أودّ بداية أن أعلن عن سروري الكبير بالنقاش الذي أثارته مقالتي في «الأخبار» (عن لقاحات كورونا: فوضى العلم وتخبّط السياسات الصحيّة - عدد 3شباط/ فبراير 2021) داخل الوسط الطبي اللبناني والعربي، ما يدّل على وجود طاقات علمية في بلادنا غير معنية بعقدة الدونية من الغرب ولا تقف دائماً بموقف المتلقّي أو المستهلك للمعلومة، بالرغم من نقاط ضعف كثيرة تعاني منها هذه الطاقات العربية وأهمها انعدام مختبرات البحث العلمي. وسروري أكبر عندما يأتي الرد على مقالتي من طالب (كما يقول) في كلية الطب، واضعاً كمية من المعلومات قد تكون الفائدة منها أكبر حجماً لو طُرحت على شكل تساؤلات وليست ثوابت نهائية.

ولكن، وقبل الانتقال إلى التساؤلات العلمية وهي دائماً مشروعة حول ماهية اللقاح، أودّ أن أعرّف بكلمات عن خلفيّتي العلمية. فأنا لست فقط طبيباً ومتخصّصاً ولست فقط مطّلعاً على الوسط العلمي، فأنا في داخل الوسط العلمي الفرنسي منذ أكثر من خمس وأربعين سنة. وأحمل، إضافة إلى كوني دكتوراً في الطب في جامعات فرنسا متخصّصاً في جراحة الأعصاب، دكتوراه أخرى في الكيمياء العضوية. عملت منذ عام 1984، إضافة إلى عملي الجراحي، باحثاً في مختبر البيولوجيا الجينية لجامعة مونبيليه بالتعاون المنتظم مع جامعة هارفارد، ولديّ الكثير من المنشورات في مجلات علمية مصنّفة على زرع الخلايا العصبية الجينية و«التلاعب» الجيني لجعلها فعّالة في تأثيرها في وظيفة الحركة عن الحيوان. وكانت الـ DNA والـ RNAm جزءاً من خبزي اليومي وهواجسي العلمية الدائمة، لحين تقاعدي منذ سنة.
في ما يتعلق باللقاح، فالآراء العلمية تُغذّي وتوجّه البحث العلمي ولكنها تبقى آراءً وليست ثوابت (كما لاحظت في المراجع التي ذُكرت في الرد). أما المقالة البحثية فهي تخضع دائماً إلى التجربة المخبرية، وعلى أساسها تُعرض النتائج في مجلة علمية (والمجلات العلمية يختلف بعضُها عن بعض باختلاف تصنيفها العلمي). يخضع المقال البحثي للجنة علمية داخل المجلة (EDITORIAL BOARD) التي تقرّر أهمية نشر المقال من عدمه. وقد عرفت شخصياً ولسنوات طويلة هذا العمل الشاق والمسؤولية الكبيرة عن «الفاصلة» و«النقطة» في المقال. وكل المقالات العلمية كانت غالباً تعود إلى صاحبها، ولعدة مرات، للتصحيح أو التوضيح أو إعادة البحث من بدايته.
كنا ذكرنا عن تقنية اللقاح بشكل عام و«فايزر» بشكل خاص الذي يُعتبر تقنية جديدة من اللقاحات. المشكلة ليست في استخدام الـ RNAm (وهو معروف لدى كل من يعمل في البيولوجيا الجينية)، المشكلة تكمن في حرق المراحل البحثية التي أوصلت إلى استنتاج فعّاليته يعني عدم احترام المصداقية والمنهجية العلميتيْن المتبعتيْن، ما يسمح بطرح تساؤلات كثيرة بدون إجابات حالية، ومنها:
1 – ما إمكانية دخول الـ RNAm إلى داخل الخلية؟ وخاصة أنه سريع العطب وحفظه دائماً تحت: 70- أمر صعب تقنياً.
2 - ما خصوصية العلاقة ما بين الـ RNAm والـ SPIKE والمسهّل لدخوله؟
3 – ما خصوصية العلاقة بين الـ RNAm والمتغيّر الفيروسي الجديد؟ أي هل سيبقى الـ SPIKE على غلاف الخلية كما هو أم سيتغير مع تركيبة الفيروس الجديد؟
4 – ماذا سيفعل الـ RNAm داخل الخلية؟ هل ستصل المعلومة المحمولة في الـ RNAm كما هي أم ستنحرف، بفعل بعض التفاعلات الكيميائية المحيطة، عن هدفها؟، وأسمح لنفسي أن أكتب عن تجربتي مع الـ RNAm عندما كنت أعمل في أحد مختبرات هارفارد في بوسطن حيث حقنت دماغ كلب بـ RNAm حاملاً معلومة لمادة مسؤولة عن تقوية التشعّبات العصبية (GHAP)، فبعد ثلاثة أسابيع من الحقن، تغيّر سلوك الكلب بشكل «غريب عجيب» وحتى العواء عنده أخذ طابعاً مختلفاً عما نعرفه، ما استدعى تدخُّل جمعية الرفق بالحيوان في بوسطن وأجبرتنا على قتله على الفور مهدّدة برفع دعوى ضد المختبر (وبالتالي لم نستطع تقييم ما حصل).
