قيمة أيّة مراجعة في قدر ما تكشفه من حقائق وما تزيحه من ظلال. أحد الأسئلة الغائبة في الذكرى العاشرة لثورة «يناير»: ما طبيعة العلاقات التي جمعت بين نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وجماعة «الإخوان المسلمين»؟

قرب نهاية عصر مبارك، تبدّت على المسرح السياسي نظرتان متناقضتان في الاقتراب من ملف «الإخوان المسلمين».
الأولى، استخدمت الملف كـ«فزاعة» أمام الغرب لتعطيل الإصلاح السياسي والدستوري بذريعة أنّ أيّة انتخابات على قدر من النزاهة سوف تؤدّي إلى وصول الجماعة إلى السلطة والانقلاب على الوسائل الديموقراطية التي صعدت بها. وقد تبنّتها السلطة وإعلامها.
والثانية، راهنت على دمجٍ ما للجماعة في الحياة السياسية المصرية والاحتكام إلى القواعد الديموقراطية، وفق دستور جديد يؤسّس لعقد اجتماعي جديد يلتزم بالدولة المدنية الحديثة، ويمنع في الوقت نفسه أية انقلابات على الديموقراطية. وقد تبنّتها غالبية قوى المعارضة.
ما بين النظرتين المتناقضتين تضاربت السياسات وخابت الرهانات. لم تكن الجماعة بتكوينها الفكري مهيّئة لتغيير حقيقيّ في رؤيتها للديموقراطية والتعدّدية والقواعد الحديثة في إدارة الدول، ولم يكن النظام بوارد بناء مؤسّسات دستورية تؤهّل البلد لتحوّل ديموقراطي يؤكّد مدنيّة الدولة وقدرتها على الالتحاق بعصرها. لم يكفّ النظام عن وصف الجماعة بـ«المحظورة» ولا عن إجراء الصفقات معها! كانت تلك مفارقة كبرى.
قبل الانتخابات النيابية عام 2005، أُبرمت صفقة انتخابية مع مكتب الإرشاد حول نسب مقرّرة للجماعة في مجلس الشعب.
كانت تلك فضيحة متكاملة الأركان روى أسرارها نائب المرشد الأسبق، الدكتور محمد حبيب، في مذكراته «الإخوان المسلمون والصعود إلى الهاوية». فيما روى وأفصح أنّه قد جرت قبل تلك الانتخابات النيابية مقايضات وصفقات أفضت بالمحصلة الأخيرة إلى حصول الجماعة على 88 مقعداً.
جرت مساومات على أعداد المترشّحين «الإخوان» استقرّت على 160 مرشّحاً. وجرى الاتفاق على سحب مرشحين بعينهم يؤيّدهم «الإخوان»، وإخلاء دوائر بعينها لكبار مرشّحي الحزب الوطني، خصوصاً رجل الأعمال النافذ «أحمد عز».
كان الثمن السياسي المدفوع تسهيل الحركة أمام الجماعة في عقد المؤتمرات الجماهيرية ونشر اللافتات الانتخابية بشعاراتها من دون أية مضايقات أمنية معتادة.
كان المشهد المستجد ملغّزاً أمام وزير الشباب والرياضة الدكتور ممدوح البلتاجي الذي تولّى سابقاً وزارتَي السياحة والإعلام. تساءل وألحّ في السؤال، فشعارات «الإسلام هو الحل» تتصدّر واجهات الشوارع في القاهرة والمحافظات، والأمن يغضّ الطرف عنها، ومرشّحو «الإخوان المسلمين» يتمتّعون بحرية حركة لا سابق لها في كلّ الانتخابات التشريعية على مدى أكثر من نصف القرن. بدا أمامه أنّ هناك شيئاً غامضاً تتناقض ظواهره مع ما يعرف ويخبر بنفسه عن طبيعة نظام الحكم الذي ينتسب إليه.
في اجتماع لمجلس الوزراء استبق مباشرة الانتخابات النيابية، عام 2005، توجّه بسؤال مباشر لوزير الداخلية اللواء حبيب العادلي: «ما الذي يحدث يا سيادة الوزير؟»... فأجابه على الفور: «إنّها الديموقراطية»! لم تقدّم تلك الإجابة أية إضاءة على ما يجري من صفقات في الغرف المغلقة بين سلطات الأمن وقيادات كبيرة في جماعة «الإخوان المسلمين» برعاية العادلي نفسه.

قبل انتخابات عام 2010، بدت للجماعة حاجتها إلى إعادة ترميم جسورها مع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة


