قوّته ووضعه في مصاف الدول القادرة والمحوَرية في المنطقة والمؤثّرة والفاعلة بدل أن يبقى في موقع الانفعال.

يعيش لبنان مفارقة رهيبة تنبع من كونه يختزن نقاط قوّة استثنائية كما تؤكّد القرائن، لكنّه أيضاً يعاني ما يعاني من اختلالات عميقة


استولد أو ساهم في استيلاد توازنات دقيقة في الإقليم حدّت من طموحات وأحلام بعض من القوى الدولية والإقليمية.
ساهم في رفع الروح الثورية والثقة عند الفرد العربي والمسلم، ومن نافل القول إنّه بانتصاراته ساهم بدور غير مباشر في غرس أو تعزيز الرغبة بالتحرّر واستشعار القدرة على ذلك. وهو ما فتح الطريق أمام انكشاف غالبية الأنظمة العربية وتهديد أعمدة شرعيّتها، كونها فشلت في التحرير كما في بناء الدولة والمجتمع، وهرولت مسرعة ناحية إسرائيل وأميركا لتحتمي من ضغط الوقائع وصوت شعوبها.
لكن حزب الله يعترف في مكان ولو لم يعبّر عن ذلك، بأنّه خُذِل من بعض قوى الداخل التي كان يُنتظر منها أن تنظر إلى البيت بما يحميه ويحفظ أصوله وممتلكاته من الناهبين... إلّا أنّ غالبيّتها غرّرتها المطامع فتهاونت في حماية الممتلكات واستهانت بحقوق أهلها، وبعضها كان يخطّط للتواطؤ مجدداً من خلال بيع لبنان للخرّاج لإعادة المساومة وتعزيز موقعه من جديد مغتنماً «فرصة»!
هذا جانب رئيسي من سياسة حزب الله، ورؤيته التي اعتمدها في ظلّ تطوّرات إقليمية ودولية استثنائية ومتسارعة كادت، لو نجحت، أن تعيد رسم الخرائط وتحديد العالم الجديد بالمحدّدات الأميركية. فهل كان تشخيصه وأولوياته وقراءته وتبصّره في أحشاء الزمان ومبادرته واستباقه في ظلّ الغموض واللايقين القائمين آنذاك، وتدافع وتهافت السياسات الدولية الرهيب الذي عاشته المنطقة في العقدين الأخيرين، هل كان خطأً أم منقوصاً؟ صائباً وقويماً؟
وهل ما أنجزه حزب الله ووصل إليه كان فعلاً عسكرياً ناجحاً فحسب، أم سياسة راقية عميقة متبصّرة غير مسبوقة لقوّة في عالمنا العربي والإسلامي من جهة، حدّدت مصالح كبرى وأولويات وعملت داخلياً في إطار الممكن، ساهمت في تثبيت المنطقة وحفظ كياناتها ومكوّناتها وحافظت على حدّ مقبول من الاستقرار المجتمعي، لا سيّما في لبنان المتنوّع رغم قوّة الرياح الأميركية ومخاطرها التي هدّدت كلّ شيء؟ وهل ما بلغه من تأثير إقليمي وساهم في إحداثه كان ليتمّ لولا رؤية سياسية مازجت قدر الإمكان وبذكاء عالٍ بين الدوائر المتعدّدة؟
السؤال المطروح عند البعض: هل كان بإمكان حزب الله أن يجمع خلال هذين العقدين بين كلّ هذه الأولويات ويتحرّك داخلياً بوجهة معاكسة لمسار غالبية الطبقة السياسية ومصالحها العميقة، ما يجعله تلقائياً لاعباً خطيراً - بسبب حجمه - في شطرنج التحالفات الداخلية الدقيقة وتوازناتها التاريخية، في ظلّ تهديدات كيانية ومصيرية تهدّد الواقع برمّته؟ أم أنّه كان بحاجة في مكان ما إلى تقليص درجة الاحتقان والتنافسات الداخلية التي يمكن أو يُحتمل أن تتوالد وتُستغل بصورة أخطر كما حدث زمن الحرب الأهليّة، حيث كثيراً ما تكاملت متطلّبات مصالح الأطراف الداخلية بمشاريع الخارج، بحيث لا يسير على فالق زلزال خارجي وتشرذم وتهديد داخلي محتمل أو ممكن بقوة؟ ناهيك عن معطى لا يمكن القفز فوقه أو الاستخفاف به، وهو أنّ الأزمة الداخلية رغم نذر المسار الاقتصادي المتهاوي، لم تكن بعد قد تفجّرت ولم يكن الرأي العام اللبناني والشارع يتحسّس سخونتها ليُشكّل عنصراً ضاغطاً عابراً للطوائف يساعد لأيّ طرح آخر - كفى دليلاً الفارق بين تحرّكات عام 2012 ثم عام 2015 مقارنة بتحرّك 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 - فلم يكن قد تولّد إدراك في الشارع اللبناني وتلمُّس شعبي حسّي بشأن مخاطرها وجاهزية خوضها بعيداً عن الانتماءات الضيّقة، فالاصطفافات التي واكبت الحرب السورية، وبعد حرب تموز 2006، لم تكن ستتيح فرصة الضغط في ما لو تصدّى حزب الله، فأقصى ما كان ممكناً هو أن يسجّل موقفاً لا يترك تداعيات ويخلّف أزمات ممكنة، وربّما، وهنا الأهم، هو أنّ المقاربة الأميركية كانت حتّى حينه لا تزال تحتمل تحقّق مشروعها وأهدافها، قبل أن تقرّ بفشلها وتسعى إلى البحث عن مقاربة جديدة للضغط مع إدارة ترامب، حين تقدّمت سياسة الضغوط القصوى ونظرية الاستثمار بمواجهة الفساد التي اعتمدتها إدارة ترامب مع حلفائها الإقليميين.
كخلاصات، يمكن القول إنّ قدرة الخارج على التأثير في الداخل اللبناني نتيجة انكسار إرادات قوى خارجية من جهة، وتوازنات تولّدت واستجدّت من جهة ثانية قد تراجعت عملياً، فالخارج اليوم بات أضعف من أن يبادر بتدخّل لتعديل توازنات أو ما شابه رغم استمامته. الكيان الصهيوني يبحث عن حلفاء ليعوّم نفسه ودول الخليج تحاول أن تبحث عن حليف في ظلّ اقتراب الانكفاء الأميركي من منطقة غرب آسيا وتضاؤل وزنها واختلاف أجنداتها. لذلك، لن يكون لأميركا أو من تكلّفه وتفوّضه في أمر لبنان لاحقاً، التأثير إلّا من خلال مسار ومواكبة ناعمة وبعيدة لتعديل أو تغيير نظام سياسي تكون الراعي له والشريك فيه، بحيث يساعده على استعادة جانب من نفوذها المتراجع في لبنان. فبعد قرن من الزمن يبدو أنّه لم يعد النظام السياسي الذي أسّسه المستعمر لهذا البلد يجد مصلحة له فيه، والأرجح يسعى لتعديله ويضغط لتحوّل عميق فيه على قاعدة «أمن إسرائيل أولاً».
ومع تراجع قوّة وقدرة مبادرة الخارج، واستشعاره أنّ النظام بل المنتظم لم يعد مصلحة له، بقدر ما غدا مصلحة لخصمه، فإنّه والحال هذه تزداد الفرصة للداخل لإعادة إنتاج الواقع الجديد من مدخل التفكير بهندسة داخلية جديدة بروح وحدوية وتوافقية منفتحة تطاول الاقتصاد والسياسة وعملية الانتقال لبناء الدولة التي كان من المفترض أن تكون تجاوزتها بعد الحرب الأهليّة مباشرة، فهل هذه هي نظرة الفرقاء وانتظارات الشارع؟

في استشراف دور حزب الله على الصعيد الداخلي
السؤال اليوم: هل انتهت المعركة وخسرنا الداخل أم لا تزال هناك فرصة موجودة وفعليّة ليعطف ما أنجز خارجياً وما أسهم به حزب الله وحلفاؤه اللبنانيون لنُخرج لبنان من أزمته الداخلية، ويسحب من أميركا وأدواتها قدرة الالتفاف على الداخل لابتزازه ثم لإخضاعه، وما هو توقّعنا لمسار وتصرّف حزب الله على ضوء هذه المحدّدات الآنفة الذكر؟
للإجابة، نحتاج إلى أن نتوقّف على جملة أمور تبدأ من كيف يحدّد حزب الله الوضعية، وقبل ذلك هل علينا تحديد مشكلة انهياره الاقتصادي وأسبابها بدقّة؟

نظرة في وضعية لبنان
منذ نشأته، سعى المنتدب إلى أنّ يترك لبنان أشبه بأرخبيل مجالاتي لا جغرافي، فالجزر فيه ليست طائفية فحسب بل جزر مجالاتية أيضاً، جزيرة المال والاقتصاد وجزيرة الثقافة وجزيرة الأمن - أو جزر الأمن وكذلك القضاء... لدرجة أنّ التحوّل السياسي الذي يُفترض أن يعلو مختلف المجالات ويحتويها لا تراه يستحيل في بقية الأبعاد والمجالات ليُحدث فيها تغييراً، القوّة مشتّتة في لبنان بما يقلّ نظيره في أيّ بلد آخر، وهذا مرتبط بطبيعة الكيان منذ نشأته كما سلف وذكرنا، وربّما كرّسه «الطائف» بقصد أو من خلال التنفيذ المعوج والمجزّأ، وأيضاً من خلال نظرة غالبية القوى الخارجية للبنان. لكنّ السؤال، هل يمكن لدولة في القرن الواحد والعشرين أن تستمرّ على هذا المنوال، في ظلّ غياب أيّ خيار بديل لكلّ المكوّنات كما يُستنتج، وبقناعة كلّ اللبنانيين؟ وهذا أمر إيجابي ويُبنى عليه.
