هل الصين تشكل تهديداً متزايداً تجب مواجهته بجرأة، أم مشكلة يمكن التعامل معها بصبر؟ هل يمكن التوفيق بين المفاهيم الصينية - الأميركية المختلفة للنظام الإقليمي والدولي؟ كيف يمكن للولايات المتحدة أن تستوعب رغبة الصين في القومية المنغلقة، مع الحفاظ على فوائد الترابط الاقتصادي المعولَم، والحدّ من المخاطر العسكرية التي تشكّلها بكين لحلفاء واشنطن في آسيا؟ كيف يمكن الاستمرار في تعزيز نظام عالمي قائم على الحكومة التمثيلية والقيم الليبرالية في ظل وجود النموذج الصيني للحزب الواحد؟ وإذا كانت الإجابة قابلة للتفاوض، فما الذي ستعتبره واشنطن دوراً مناسباً للصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وعلى الصعيد العالمي؟ هذا ما سأله مدير تخطيط السياسة الأسبق في وزارة الخارجية الأميركية، ميتشيل ريس، في مقال بعنوان «مشكلتنا مع الصين»، مستنداً إلى أربع دراسات صدرت حديثاً، في عام 2020، عن العلاقات الأميركية - الصينية.

ملصق دعائي من المرحلة الماويّة

في البداية، نعود إلى أوائل السبعينيات، حين كان الانفتاح مع الصين والتطبيع اللاحق للعلاقات الدبلوماسية مدفوعيْن بالسياسة الأميركية الواقعية للحرب الباردة. ودشّنت هذه الدبلوماسية لمرحلة مختلفة مع دنغ شياو بينغ ودخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية، في عام 2001. لقد مثّلت الصين تجربة مُذهلة بالنسبة إلى المجتمع الأميركي، حيث خرج مئات الملايين من الناس من أسفل خط الفقر، وتحمّست الشركات الأميركية للوصول إلى أسواق للمستهلكين الصينيين، واستغلال منشآت الإنتاج المنخفضة التكلفة. ولكن مع استمرار بكين في تجميع الثروة والسلطة، حذّرت أقلية من أنّ واشنطن كانت عمياء عن التحدّيات الاستراتيجية التي تفرضها الصين على تنافسيّتها الصناعية، والموقف الأمني للولايات المتحدة في آسيا، والمعايير الديمقراطية على نطاق أوسع. وكان صوت المُحذّرين من خطر الصين أعلى من صوت أولئك الذين كانوا يأملون في أنّه كلّما أصبحت الصين أكثر ثراءً، فإنّها ستتبنّى تدريجياً المعايير الديمقراطية والحريات الفردية ولن تُزعج النظام العالمي الليبرالي، وتدخل في فلك القيادة الأميركية لهذا النظام العالمي، لكن يبدو أنّ هذه الآمال لم تتحقّق.
مع إدارة دونالد ترامب، أصبح النهج الأميركي أكثر تشدّداً ضد الصين، وفي رأي ميتشل أنّ هذا ناتجٌ عن زيادة الاعتقاد في واشنطن، بأنّ أميركا على موعد جديد من «منافسة قوة عظمى». ويُنظر إلى الصين على أنّها منافسة قريبة من الأقران لا تسعى إلى أقل من «الهيمنة الدولية»، على حدّ تعبير وزير الخارجية مايك بومبيو. كذلك، يتمّ تقديم تحليل تنافسي وأكثر اعتدالاً من قبل العديد من الأكاديميين ذوي الخبرة والعلماء والمسؤولين الحكوميين الأميركيين السابقين، الذين يعترفون بالعديد من الجوانب المزعجة لسلوك بكين، ولكنّهم لا يعتقدون بأنّ الصين تشكّل تهديداً استراتيجياً وجودياً، ولا تطمح إلى استبدال واشنطن كقطب عالمي وحيد، كما يعتقدون بأنّ التكامل الاقتصادي المشترك الأميركي - الصيني يجعل من الضروري للبلدين العمل معاً.
لسوء الحظ، لا تساعد هذه المقاربات الاختزالية كثيراً في الإجابة عن الأسئلة الاستراتيجية الأساسية، خصوصاً أنّ جائحة «كورونا» كشفت مدى صعوبة العثور على تفاهم مشترك بين الولايات المتحدة والصين الآن. وكانت إحدى السمات البارزة، خلال عام 2020، هي الافتقار شبه التام للتواصل والتعاون بين القوتين الرائدتين في العالم، اللتين انخرطتا علناً في نوبات من تبادل الاتهامات، وتوجيه اللوم.

