تمهيد

نعتقد أن المقال القيّم الذي نشرته جريدة «الأخبار» الغرّاء للأمين نزار سلّوم عن أزمة الحزب السوري القومي الاجتماعي وبيتها يجب أن يكون خاتمة توصيف ما يعاني منه هذا الحزب ومرحلة جديدة في قيام القوميين بإعادة بناء حزبهم العريق. الهدف من هذا البحث هو تقديم مخرج عملي ينطلق من واقع الحال.
ما سنضعه من أفكار هنا ليس بجديد. لقد سبق لنا وطرحناه مراراً. ولكننا نعتقد، بعد مقالة الأمين سلّوم، أن وضعه موضع التنفيذ قد آن أوانه. ونشير إلى أنه قد سبق لعدد من الرفقاء والأمناء أن اقترحوا حلولاً ومخارجَ على صفحات «الأخبار»، منها ما اقترحه الرفيق د. علي حمية في أكثر من مقال ونداء. خلاصة هذه الأفكار كانت دائماً في قيام قيادة مؤقتة بديلة. ولكن السؤال كان، «من سيختارها؟» في بحثنا هذا سوف نحاول أن نقدم إجابة عن هذا السؤال.

في الأسئلة
يطرح الأمين سلّوم عدداً من الأسئلة المهمة، سنجيب على كلّ منها فوراً:
هل نتمكن من ابتداع طريق مختلف عن هذا التقليد المقيت الذي اسمه: التسوية؟ نعم. التسوية مرفوضة، وقد كتبنا في أكثر من مقال بأن الانشقاق الحقيقي هو بين من يريدون الحزب وقضيته وبين من يريدون السلطة. هذا الانقسام قائم منذ عقود، وكانت التسوية تنتهي بإعادة الحزب إلى «بيت الأزمة» حسب تعبير الأمين سلّوم.
هل نقول، إن تعبير (الشرعيّة الدستوريّة: صفر)، الذي يشير إلى تنظيمات (الأمر الواقع)، يتيح لنا أكثر من أي وقت مضى، إنتاج هذه الشرعيّة بمقاييس منهجنا الدستوري، وبما يليق بعقيدتنا وغايتها؟ نعم. إنتاج الشرعية ممكن تماماً كما يليق بعقيدتنا وغايتنا، وأضيف دستورنا، كما سنفصّل أدناه.
هل (الشرعيّة الدستوريّة: صفر)، تمنح أعضاء الحزب القدرة على المبادرة لإعادة صياغة الجسد المؤسساتي لعقيدتهم؟ نعم، بل إنها تحتّم عليهم ذلك.
هل نتمكّن من تحديد خط انطلاق، وكيف وأين يكون وممَّ يتكوّن؟ نعم، إنه مرسوم الطوارئ لسنة 1936. (انظر أدناه).
من أين تبدأ ورشة حياكة (دَستَرة) المؤسسات المركزيّة؟ تبدأ دسترة المؤسسات المركزية من المديريات والمنفذيات.
قبل تفصيل ما نراه مخرجاً ينطلق من روح الفلسفة الدستورية والإدارية عند سعاده، بودّنا عرض بعض المبادئ التي يجب أن تحدد مسار المرحلة القادمة.
المبدأ الأول، الحاجة إلى مؤتمر قائمة، ولكن مؤتمر تقيمه «هيئة المؤتمر» المنتخبة سنة 2016 لن يأتي بحل بل «تسوية» تُبقيه في «بيت أزمته». فعضويته منقوصة بسبب هجرة أو طرد عدد كبير من إمكانات الحزب إلى خارجه. وهي مثقلة بجسم متورّم من الأمناء معظمهم ممن لا يستحقون شرف هذه الرتبة نتيجة ما عُرف بـ«فقّاسة» الأمناء.
المبدأ الثاني هو أنه على أيّ من سيحضر أي مؤتمر سيُعقد أن يكون منتظماً في وحدة حزبية ما، وسنأتي على تفصيل ذلك.
المبدأ الثالث وهو الأهم، أن هذا المؤتمر يعتبر القوميين هم مصدر السلطات.