يعيش لبنان مفارقة رهيبة تنبع من كونه يختزن نقاط قوّة استثنائية كما تؤكّد القرائن، لكنّه أيضاً يعاني ما يعاني من اختلالات عميقة. إنّ هواجس شرائح واسعة من اللبنانيين في محلّها ولا يمكن إنكارها، فلا تزال بيئة المقاومة تعيش هاجس تهديدها وجودياً، وهو ما يجري الحديث عنه علناً، وبوضوح يتوقف أو يضعف، إن من خلال الإدارات الأميركية أو من خلال الكيان الصهيوني، والجديد اليوم بعض الأنظمة العربية في الخليج. ولا تزال هذه البيئة في حالة انعدام ثقة بالمجتمع الدولي الحالي وما يرشح عنه، ولا تغيب عن هذه الشريحة حالة التهميش والتهديد عبر عقود وقرون في هذه المنطقة، كادت أن تتكرّر مع الصهاينة ثم في العقدين الماضيين، لو نجحت محاولاتهم في ذلك. لذلك، يمكن بالعمق ودونما مواربة الحديث عن اقتران تامٍ بين وجودها ومقاومتها. وفي الوقت ذاته يبدو أنّ المسيحيين كطائفة ومذاهب، منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم ينالوا من الغرب أيّ اهتمام عندما كانت مصلحة الغرب تتقدّم أكثر من بعض المساعدات العينية والتعاطف، وبالتالي لا يمكن أن يرهنوا مستقبلهم لمصالح الدول الكبرى والتسويات بين القوى، لا سيّما أنّ الوضع الدولي يتغيّر ويتراجع نفوذ أوروبا وأميركا فيه كمسار. فالتسوية المفترضة برعاية أوروبا، لن يُكتب لها الاستمرار في ظلّ تراجع الغرب وتقهقره كحضارة ونفوذ، ما يحتّم على المسيحيين التفكير بطريقة مختلفة عن الماضي، فقبل مئة عام تمكّن الغرب من صياغة لبنان في ظلّ تقاسُم النفوذ البريطاني - الفرنسي، كما أراد، وتسليمه لحلفائه، لكن كلّ ذلك تغيّر اليوم خارجياً وداخلياً، لذلك، فإنّ أيّ تعويل على رعاية خارجية لن يكون مصلحة تباعاً. أمّا الطائفة السنّية، فستكون أمام واقع متأزّم إذا ما تطلّعت لأدوار قوى الخارج مع حمأة التنافس التركي الإخوانيّ القوي مع الخليج السعودي - الملكي الهشّ، وبالتالي عن أيّ عرب وعروبة واتجاه وبأيّ معنى سيلتحقون، أم سيبادرون لتعريف العروبة حضارياً وعلى أثرها يحدّدون موقعهم وربّما يبتعدون عن كلّ هذه الخيارات لصالح خيار آخر.