آسيا الاستراتيجية
يشير ميتشيل ريس إلى الإصدار الأخير من سلسلة «آسيا الاستراتيجية» السنوية، الصادرة عن المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، ويتحدّث عن تحذير آشلي تيليس من جوانب صعود الصين التي تعمل على تغيير النظام الدولي. في نظرة عامة واضحة وموجزة عادةً، يحدّد تيليس السلوك الصيني المُقلق الذي يتضمّن تهديد الأصدقاء والحلفاء الأميركيين في جميع أنحاء آسيا، والانخراط في الاستصلاح غير القانوني للأراضي والعسكرة في بحر الصين الجنوبي، وإمالة السوق التجارية، وإضعاف نظام التجارة العالمي، وتشجيع الحمائية والحروب التجارية من خلال دعم الشركات المملوكة للدولة، وتفضيل بعض الشركات في إطار برنامج Made in China 2025، ومحاولة تقويض تفوّق الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ بشكل عام. تهدف الصين إلى إزاحة الولايات المتحدة أولاً إقليمياً، ثم عالمياً.
تسلّط فصول الإصدار على توسّع قدرات الصين وتأثيرها عبر وظائف ومجالات محدّدة. في جوارها المباشر، تتبنّى الصين مجموعة من السياسات التي يمكن وصفها بأنها تُبقي الكوريتين مُحاصرتين، واليابان تحت ضغط، والولايات المتحدة بعيداً عن الحدود الصينية.
لا تشمل الطموحات الاستراتيجية للصين مساعدة واشنطن، للتوسط في صفقة نزع السلاح النووي مع كوريا الشمالية، أو حتى ضبط بيونغ يانغ بشكل هادف على تطويرها المستمر للأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. تشرح باتريشيا م. كيم أنّ الصين تسعى إلى الاستقرار على طول حدودها، مع تقليص النفوذ الأميركي والقضاء في النهاية على نظام التحالف الأميركي في غرب المحيط الهادئ. وتأمل في تكييف سلوك جيرانها والحث على الاحترام لتفضيلاتها، من خلال خلق تبعية اقتصادية عبر الوصول إلى السوق الصينية. لكنّ كيم تقول إنّ الصين «لم تكسب بعد ولاء المنطقة أو الإعجاب بها، كما أنّها لم تضعف بشكل أساسي نظام التحالف الأميركي».
أحد الأسباب الرئيسية هو النهج الحازم الذي تتبعه اليابان، على الرغم من تأكيد الرئيس ترامب على الأعباء الاقتصادية «الباهظة» للحلف ودعمه الفاتر وغير المنتظم لرئيس الوزراء السابق شينزو آبي. تمكنت طوكيو، المنافس الرئيسي للصين في المنطقة، من الحفاظ على علاقة تجارية قوية حتى في الوقت الذي رفضت فيه التنازل عن القيادة الإقليمية لبكين، حيث ظلّ خلافهما حول جزر سينكاكو / دياويو نقطة اشتعال رئيسية. منذ عام 2012، كثّفت الصين من توغّلاتها العسكرية في المنطقة، بينما زاد آبي موازنة ومهمّة قوات الدفاع الذاتي اليابانية مع استمراره في استضافة 54 ألف جندي أميركي على الأراضي اليابانية.
وفيما لا تُظهر تايوان سوى القليل من الإشارات على قبول هيمنة الصين الإقليمية، فإنّ شي جين بينغ لا يستطيع تحقيق هدفه المتمثل في «القومية الصينية»، من دون إعادة استيعاب تايوان، كما يخبرنا مايكل س. تشيس. ومع ذلك، فإنّ سياسة العصا والجزرة التي تتبعها الصين ضدّ تايوان كانت ذات نتائج عكسية إلى حدّ كبير، منذ انتخاب «الحزب الديمقراطي التقدمي» (DPP) في عام 2016. تضمّنت حملة الضغط المتصاعدة والمتعدّدة الأبعاد «العزلة الدبلوماسية، والترهيب العسكري، والإكراه الاقتصادي وعمليات الضغط». يبدو أنّ الصين تخوض معركة خاسرة، باستخدام الأسلحة الخطأ، لكسب قلوب وعقول التايوانيين، وخصوصاً جيل الشباب. كما أنّ تعامل الحزب الشيوعي الصيني مع احتجاجات عام 2019 في هونغ كونغ وقمعه المستمر للأيغور في مقاطعة شينجيانغ، يؤكّدان فقط على عدم تسامحه مع حرية التعبير وحرية الدين والحريات الفردية عموماً.