في التفصيل
سنة 2016 كتبنا مقالاً بعنوان «حزب بلا قيادة» طرحنا فيه السؤال التالي: «ماذا يفعل القوميون إذا استفاقوا يوماً ووجدوا حزبهم بدون قيادة؟
هذا السؤال شغل تفكير الزعيم بعد اعتقال الفرنسيين لقيادة الحزب عند انكشاف أمره، فأصدر قانون الطوارئ في تاريخ 30 تموز، 1936. (الجزء الثاني من الآثار الكاملة ص. 224) يتألف هذا القانون من تسع مواد، تتعلق الأولى و- الرابعة حتى الثامنة - بالخطوات التي على القوميين اتخاذها لضمان إطلاق سراح المعتقلين. أما المواد الثانية والثالثة والتاسعة فتتعلق باختيار قيادة جديدة. سوف نركّز هنا على هذه المواد الثلاث تحديداً والتي تنص على ما يلي:
المادة الثانية: ينعقد مجلس المندوبين عن جميع مناطق الحزب (عن المنفذيات والمديريات المستقلة) لبحث التدابير والإجراءات الضرورية بصورة إيجابية فقط، وانتخاب هيئة إدارية جديدة وتعيين لجان لدرس الوسائل اللازمة من مالية وغيرها.
المادة الثالثة: كلما اعتُقلت هيئة إدارية ينعقد مجلس المندوبين لاختيار هيئة إدارية تحل محلها.
المادة التاسعة: يعين المجلس لجاناً احتياطية إذا رأى وجوده مهدداً بخطر الاعتقال أو غيره.
أهمية هذا القانون أنه «آلي الإطلاق» يعتمد على الحدث فالفعل. يحدث هذا – يفعل القوميون ذاك».
اعترض بعض القوميين حين أطلقنا دعوتنا تلك أن سعاده لم يضمّن الدستور الذي صنّف سنة 1937 هذا المرسوم. ولكن هذا أمر طبيعي. إنه مرسوم تنفيذي ولا حاجة إلى إدراجه في الدستور. ونحن لم نزل عند رأينا في أنه يشكّل المخرج الأنسب.
كان رأينا، سنة 2016، بعد رفض المحكمة الحزبية إعادة انتخاب أسعد حردان رئيساً للمرة الثالثة، أن الحزب أصبح بلا قيادة وأن المجالس التي أوصلت إلى ذلك يجب أن تُحلّ. أما اليوم فنرى أن شرعية جميع التنظيمات القائمة منقوصة لسبب أو لآخر، وهذا ما يشكّل «بيت الأزمة» التي يشير إليها الأمين سلّوم، ونرى أن المخرج يكون باستلهام مرسوم الطوارئ السابق الذكر.

واقع الحال
ما هي خارطة التوزّع الحزبي اليوم؟ مع حفظ الألقاب، هناك تنظيم بدأ كانتفاضة سنة 1956 يرأسه اليوم الدكتور علي حيدر وعدد أعضائه قليل جداً وكذلك فعله. وهناك تنظيم يرأسه وائل حسنية ولكنه عملياً أداة تفاوض في يد أسعد حردان، علّه يستعيد ما خسره في الانتخابات الماضية. وهناك التنظيم الأكبر ويرأسه اليوم الدكتور ربيع بنات، بعد انتخابات إشكالية في شهر أيلول 2020. وهناك أعداد كبيرة من القوميين المنكفئين عن العمل الحزبي تجمعهم تجمعات فكرية وثقافية وحتى تنظيمية، ولكنها كلها لم تستطع جمع نفسها في كتلة حرجة من القوميين تغيّر في واقع الحال. وفي الوقت نفسه لم يعط هؤلاء سواء كأفراد أو مجموعات الثقة لأيّ من التنظيمات القائمة لسبب أو لآخر.
بالنسبة إلى التنظيم الذي يرأسه الدكتور ربيع بنات، لا بد من الإشارة إلى أن الذين فازوا في الانتخابات الأخيرة نجحوا في إحداث خرق في الجمود الذي سبّبته هيمنة أسعد حردان على الحزب لثلاثة عقود وأكثر، ونجح التنظيم في استعادة بعض الإمكانات الحزبية. ولكنه يتعرض لضغوطات كبيرة من أجل إقامة تسوية مع حردان. سيف هذه التسوية يدفع المترددين إلى البقاء في خانة الانتظار. هذا هو الواقع الذي تنطلق منه مبادرتنا لإيجاد مخرج يُنهي جميع الانقسامات وينتج قيادة جديدة من خارج التسوية. هذا المخرج يستند إلى مرسوم الطوارئ لسنة 1936، وفق التسلسل التالي والذي يبقى خاضعاً للنقاش.