دخل حزب الله الساحة كتجربة لها رصيدها وستتيح الوقائع حضوراً متزايداً له يساعد في ذلك إفلاس غالبيّة الطبقة الداخلية وفسادها واستعجال الأميركي وحنقه


هناك أيضاً حقائق عدّة يمكن البناء عليها على ضوء التجربة التاريخية للكيان اللبناني: السواد الأعظم من اللبنانيين يرفض اليوم الاقتتال الداخلي والعودة إلى أيّ شكل من الحروب الأهلية. وهم يرون أنّ لبنان أكبر من أن يُبلع، وأصغر من أن يقسّم، لبنان يجب أن يخرج من كونه معبراً لطموحات ومصالح القوى الدولية، كما أنّ المجتمع الدولي لا يمكن الركون إليه والاعتماد عليه كونه خاضعاً لمصالح القوى الكبرى. إنّ حكم أي طائفة مهما قويت أثبت خطأه وفشله، بينما تُنذر البيئة الإقليمية بنزف ديموغرافي للطوائف المسيحية في الشرق، ما يُفقد لبنان جانباً من ميزته. لبنان لا يمكنه أن يبقى منفعِلاً وفاقداً للمعنى والفعل الإيجابي في إقليم في سياق عالم متحوّل ومتفجّر، ويُجمع اللبنانيون على أنّ الكيان الصهيوني هو العدو الوحيد للبنان، وأنّ اللاجئين ضيوف تتحتّم عودتهم إلى ديارهم، وأنّ سوريا كدولة هي معبر لبنان الوحيد إلى البلاد العربية كواقع لا يمكن تجاوزه... وأنّ لبنان يفترض أن يبني تجربة تشبهه ولا تُشبّه بأيٍّ من الغرب والشرق، بل تستفيد من الجميع سواء، وأنّ الإنسان اللبناني وقيَمه أهمّ من المال، فلبنان يتميّز عن الحضارة المادية، وسلّة قيَمه يجب أن تأخذ موقعها في منتظم التربية وثقافة وبنية لبنان السياسية، وأبرزها «العدالة والإصلاح ونزعة المقاومة والتحرّر والتنوّع والمسؤولية الإنسانية والعروبة الحضارية». وأيضاً: إنّ الحالة اللبنانية لا تحتاج إلى مقاربة أحادية تقوم على نواتج موازين قوى ورابح وخاسر، لا سيّما في زمن يزداد فيه تحدّي الهويّات فلا تُبنى الأوطان بهذه الرؤية، إنّما بذهنية بناء الوحدة وتصوّر النموذج المجتمعي وإدراك أهمية العيش الواحد والمشترك، وتبيّن أنّ مصالح أيٍّ من المكوّنات ليست أقوى من مصلحته مع الجميع. لذلك، يُفترض أن تحمل عملية البناء الوطني تصوّراً نظرياً والتماساً لوجهة، فتسعى إلى تصوّر ما نريد إلى جانب مراعاة الفواعل وديناميات القوة وتحوّلاتها الداخلية التي تُأخذ في الاعتبار بحدود! فربّما نحتاج لتصوّر يحدّد أيّ لبنان نريد وكيف يكون لكلّ مكوّن من مكوّناته إسهامه فيه، انطلاقاً من جانب تمايزه وإضافته التي يمكن أن يضفيها، فنوازي بين قيمة الانتماءات الجماعاتية - الطائفة - والعدالة الفردية والحرّية، فلا يكون أحدهما على حساب الآخر، ونلحظ خاصية لبنان لجهة قيمة رسالته وموقعه الجغرافي وجيوبوليتيكيا التحوّل، الذي نتوقّعه بناء على المرتكزات المتّفق عليها.
الاجتماع اللبناني في تحوُّل فعلي وواقعي، لا يمكن تجاوزه، ولو أنّ صيغته النهائيّة لم تظهر، وهذا يفتح ويؤسّس لنقاش كبير على صعيد العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع. أمّا في تفسير الضغط وما وصل إليه لبنان اليوم، فيمكن القول إنّه على رغم أهمية مسبّباته الداخلية لجهة بنية النظام السياسي وهوية الاقتصاد ونوعية الطبقة السياسية، إلّا أنّها كلّها كانت بمثابة فرصة لاستثمارها غربياً وأميركياً في سياق الرقعة الأكبر للصراع، أو ما يمكن أن نطلق عليه «سياسة الاستثمار في مواجهة الفساد»، الذي كان هو راعيه - أي الاستعمار - كبنية في دولنا وليس فقط كأفراد. لذلك، لا يمكن تفسير ما يحدث من انهيارات إلّا في سياق محاولات ضغط الحدّ الأقصى ومحاولة التعويض أو الالتفاف الأميركية لردع حالة المقاومة ونزعة التحرّر التي زاد توهّجها وتأثيرها تباعاً، وأهّلها لمصاف أن تكون حاجة إقليمية.