يقول جا إيان تشونغ إنّ الصين حقّقت نجاحاً أكبر في التأثير في سلوك دول منظمة «آسيان» (رابطة دول جنوب شرق آسيا). «أدى عدم القدرة على التنبّؤ والتناقض في إدارة ترامب إلى زعزعة الثقة في جنوب شرق آسيا بشأن مصداقية واشنطن كشريك»، لكنّ العوامل الرئيسية هي القرب والقوة، ما يسمح لبكين بإبعاد الأعضاء الفرديين (باستثناء إندونيسيا) عن طريق التهديدات أو الوعود. لذلك، من المرجح أن تتفاقم مشاكل التعاون المشترك التقليدية لرابطة دول جنوب شرق آسيا. يتوقّع تشونغ أنّ «مبادرة الآسيان والحكم الذاتي من المرجّح أن تتراجع»، وأنّ «واشنطن لا ينبغي لها أن تتوقّع من التجمّع أن يلعب دوراً كبيراً في تعديل سلوك جمهورية الصين الشعبية، ناهيك بأن يكون بمثابة عازل للاحتكاك بين الولايات المتحدة والصين».
في مناقشته «للقيم العالمية الجديدة» للصين، يشرح فرانسوا جودينت كيف تتمّ مقارنة مفهوم الصين المقيّد بأفكارنا عن حقوق الإنسان العالمية والحقوق الفردية. تعمل الصين على تعزيز «نظام دولي منخفض التكلفة وعديم القيمة نسبياً، ويتمحور حول المصلحة الذاتية للبلاد»، والذي يركّز على السيادة الوطنية (أي عدم التدخّل في الشؤون الداخلية) والتجارة الحرّة. كانت الصين أسوأ منتهكي حرية الإنترنت في العالم لمدة أربع سنوات متتالية، حيث وصلت الرقابة في العام الماضي إلى «حالات متطرّفة غير مسبوقة»، خلال إحياء الذكرى الثلاثين لمذبحة ميدان تيانانمين والاحتجاجات المستمرة في هونغ كونغ. أغلقت السلطات الصينية حسابات فردية على منصة وسائط اجتماعية تحظى بشعبية كبيرة سياسية كانت أو حتى متعلّقة بشؤون البيئة، بحسب تقرير «فريدوم هاوس»، كما توسّعت في عمليات الرقابة. تزامن هذا الجهد مع طرح السلطات الصينية هذا العام لـ»درجة الائتمان الاجتماعي» لكلّ مواطن صيني، والتي تُستخدم للإشارة إلى موثوقيتها السياسية وبالتالي تحديد فرص التعليم والعمل والسفر.
لم تعد الرقابة على عمليات التواصل في الفضاء الإلكتروني مقصورة داخل حدود الصين. ففي حين أنّ الحكومة كانت دائماً حسّاسة تجاه صورتها في الخارج، إلّا أنّ بكين تعمل الآن على توسيع قدرتها على تشكيل المعلومات والخطاب المتعلّق بالصين في الخارج، خصوصاً في ما يتعلّق بالقضايا التي تعتبرها بكين جوهر شرعية الحزب، مثل تايوان، والتيبت، وحقوق الإنسان.