أولاً، الانتظام والتنظيم (ثلاثة أشهر)
1. يلتحق القوميون في مديريات قائمة وتابعة لهذا المركز أو ذاك أو ذلك وفق قناعاتهم.
2. في حال عدم اقتناعهم بأي من المراكز القائمة عليهم أن يجمعَ بعضُهم بعضاً في مديريات جغرافية أو افتراضية مستقلة وأن يعلنوا ذلك.
3. على كل مديرية انتخاب لجنة مديرية وانتقاء مندوب عنها إلى مجلس مندوبين.
4. تُحدد مهلة زمنية مدتها ثلاثة أشهر لإتمام هذه العملية.

ثانياً، المؤتمر: من قيادة مؤقتة إلى دائمة (سنة كاملة)
1. يتحول مجلس المندوبين إلى مؤتمر مفتوح، أول مهمة له هي انتخاب قيادة مؤقتة لمدة سنة واحدة.
2. يبقى المؤتمر جهازاً رقابياً على هذه القيادة وفق آلية يختارها.
3. تكون مهمة القيادة المؤقتة ضبط الوضع الحزبي وتصريف الأعمال والإعداد لتعديلات دستورية شاملة.
4. يقوم مجلس المندوبين بتعليق العمل بالدستور الحالي، وإحالته كله إلى لجنة اختصاصية تقوم بدراسته وتسلّم وتبويب المقترحات لتعديله وذلك خلال ستة أشهر.
5. تُعرض التعديلات الدستورية على القيادة الجديدة لتبدي رأيها وتعيدها إلى اللجنة الاختصاصية التي تضع ملاحظاتها وترفعها الى مجلس المندوبين.
6. يدرس مجلس المندوبين التعديلات ويقرها كما هي، أو مع أية تعديلات جديدة - له أن يضعها - بعد التشاور مع اللجنة الاختصاصية والقيادة الحزبية.
7. فور إقرار التعديلات الدستورية يحل مجلس المندوبين نفسه ويدعو إلى انتخابات جديدة وفق الدستور الجديد، وعن هذه الانتخابات ينبثق مجلس أعلى جديد وسلطة تنفيذية جديدة.

ثالثاً، خطة الحزب العامة
1. بالتزامن مع العمل على الدستور، تشكل القيادة فرق عمل اختصاصية لوضع خطة عامة للحزب انطلاقاً من نظرته وغايته ومن ضرورة أن يصبح «حركة الشعب العامة»، كغاية أولية. هذه الخطة تُعرض وتُناقش في المؤتمر النهائي.

خلاصة
إن هذا المقترح، في رأينا، يسدّ الثغرات التي منعت قيام حل. إنه ينطلق من واقع حال القوميين، ومن كونهم مصدر السلطات. إنه لا يستثني أحداً بل يتيح لجميع القوميين إسماع صوتهم في شكل نظامي. إنه يمنع جسم الأمناء المتخم والمسيّس من أن يكون له القول الفصل. فمن يحمل رتبة الأمانة لا يحضر المؤتمر تلقائياً بل فقط إذا قامت مديريته بانتخابه. أما العامل الفاصل في نجاح هذه الفكرة فسيكون نوعية المندوبين الذين يختارهم القوميون، وحسن الإعداد للمؤتمر وحسن إدارته.
هل تقبل القيادات الحالية بهذا المخرج؟ لا نرى سبباً للرفض. فإذا كانت قضية الحزب هي ما يهمّ هذه القيادات، وإذا كانت تريد فعلاً أن يعود الحزب السوري القومي الاجتماعي حزباً واحداً بقيادة واحدة، فلا يجب أن يكون لديها أي تردّد.
من يبدأ وضع هذا المقترح موضع التنفيذ، ومتى؟ إن فكرة المديريات المستقلة عن أي من المراكز القائمة ليست بجديدة. هناك عدد منها في الوطن وفي المغتربات، وتعمل بنشاط منذ سنوات. ولا شك في أن فريق عمل من المخلصين سوف يتشكّل لمتابعة هذه الفكرة حتى نهايتها.
أمّا متى؟ فالوقت عامل حاسم، لنبدأ اليوم قبل الغد.
* خبير في إدارة الاستراتيجية والتغيير، رئيس تحرير مجلة «الفينيق»