5 – ماذا عن تأثيراته الجانبية في المدييْن المتوسط والبعيد؟ وليس في المدى القصير كما ذكرت في مقالتي؟
6 – ما مدى فعّالية اللقاح؟ وهل سنتلقى اللقاح عدة مرات في السنة، وعدة لقاحات حسب المتغيّر الفيروسي؟.
وأؤكد أن الإجابة البحثية عن هذه التساؤلات غير موجودة حالياً. توجد آراء مختلفة وليس نتائج مثبتة، على كل حال، سنرى في المدى المتوسط أي بعد أربعة إلى ستة أشهر مدى فعّالية اللقاح على ملايين البشر وعلى زوال الفيروس أو مقاومته للقاح وتحوّله إلى فيروس أشرس من سابقيه (أو موته الطبيعي بعد انتهاء نشاطه كمخلوق).
أما عن فوضى الوسط العلمي وانحياز السياسات الصحية إلى عالم المال، فهذه حقيقة نعيشها هنا في أوروبا ومنذ بداية الجائحة، لكن الإعلام في بلادنا لا يتحدث عنها، وأود أن أورد بعض الأسماء العلمية الكبيرة المعارضة وشيطنتها من قبل بعض مَن في الوسط العلمي والحكومات والإعلام المنحاز:
- البروفيسور Jean-Bernard Fourtillan أستاذ في علم الأوبئة أُدخل بالقوة إلى مستشفى الأمراض العصبية بسبب مواقفه المعارضة للحجر واللقاح.
- البروفيسور raoult didier أقيم ضده ثلاث دعاوى بسبب مجاهرته بمواقفه العلمية المعارضة للسياسة الصحية وهو من كبار علماء الأوبئة في العالم ورئيس إحدى كبريات المعاهد للأبحاث الوبائية في أوروبا.
- البروفيسور Christian Perronne رئيس سابق للجنة الصحية الحكومية ومستشار سابق لوزير الصحة. أقصي من منصبه كرئيس قلم علم الأوبئة في مستشفى GARCHES الجامعي من دون سبب إداري (وقد تم تبليغه الخبر عبر الإعلام)، وذلك بسبب كتاب أصدره منذ أربعة أشهر ونفد من السوق مرتين عنوانه: هل هناك من خطأ لم يرتكبوه بعد؟.
- البروفيسور luc montagnier كبير علماء البيولوجيا الجينية في علم الجراثيم وحائز جائزة نوبل 2008 (لعمله على الإيدز). انهالت عليه ولا تزال النعوت الإعلامية الموجهة بالمختلّ عقلياً وممنوع من المقابلات التلفزيونية بسبب موقفه العلمي من الكورونا واللقاح.
أما عن الموقف من عالم المال وتدخّله في الوسط العلمي، فصحيح أن هناك قوانين وتشريعات في البحث الطبي ولكنّ أرقام ورود الصناعات الدوائية في موازنات البحث الطبي الخاص والعام لا تُحصى ولا تُعد (وإني أعرف عما أتحدث)، ما يعني تضارباً في المصالح وعلامات استفهام حول بعض ما يُسمى «النتائج العلمية» المسلوقة دون مصفاة علمية محايدة. وللعلم، فهناك دعوى مرفوعة ضد وزيرة الصحة الفرنسية السابقة وزوجها (وهما طبيبان) بعد كشف علاقتهما مع شركة صناعية دوائية، ما يطرح أسئلة عديدة حول السياسة الصحية التي اتبعتها خلال عملها في الوزارة.
وأخيراً عن انحيازي ضد عالم المال المتوحّش، فلا أراه خطيئة لأنني كإنسان أرى البشرية واقفة على تعداد الموتى منتظرة اللقاح الفعّال (الذي برأيي سيكون مصيره كمصير لقاح الإنفلونزا)، في الوقت نفسه الذي تتراكم فيه أرباح الشركات المصنّفة، وصلت إلى غاية اللحظة إلى أكثر من خمسين مليار دولار.
*طبيب لبناني أخصّائي في جراحة الأعصاب وباحث في البيولوجيا الجينية