كانت سياسة العصا والجزرة التي تتبعها الصين ضدّ تايوان ذات نتائج عكسية إلى حدّ كبير


هناك فصلان من أقوى الفصول في هذه الدراسة يوضحان بالتفصيل كيف تُغيّر الصين المشهد الإقليمي والمالي. يشرح جويل ووثنو كيف أنّ مبادرة «الحزام والطريق» (BRI)، وهي جهد الصين الهائل لتطوير الممرات البرية والبحرية عبر آسيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، تحتوي على ثلاث استراتيجيات منفصلة. تعدّ مبادرة الحزام والطريق وسيلة لتعزيز مكانة شي والحزب الشيوعي الصيني، لإيجاد منافذ جديدة لتخفيف الطاقة الصناعية الزائدة في الصين ومساعدة الشركات المملوكة للدولة المتعثّرة، ولشراء الأصدقاء وكسب النفوذ دبلوماسياً. ومع ذلك، يشير ووثنو إلى أنّ هناك أقل ممّا تراه العين هنا، ويشكّ في أنّ BRI ستحقّق أهدافها العديدة، ويلاحظ أنّه لا توجد قائمة كاملة بالمشاريع، وأنّ التركيز والنطاق تغيّرا بمرور الوقت. ويكتب ووثنو: «قيود الصين الخاصّة، والتحوّط من قبل شركائها والتمويل البديل الذي تقدّمه الدول الأخرى والمنظمات الدولية، كلّ ذلك يمكن أن يقاوم المبادرة». في فصل تكميلي عن استراتيجية المساعدة الإنمائية للصين، تتّفق سامانثا كستر وميشال جي تيرني على أنّ «قدرة بكين على تحويل تمويلها الرسمي إلى تصورات شعبية لتحسين سُمعة الصين، فضلاً عن التنازلات الاقتصادية والأمنية المنفصلة من القادة الأجانب، ليست فعلاً مضموناً ولا دائماً». وتكفي الأضرار التي على الصين ترميمها في صورتها في أعقاب جائحة «كوفيد - 19».
حقّقت الصين نجاحاً أكبر في إنشاء بنية مالية بديلة تشكّل تهديداً رئيسياً طويل المدى لقيادة الولايات المتحدة. يوضح راش دوشي أنّ هدف الصين هو «التآكل التدريجي للمركز المركزي للدولار في الاقتصاد العالمي». لقد أوجدت ترتيبات مالية منافسة مصمّمة لتقليل أهمية الدولار كعملة احتياطية في العالم، بما في ذلك تدويل الرنمينبي (عملة الجزء القارّي من جمهورية الصين الشعبية)؛ تطوير بدائل SWIFT للمعاملات المالية الدولية؛ وبدأت وكالات تصنيف ائتماني بديلة. ويحذر راش من أنّ «بكين من المرجّح أن تضعف بشكل علني الركائز المالية لقوة الولايات المتحدة مع تعزيز الركائز المالية التي تدعم بناء النظام الصيني في آسيا»، وأنّ الرنمينبي يمكن أن يصبح العملة المهيمنة في المنطقة خلال العقد المقبل.

الاستراتيجية الكبرى تجاه الصين
يقدّم سفير الولايات المتحدة السابق في الهند وصانع السياسات المخضرم في واشنطن العاصمة، روبرت بلاكويل، دراسة بعنوان «تنفيذ الاستراتيجية الكبرى تجاه الصين: اثنتان وعشرون وصفة للسياسة الأميركية». يعتقد بلاكويل أنّ الصين تطمح لأن تصبح القوة الرائدة في العالم، وأنّ واشنطن أساءت فهم هذه الطموحات بشكل صارخ لعقود، كما أنّها فقدت وقتاً ثميناً، بينما فرضت الصين تفضيلاتها على المنطقة. وبالتالي، إذا أرادت الولايات المتحدة ضمان نظام مستقر في آسيا والحفاظ على دور قيادي في تشكيل النظام الدولي، فهي بحاجة إلى استراتيجية كبرى جديدة لعكس التراجع الأميركي والاستفادة من التحالفات للمساعدة في تحقيق التوازن ضدّ القوة الصينية، مع تعزيز القيم الليبرالية والانخراط دبلوماسياً مع بكين في قضايا مثل تغيّر المناخ والحدّ من التسلّح.
العديد من توصيات بلاكويل لا علاقة لها بالصين في حدّ ذاتها، لكنّها أفكار منطقية وقديمة بشأن كيفية تنشيط الاقتصاد الأميركي، وإصلاح أنظمة الهجرة والتعليم في الولايات المتحدة، والحد من عدم المساواة في الدخل والمشاحنات السياسية الحزبية، وتعزيز قدرات الجيش الأميركي والعمل على رفع فاعليته. كذلك، ركّز على الدبلوماسية النشطة وستكون كثير من الأطروحات القائمة على الدبلوماسية موضع ترحيب في إدارة جو بايدن.