وعليه، يمكن فهم محاولات هزّ البنية الداخلية اقتصادياً ومالياً، وربّما أمنياً، كتعبير عن مسار تراجعي تعانيه الولايات المتّحدة الأميركية وحلفاؤها وأدواتها في الإقليم، فالنظرة للبنان والاستراتيجية المعتمدة تجاهه غير مجمع عليها في الغرب، فضلاً عن تبايُنٍ حتّى بين الأجنحة الأميركية كما يتأكّد تباعاً من غياب سياسة متماسكة وخطّة واضحة حيال لبنان والممكن فيه.
بناءً عليه ربّما يرى حزب الله، أنّ الأداء الأميركي في مواجهة حزب الله أتاح مساحة نفوذ أو فرصة لإطلالة جديدة له على المعادلة الداخلية، بعدما ساهم في التوازن الخارجي، وبالتالي إنّ حزب الله الذي تحاشى الانخراط في الساحة الداخلية ومسألة الدولة، من بنيتها الجزئية، تساعده الظروف والمجريات تباعاً ومن باب حماية الوطن والمقاومة والمجتمع لمزيد من الحضور باعتبار أنّ التصدّي أصبح جزءاً من مواجهة الولايات المتحدة لا شبقاً إلى السلطة... أو منافسة لحليف أو خصم داخلي، وهذا ما يفتح له فرصة الاجتهاد وتوظيف بعض جوانب علاقاته وحضوره الخارجي للنهوض بالتحدّي إذا اضطر - كأن تذهب الولايات المتحدة الأميركية أبعد في مواجهة لبنان - ويسهم في نقل لبنان إلى نظرية تعدّد الخيارات الاقتصادية والمعرفية، يساعده في ذلك أنّ غالبية قوى الداخل اعترفت بعجزها عن مجاراة التحوّلات ومنع الانهيار وتحمّل تبعات الواقع الذي وصل البلد إليه بمعيّتها، فضلاً عن أنّ غالبيتها انفضح أمرها، وسقطت هيبتها وانكشفت سوءاتها، كما أثبتت وقائع ما بعد 17 تشرين.
تراجعت الحروب العسكرية رغم استعدادات القوى وضرورة التهيّؤ وبناء القوة، لكنّ القوة المادية بمفهومها وتوظيفاتها الغربية تتّجه لتبلغ مداها ومحدوديتها في إنتاج وقائع سياسية معتدّ بها، وإنّ الحروب النفسية وتشويه صورة حزب الله لم تعد ذات نتيجة يعوّل عليها، والتعويل على حدوث الفتنة السنية الشيعية في تراجع كبير، وأداة الإرهاب قادرة على أن تؤذي لكن غير قادرة على خلق معطى جديد. لذلك، ستكون المقاربة الدائمة لأميركا بالضغط الاقتصادي كأداة فاعلة وإتعاب المجتمعات وإنهاكها لتأليبها والأهم أنّها ستعمد إلى اختلاق شرعيات، انطلاقاً ممّا ما زالت تفترضه لنفسها من حق، او ستضطر إلى اعتماد استراتيجية الانفتاح مجدّداً لتخفيف حدّة الصراع وتبريده وتقديم المعونة لتخفيف الأيديولوجيا على المدى الطويل، وبخطٍّ موازٍ تُعزّز من مسار التحالفات بين أنظمة عربية والكيان الصهيوني، بغضّ النظر عن فرص نجاح هذه الاستراتيجية ومتانتها وثبات أرضيّتها!
يبقي حزب الله على أولوية الاستقرار، وبالتالي يعمد السير بخطين: خط مواجهة الفساد وخطّ بناء الدولة مميِّزاً عملياً بينهما بحيث لا يتوقّف أحدهما على الآخر. ويرى أنّ حضوره الإقليمي، وربما أكثر يعطيه هامشاً مناوراً وكبيراً يمكّنه من دعم لبنان وتعزيز موقعه ومنع انهياره في نهاية المطاف. وبالنسبة إليه، إنّ التحدّي الاقتصادي إذا ما تحوّل إلى تهديد وجودي للكيان سيدفع قسراً بعض قوى لبنان الفاعلة، كحزب الله، إلى الاستجابة على غرار ما حدث إبّان الاحتلال الإسرائيلي أو التهديد التكفيري، ما سيؤدّي إلى تآكل ما تبقّى من نفوذ أميركا والغرب بالنتيجة.