قبل أن يترك موقعه كمرشد لجماعة «الإخوان المسلمين» مستقيلاً، اعترف مهدي عاكف، بأنّ كانت هناك صفقة بين الجماعة والأمن جرت قبل تلك الانتخابات. انزعجت قيادات في «الإخوان» من إفصاح المرشد عن الصفقة، رغم أنّه لم يدخل في تفاصيلها ولم يتطرّق إلى أسرارها.. وربما أراد أن يطرح سؤالاً علنياً مفاده: «إذا كنتم قد اتّفقتم معنا في الانتخابات السابقة، فلماذا تتّجهون الآن إلى إعلان الحرب علينا؟». كان ذلك قبل انتخابات عام 2010.
ما الثمن الذي تقاضاه النظام مقابل النسبة العالية من المقاعد التي حازها «الإخوان» في انتخابات عام 2005؟
هذا هو السؤال الذي تغيب إجابته عن كلّ الاعترافات والشهادات. كان النظام قلقاً من فكرة بناء جبهة ديموقراطية واسعة تشمل الأحزاب الرئيسية والحركات الاحتجاجية وجماعة «الإخوان المسلمين» لخوض الانتخابات التشريعية الوشيكة. حاول بكلّ الطرق إجهاض الفكرة، تركّز الضغط على جماعة «الإخوان المسلمين»، فهي الأكثر تنظيماً وحجماً واستعداداً لخوض الانتخابات، والأكثر استعداداً في الوقت نفسه للمقايضة والمساومة على حساب الحلفاء المدنيين المفترضين.
لم يكن لدى النظام مانع في صفقة ما مع الجماعة مقابل خروجها من مشاورات الجبهة، التي احتضنها رئيس حزب «الوفد» في ذلك الوقت، الدكتور نعمان جمعة، وترأس اجتماعاتها الدكتور عزيز صدقي، رئيس وزراء مصر الأسبق.
كانت تلك ضربة كبيرة لمشروع التغيير الديموقراطي.
هكذا اتّسعت فجوة الثقة والمصداقية عند لحظة مفصليّة بين الجماعة والقوى والأحزاب والشخصيات العامة.
كانت تجربة الانتخابات النيابية، عام 2005، كاشفة لقدر براغماتية الجماعة واستعدادها لتبنّي خيارات متضادة بحسب مصالحها. حازت الجماعة، في المرحلة الأولى من تلك الانتخابات، 34 مقعداً، وفي المرحلة الثانية 42 مقعداً. بدا ذلك مفاجئاً تماماً لقياداتها، وفق تقدير نائب المرشد في ذلك الوقت محمد حبيب. كان ذلك خرقاً للاتفاق على النسب المقرّرة. جاء التزوير فادحاً في المرحلة الثالثة، ولم يفز «الإخوان» سوى بـ12 مقعداً.
في انتخابات عام 2010، كانت الصورة قد اختلفت في البلد، الحركات الاحتجاجية تراجعت نسبياً، وبدا النظام مطمئناً إلى مستقبله إلى أن فاجأته ثورة «يناير» من خارج السياق، ومن دون أيّ دور للجماعة في الدعوة إليها.
في أحوال الترنّح التي بدت عليها الجماعة، وجّه الأمن أشدّ ضرباته ضراوة للقيادات المتشدّدة في الجماعة متذرّعاً بانتسابها لأفكار سيد قط، رغم خطاب المهادنة الذي تبنّاه المرشد الجديد محمد بديع، ملمّحاً إلى استعداد جماعته للاعتراف بـ«التوريث».
قبل انتخابات عام 2010، بدت للجماعة حاجتها إلى إعادة ترميم جسورها مع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة. دعت إلى خوض الانتخابات النيابية المقبلة بجبهة موحّدة تضم إضافة إلى «الإخوان»، الأحزاب الرئيسية والشخصيات المستقلة العامة. تحمّس رجل «الإخوان» القوي محمود عزّت لهذه الفكرة. أخذت وفود «الإخوان» تزور الأحزاب الرئيسية، تطرح أفكارها الجديدة، وتُبدي ميلاً واضحاً للتفاهم السياسي في محاولة لإعادة بناء صورتها التي تعرّضت لشروخ عميقة بأثر ما جرى، غير أنّها لم تنجح.
رغم أنّ مرجعية التيار الأكثر تشدّداً داخل الجماعة تعود إلى خبرة تنظيم عام 1965، وكتابات سيد قطب، إلّا أنّ الأجهزة الأمنية اعتقدت أنّ خروجها إلى السطح يُفزع المجتمع ويضع «الإخوان» تحت الضغط المنظّم الذي يُفضي إلى ترويض قياداتهم، وعقد الصفقات معهم إذا استلزم الأمر.
لمرّتين تاليتين، أثبتت «نظرية الفزاعة» فشلها. الأولى، بما جرى في «يناير» حين اختطفت الجماعة جوائز الثورة. والثانية، في ما بعد «يونيو» حين اصطفّت غالبية الأطياف الإسلامية في خندق واحد. لم تكن الخلافات الداخلية في بنية الأفكار والتوجّهات محض خديعة وتوظيف أدوار. كانت تعبيراً عن عمق أزمة الجماعة في عصور جديدة وعجز أفكارها التقليدية عن إقناع قواعدها. الصراعات الداخلية من طبيعة الجماعات السياسية، ولا تمتّ بصلة إلى أية ادّعاءات عن قداسة خاصة.
في أعقاب الانتخابات الداخلية التي جرت عام 2009، تبدّدت أية ادعاءات من مثل هذا النوع، وجرت اتهامات معلنة من قيادات لها ثقلها داخل الجماعة بأن تلك الانتخابات افتقرت لقواعد النزاهة، وأنّ اللائحة سمحت موضوعياً بتزويرها. في ذلك الوقت، تردّد داخل أروقة الجماعة أنها ربما تكون على وشك الانهيار النهائي.
على خلفية تفريغ الحياة السياسية، بدت الجماعة في وضع تنظيميّ أفضل بما لا يُقاس مع القوى المدنية والشابة مكّنها من اختطاف الثورة. جرت محاولة جديدة لصفقة أخرى مع نائب الرئيس عمر سليمان. كان ذلك استطراداً لنهج الصفقات في أحوال جديدة، قبل أن تجد الطريق مفتوحاً للسلطة كلّها.
في أية مراجعة جديّة كانت الخطيئة الكبرى في القصة كلّها: تفريغ الحياة السياسية من التعدّد والتنوّع وغياب القواعد الدستورية والقانونية التي تضمن مدنية الدولة وديموقراطيتها.

* كاتب وصحافي مصري