تمثّل دراسة بلاكويل لعام 2020 تحوّلاً دقيقاً، ولكنّه مهم في تفكيره منذ خمس سنوات، عندما شارك مع آشلي تيليس في تأليف دراسة سابقة لمجلس العلاقات الخارجية حول تحدّي الصين. في عام 2015، تحدّث المؤلّفون عن «الحفاظ على الأسبقية الأميركية» وضمان بقاء الولايات المتحدة «في قمة الهرم العالمي». بعد خمس سنوات، تخلّى بلاكويل عن إمكانية الهيمنة الأميركية، معتبراً أنّ التفوّق الأميركي في المنطقة أصبح الآن «وهمياً». وتخلّى بلاكويل عن إمكانية الهيمنة الأميركية، واعتبر أنّ أولوية واشنطن في المنطقة أصبحت الآن «وهمية». الولايات المتحدة «لم يعد لديها خيار السيادة على نطاق واسع في آسيا» وأفضل ما يمكنها فعله الآن هو موازنة مع القوة الصينية.
لا يُستمد تقييم بلاكويل النقدي من أخطاء أميركا السابقة وانحرافها الاستراتيجي فحسب، ولكن أيضاً من النشاط المستمر لمحرّك الاقتصاد الصيني.

قبضة الحكومة الصينية
وبذكر الاقتصاد يستند ميتشيل ريس إلى كتاب «عودة القبضة الحكومية: نهاية الإصلاح الاقتصادي في الصين؟»، حيث يشير نيكولاس س. لاردي، وهو مفكّر مُدقق ومتمرّس وخبير قديم في الاقتصاد الصيني، وله مسيرة طويلة في «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي»، إلى أنّ واشنطن قد يكون لديها المزيد من الأسباب للخوف من الصين في المستقبل. يسلّط لاردي ضوءاً مميّزاً على الأداء الاقتصادي للصين على مدى العقود القليلة الماضية، وأسباب التباطؤ الأخير، والإجراءات التي يتعيّن على الحزب الشيوعي الصيني وزعيمه، شي جين بينغ، اتخاذها للدفع بمزيد من النمو في المستقبل. يخلص لاردي إلى أنّ تقدم الصين قد تباطأ منذ عام 2012، في المقام الأول بسبب الخيارات السياسية التي اتخذها الحزب في الابتعاد عن النمو الذي يقوده السوق والدور القيادي للقطاع الخاص. وبدلاً من ذلك، مفضّلًا السياسة الصناعية التي تقودها الدولة والتي أساءت تخصيص الموارد للمؤسّسات غير الفعّالة والخاسرة المملوكة للدولة، ودمج الشركات الصغيرة المملوكة للدولة لإنشاء احتكارات غير فعّالة، وتقويض حقوق الملكية الخاصة، وبالتالي تثبيط الاستثمار.
بحلول عام 2016، كانت أكثر من 43 في المئة من الشركات الحكومية تتكبّد خسائر، وكان مقدار الأموال التي خسرتها أكبر بسبعة أضعاف ممّا كانت عليه في عام 2005، وفقاً لبيانات وزارة المالية. وساهمت في هذه النتائج سهولة الائتمان من بنوك الدولة، والفساد، وسوء تخصيص رأس المال. ويشير لاردي إلى أنّ هذه الخسائر أقل من قيمتها الحقيقية بسبب الدعم الحكومي، الذي سمح للبنوك المملوكة للدولة بمواصلة تقديم القروض إلى الشركات المملوكة للدولة الخاسرة. في عام 2018، سجّل الناتج المحلّي الإجمالي للصين أبطأ معدّل نمو منذ أوائل التسعينيات، وبلغت الفجوة بين عائدات الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة أعلى مستوى لها على الإطلاق.
من المرجح أن يتباطأ نمو الصين، ما يلقي بظلاله على آفاقها المستقبلية. لكن لاردي يدرك أنّ إصلاحاً اقتصادياً إضافياً مهمّاً يعيد الصين إلى مسار يسمح لقوى السوق بتخصيص الموارد، ويقدّر أنّ النمو السنوي بنسبة 8 في المئة ممكن، وربما أعلى، وعلى عكس العديد من المحلّلين الآخرين ، يعتقد أنّ هذا المعدّل يمكن أن يستمر خلال العقد أو العقدين المقبلين. وهو يرفض عبء الديون المتزايد باعتباره ركيزة لهذا النمو، والذي يمكن حلّه من خلال تخصيص أكثر كفاءة لرأس المال؛ كما أنه يرفض القنبلة الديموغرافية الموقوتة المقبلة، والتي يمكن تعويضها جزئياً بزيادة الإنتاجية، من خلال استثمار المزيد من الموارد في التعليم والتدريب ورفع سنّ التقاعد. من بين قراءته الاقتصادية لبكين، أنه يمكنها السماح ببدء خصخصة الشركات المملوكة للدولة الفاشلة والخاسرة وتركها لكيانات ناجحة لتدويرها.