نظرة في البيئة الإقليمية والدولية
إنّ حالة الولايات المتحدة عالمياً والكيان الصهيوني والنظام السعودي في الإقليم، كلّها تؤكّد حالة تضعضع في الرؤية فضلاً عن ضعف قدرتهم على إنشاء مسارات ضغط مستدامة. وإنّ ضغط الحدّ الأقصى الذي يُمارس اليوم على دول محور المقاومة محكومٌ بسقف الحرب أو التفاوض، وحيث إنّ الأوّل غير متوافرة فرص الانتصار فيه للعدو، فلذلك يرجَّح أن تكون غاية الضغط هي التفاوض الذي لم تنضج شروطه ولا يستعجل محور المقاومة عليه، في ظلّ ما يترقّبه من تغيّرات حتمية نتيجة تصدّعات الجبهة المعادية له وإرباك سياستها وتناقضاتها. لكنّ أيّ مسار تفاوضي لو قبل به محور المقاومة سيعني ضمناً اعترافاً متزايداً بدور قوى المقاومة وتأثيرها في الإقليم. فهل كان سيحصل ذلك لولا أنّ المقاومة قوّة إقليمية فاعلة لا يمكن تجاوز اعتباراتها حيال أيّة قضية؟ وإذا ما ازداد التنافس العالمي على لبنان، سيكون لبنان المتين والقوي داخلياً قادراً على الإفادة من لعبة المتنافسين الدوليين لتعزيز موقعه وأوراقه.
تؤمّن فرصة التوازن والردع الناشئة في الإقليم والتحوّل النسبي على أثر الخروج من نظام الأحادية فرصة أيضاً لنهوض لبنان ذاتياً، مستفيداً من التوازنات التي استجدّت ومراكِماً عليها. إنّ الديناميكية الجديدة التي تولّدت على أثر التحالف بين بعض دول الخليج والكيان الصهيوني بقدر ما يُنظر إليها على أنّها تهديد، ففي الوقت ذاته ينظر حزب الله إليها على أنّها فرصة كونها تقوّي من شرعية خطابه ومقاومته وربّما تفتح أمامه هوامش ومساحات جديدة لبناء علاقات لم تكن متوافرة من قبل كما يتبدّى.
يدرك حزب الله أنّ القديم قد مات ويعلم كلّ العلم أنّ الجديد يواجه صعوبة ليولد، لكنّه مصرّ على أن يكمل وبثقة أكبر مع الكتلة الراجحة في المجتمع اللبناني المؤمنة بالمقاومة وجدوائيتها وفلسفتها وحتمية أثرها الداخلي ولو بالتدرج. يدرك أنّ أميركا اليوم هي الأخرى، وليست أميركا ويلسون 1920، التي كانت هي وحلفاؤها قادرين على اجتراح تصوّرات ورؤى فكرية وسياسية مكّنتهم من المبادرة والسيطرة لقرن من الزمن. أميركا اليوم تعرف ما لا تريد لكنّها لا تعرف ماذا تريد، وأميركا اليوم تمتلك القوّة لكنّ فاعلية القوة هي الأهّم، وأيضاً أميركا لديها نفوذ لكن أيضاً تواجهها قيود، وأميركا تريد وترغب لكن تتضيق عندها مساحات الكيف تباعاً في مواجهة يقظة خصومها وأعدائها، بينما هو يعرف ماذا يريد وكيف ومتى، وقدراته على المبادرة لا تزال واسعة ومتنوّعة.
خلاصة القول إنّ حزب الله دخل الساحة كحزب وتجربة لها رصيدها، وتباعاً ستتيح الوقائع حضوراً متزايداً له، يساعد في ذلك إفلاس غالبيّة الطبقة الداخلية وفسادها، واستعجال الأميركي وحنقه. يبدو أنّه مسار قسري ووجهة تسير الأمور إليها، وربّما ستسأل أميركا وزير خارجيّتها المقبل أو بعد حين من الزمن: كنّا في الماضي نريد نزع الشرعية عن المقاومة فأصبحنا اليوم بحاجة إلى مواجهة شرعية حزب الله المتنامية، كحاجة للمقاومة وحاجة للدولة وقيامها.

* باحث لبناني