يجادل لاردي أنّ هذه خيارات سياسية يمكن أن يتخذها شي، ما يسمى بـ»رئيس كلّ شيء»، على الفور. إذا فعل ذلك، يمكن للاقتصاد الصيني أن يحقّق مرة أخرى نمواً قوياً، ما يتيح له بسهولة أكبر ضمان طموحات بكين الاستراتيجية. لاردي هو خبير اقتصادي وليس عالماً سياسياً، لذلك من غير العدل أن نتوقع منه أن يجيب على الأسئلة التي يطرحها تحليله: لماذا لم يؤيد شي نوع الإصلاحات الاقتصادية التي يدافع عنها لاردي لإطلاق إمكانات الصين الكاملة؟ لماذا تراجع عن تعهّده لعام 2013 بأن السوق سيكون له «دور حاسم في تخصيص الموارد»؟ لماذا قرّر شي والحزب الشيوعي عمداً عدم تعظيم الكفاءات، على الرغم من مخاطر الحوكمة التي تنطوي عليها وتيرة أبطأ للنمو الاقتصادي، لماذا صادفت زيادتها تنفير الجمهور، وإثارة الاضطرابات الاجتماعية، وتشويه سمعة الحزب الشيوعي الصيني؟

الماويون الجدد
تكمن الإجابات في نظر ميتشيل ريس في كتاب «الحرس الأحمر الصيني الجديد: عودة الراديكالية وولادة ماو تسي تونغ ثانية» بقلم جود دي بلانشيت. يقدم بلانشيت تاريخاً فكرياً لفكر ما بعد ماو، مُسلّطاً الضوء على التأثير المستمر للأيديولوجيا في صنع القرار. ولقد حدّد مجموعة فضفاضة من الأكاديميين والعلماء وأعضاء الحزب المحافظين الذين «رفضوا انتصار الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية الغربية، وكانوا متشكّكين في العولمة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، ودعوا إلى الاشتراكية المتساوية تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني القومي». يطلق عليهم اسم «الماويين الجدد»، معتبراً أنهم يجمعون بين الحنين إلى ماو مع معارضة انجراف الحزب نحو الرأسمالية والفساد و»استغلال العمّال في البلاد، الفلاحين وغيرهم من الفئات المهمشة» جزئياً للمساعدة في حماية أنفسهم من قمع الدولة. إنهم انعكاس لبعض الانقسامات العميقة في المجتمع الصيني، ويعطي صوتاً لأولئك الذين تُركوا في العراء خلال الإصلاح الصيني والانفتاح على الغرب، والذين أصبح «حلم الصين» بارتفاع مستويات المعيشة سراباً بالنسبة إليهم.
يشرح بلانشيت لماذا لم يسمح شي والحزب الشيوعي الصيني لهذه الحركة السياسية الماوية الجديدة بالبقاء فحسب، ولكن أيضاً لماذا استمعوا إلى شكاواهم وقاموا بتعديل السياسة الرسمية. في جوهره، يواجه الحزب الشيوعي الصيني أزمة طويلة الأمد للشرعية السياسية. إنّه «حزب شيوعي مرتبك أيديولوجياً» مرتبط باشتراكية حقبة ماو ووعده بالمساواة الراديكالية حتى مع أنّ شعبيته منذ الثمانينيات كانت قائمة على تقديم مستويات أعلى من الرخاء المادي. التحدي الذي يواجه القيادة هو كيفية موازنة الإصلاحات الاقتصادية والحفاظ على «السيادة بلا منازع» للحزب الشيوعي الصيني (بما في ذلك إرث ماو المثير للجدل).
جعل هذا التوتر الحزب عرضة لاتهامات اليسار بأنه تخلّى عن الاشتراكية والعمّال. يؤرّخ بلانشيت هذه الانتقادات اليسارية، خلال الثمانينيات، (بما في ذلك القمع العنيف للطلاب المتظاهرين في ميدان تيانانمين)، وخلال جولة دنغ الجنوبية لعام 1992، التي قلبت التوازن مرة أخرى إلى الإصلاح والانفتاح، ثم خلال قيادة جيانغ زيمين وهو جينتاو، بصفتهما تأرجح الحزب بين هذه الأهداف المتنافسة.
تحت حكم شي جين بينغ، الحاصل رسمياً على درجة علمية في النظرية الماركسية والتعليم الأيديولوجي والسياسي من جامعة تسينغهوا، تأرجح الأمر بشكل حاسم نحو سيطرة أكبر للحزب، وهو خط يتّفق مع موقف «الماويين الجدد». كتب بلانشيت: «بصفته ابن زعيم أسطوري للحزب وقضى كامل حياته المهنية في العمل للحزب، فإنّ استثمار شي في حماية احتكار الحزب الدائم للسلطة هو استثمار كامل». لقد أسيء فهم مؤهّلاته الإصلاحية على نطاق واسع. بالنسبة إلى شي، لا يعني الإصلاح السماح للسوق بأن يكون له تأثير أكبر في الاقتصاد، بل يعني تعزيز قبضة الحزب على الاقتصاد، وليس التخلّي عنه. الأزمة التي شهدها شي لم تكن ضرورة ملحّة للإصلاحات الاقتصادية وهيكلة الشركات المملوكة للدولة، بل كانت أزمة سياسية داخل الحزب الشيوعي.
إنّ العواقب السياسية لتحليل بلانشيت كبيرة. وطالما ظلّ شي في السلطة وامتياز الحزب على قوى السوق، فمن غير المرجّح أن تعود الصين إلى الأداء الاقتصادي القوي الذي حقّقته في الثمانينيات والتسعينيات، والذي يقول لاردي إنّه ممكن في المستقبل. لا يمكنها الحفاظ حتى على وتيرتها الاقتصادية الأخيرة من دون المزيد من حريات السوق وتقليل سيطرة الحزب. إنّ الصين الأقل ديناميكية من الناحية الاقتصادية ستكون محفوفة بالمديونية والفساد والبطالة والاستياء الاجتماعي، وينبغي أن تشكّل تهديداً أقل لمصالح الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها في آسيا، ناهيك بقيادة أميركا العالمية.

تأزّم بكين ونهوض واشنطن
هذا التناقض هو مجرد واحد من العديد من التناقضات التي ستقيّد طموحات بكين في السنوات المقبلة. قد تطمح هذه الأخيرة إلى إزاحة الولايات المتحدة كبطل العالم للوزن الثقيل بلا منازع، لكن سيكون من الصعب عليها القيام بذلك. يواصل الحزب الشيوعي الصيني إنفاق أكثر من نصف موازنته الدفاعية على الأمن الداخلي. تحتاج الصين إلى أصدقاء وحلفاء، ولكن لا يمكنها الاعتماد إلّا على روسيا من بين القوى الكبرى في العالم، وبعد ذلك فقط لبعض الوقت، تستند هذه العلاقة إلى التفاهم العابر أكثر من المبادئ والقيم الأساسية. علاوة على ذلك، الهيمنة الصينية ليست هدفاً مشتركاً بين دول أخرى في المنطقة، والتي ستقاوم هذه النتيجة. ستستمر الصين في كفاحها لفرض رؤيتها لنظام آسيوي من دون إثارة معارضة من الولايات المتحدة وجيرانها الإقليميين الذين سينضمّون معاً لإحباط مخطّطات بكين.
في الواقع، أثارت تحرّكات السياسة الخارجية العدوانية لبكين في السنوات القليلة الماضية رد فعل مضاداً في آسيا، ما أدى إلى مزيد من التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية. حتى جهود الصين في مجال الحكم الاقتصادي من خلال «مبادرة الحزام والطريق» أدّت إلى ردّ فعل عنيف من قبل المانحين من قبل المجتمعات المدنية في جميع أنحاء أفريقيا وجنوب شرق آسيا، والتي تشير إلى مخاوف من الإقراض المفترس، وشراك الديون، والفساد. وبمجرد انتهاء أزمة «كوفيد - 19»، من المحتمل أن يكون هناك حساب عام سيجد أنّ أفعال الصين إجرامية، على حدّ وصف ميتشيل ريس، خصوصاً خلال المراحل الأولى التي كان من الممكن فيها احتواء الفيروس.
الصين ستشكل تحدّيات للولايات المتحدة على مدى العقد المقبل. وستبقى خصماً ذكياً وحازماً في مجالات متعدّدة، وستظل منخرطة بقوة في التجسّس الإلكتروني ضدّ الحكومة الأميركية والشركات الأميركية، وكما أظهرت أزمة فيروس «كورونا»، ستظل انتهازية في الترويج لنموذجها الرأسمالي الاستبدادي. نظام حكم بديلاً للديمقراطية الليبرالية يرى ميتشيل أنه لا يمكن التوفيق بين المفاهيم الصينية - الأميركية للنظام الإقليمي والدولي، في أي وقت قريب. قد تعترف بكين وواشنطن بالمصالح الجوهرية لبعضهما البعض، ولكن لا يمكنهما القبول بها، وهكذا تبدو الولايات المتحدة والصين متّجهتين إلى فترة مفتوحة من العداء والصراع في أسوأ الأحوال. قد يتمّ تأجيل بعض القضايا، وبعضها قد يتم استبعاده، وبعضها يجب أن تتم مواجهته، من الناحية المثالية من خلال الدبلوماسية. مع قيام بكين بتحديث ترسانتها من الأسلحة النووية، والصواريخ الباليستية، وخصوصاً القدرات الفضائية، يجب أن تكون المناقشات الثنائية حول الاستقرار الاستراتيجي والحدّ من التسليح، على رأس جدول الأعمال الدبلوماسي.
تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تكون واضحة بشأن ما يمكن أن تتوقّعه، وما لا يمكن أن تتوقّعه من الصين. يجب أن نتوقّع من الصين تعزيز مصالحها الخاصة، ما يعني الاستمرار في بناء منظمات إقليمية بديلة حيث يمكنها ممارسة تأثير أكبر في كلّ من جدول الأعمال والنتائج، والانخراط في سرقة الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا القسري، ورعاية مشروع صُنع في الصين 2025، الذي تسيطر عليه الدولة. لا ينبغي لواشنطن أن تتوقّع من الصين أن تصبح «صاحب المصلحة المسؤول» في نظام عالمي ليبرالي حافظت عليه أميركا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأمل الأكثر منطقياً هو أن تستمر بكين في كونها «صاحب مصلحة انتقائياً»، تدعم العناصر التي تفضلها، مثل التجارة الحرة ومعايير عدم الاعتداء والحقوق السيادية، بينما تعارض حقوق الإنسان، والحريات الفردية.
كان صعود الصين يعقّد، بالفعل، حسابات الولايات المتحدة في جميع المجالات، خصوصاً عندما قلبت إدارة ترامب أولويات السياسة الخارجية الأميركية. وتحت عباءة «أميركا أولاً»، تراجع الرئيس السابق ترامب عن مسؤوليات دولية طويلة الأمد، وقلّل علناً من الأصدقاء والحلفاء التقليديين، كما قلّل من أهمية التحالفات، وتوافَق مع الديكتاتوريين والمستبدّين، وتصرّف بشكل متهوّر ومتقلّب - حتى أثناء دفع كلّ الأطراف الفاعلة تجاه موقف أكثر تشدّداً بشأن الصين. أدت هذه الاتجاهات مجتمعة إلى تسريع التساؤل عن هدف أميركا، والذي تزامن مع صعود الشعبوية اليمينية والشكوك الذاتية الأوسع بين الديمقراطيات الليبرالية. بالنسبة إلى أولئك الذين لديهم ذكريات عن الماضي، هذا يعيد العالم إلى لحظات البؤس في السبعينيات بسبب مخاوف الولايات المتحدة من أنّ الاتحاد السوفياتي ينتصر في الحرب الباردة، أو إلى الحرب التجارية بين أميركا واليابان خلال الثمانينيات، عندما تقدّمت الأخيرة مُهدّدة عرش اقتصاد الولايات المتحدة.
لسوء الحظ، لا يمكن لأيّ من هذه الدراسات الأربع المدروسة التنبّؤ بمصير الصين أو الولايات المتحدة. لكن، في حالة الولايات المتحدة، على الأقل، سيبدأ تحديد ما إذا كانت واشنطن بحاجة إلى حشد قوة الإرادة مرة أخرى لمواجهة تحديات اليوم من خلال الخيارات السياسية التي تتخذها إدارة الرئيس الجديد جو بايدن.

* كاتب مصري