نشرت الزميلة الصديقة هالة أبو حمدان في «الأخبار»، بتاريخ 27 كانون الثاني، مقالة تحت عنوان: «أزمة تشكيل الحكومة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء».

وإن كنت أوافق الزميلة على معظم ما أتت به فإنّ لي وجهة نظر أخرى في بعض آخر:
أولاً: تقول د. أبو حمدان: «تعديل 1990 وضع حداً لانفراد رئيس الجمهورية بالسلطة التنفيذية».
ورأيي أن هذا يصح على صعيد النصوص. لكنه لم يكن دقيقاً على صعيد الواقع. ففي مسألة التأليف لم تكن يد رئيس الجمهورية طليقة، بدليل إفشال تكليف د. أمين الحافظ بتاريخ 25 نيسان 1973 وتكليف الجنرال نور الدين الرفاعي بتاريخ 23 أيار 1975، وبدليل استمرار الرئيس رشيد كرامي من نيسان إلى أيلول 1969 في تصريف الأعمال دون أن يتمكن الرئيس شارل حلو من تكليف رئيس جديد. وفي سنة 1988، لم يستطع الرئيس أمين الجميل أن يفرض الحكومة العسكرية وبقينا أمام حكومتين. وفي الشأن التنفيذي، لم يستطع الرئيس الياس سركيس أن يلزم رئيس الوزراء د. سليم الحص بالتوقيع على مرسوم ترفيع وتشكيل الضباط.
ثانياً: تقول الكاتبة: «تنص المادة (53/4) واضح بالنص على الاتفاق بين الرئيسين على إصدار المرسوم (مرسوم تشكيل الحكومة) أي على تشكيل الحكومة»
إن النص على توقيع المرسوم لا يعني مشاركة مباشرة لرئيس الجمهورية بتأليف الحكومة، بل يعني أنه يوقع أو لا يوقع. فالمادة 64/2 تقول: «يجري (الرئيس المكلف)الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها». ما لا يعني أن الرئيس يشارك في التأليف، بل في التوقيع أو عدم التوقيع أي الموافقة أو عدم الموافقة على التشكيلة، وهذا يمكن أن يصبح مشاركة في التأليف، لكن بطريقة غير مباشرة، بمعنى أنه لا يوقع ما لم يأت تركيب الحكومة بالشكل الذي يرضيه، لكن الدقة تقتضي التمييز بين التأليف والتوقيع.
ثالثاً: تقول د أبو حمدان: «اختيار رئيس الحكومة من قبل النواب ليس تفويضاً يمكن سحبه وليس تعييناً يمكن العودة عنه، بل هو تكليف بمهمة تنتهي إما بتشكيل الحكومة ونيلها الثقة وإما باستقالته».
والسؤال: لماذا لا يمكن التراجع عن التكليف بمهمة؟ ألا تسمح موازاة الشكل بأن يستطيع من يكلف أن يسحب التكليف حتى لو فشل المكلَّف في القيام بالمهمة؟
رابعاً: تقول د. أبو حمدان: ليس «لرئيس الجمهورية صلاحية إلزام رئيس الحكومة المكلف بالتأليف أو الاعتذار، ولا يعني أن له أن يطلب من مجلس النواب العودة عن التكليف أو وضع حد له».

حسب المادة 64/2 يشارك الرئيس في التأليف بطريقة غير مباشرة، إذ لا يوقع ما لم تأت تركيبة الحكومة بما يرضيه


رأيي في هذا أنه لا يمكن أن يُترك الأمر على عواهنه بحيث تبقى البلاد مشلولة في ظل حكومة تصريف أعمال بـ»الحد الأدنى»، كما يجري منذ ما يزيد على 15 سنة إذ بلغ من تشبّث أحدهم بالكرسي الفارغ 11 شهراً «خوفاً على البلد من الفوضى!!!». وإذا لم تسعف النصوص، فهناك مبادئ قانونية عامة أو أعراف يمكن أن تحل المشكلة. وفيما نحن بصدده هناك ثلاثة مبادئ عامة دستورية وإدارية وقضائية هي: مبدأ «المهلة المعقولة»، ومبدأ «استمرار نشاط الحكم»، ومبدأ «استمرار الحياة الوطنية».
• المبدأ الأول: مبدأ المهلة المعقولة Principe du delai raisonnable وتشير إليه الكاتبة فتقول: «يمكن في هذا المجال الاسترشاد بالاجتهاد الإداري الذي يرى أنه عندما لا يحدد النص مهلة، على الجهة المخوّلة القيام بعمل ما أن تلتزم بمهلة معقولة...».
ويوصف مبدأ المهل المعقولة بأنه مبدأ قانوني عامّ، يرتبط أحياناً بمبدأ «الإدارة الجيّدة» أو «الصالحة»، ولكنه يرفع غالباً إلى مستوى المبدأ المستقلّ، الذي يفرض على الإدارة أن تتخذ القرارات قبل أن تنتفي الجدوى من اتخاذها، أو تتدنّى بشكل واضح، حتى عندما ينعدم وجود أيّ نصّ يفرض عليها مهلة. إنه مبدأ ذو قيمة تشريعية.
«Le principe du délai raisonnable est un principe général de droit‚ parfois rattaché au principe de bonne administration mais le plus souvent élevé au rang de principe autonome‚ imposant à l´administration de prendre sa décision dans un délai raisonnable‚ même lorsqu´aucun texte ne lui impose un délai. Il a une valeur législative}.
وفي قرارات مجلس الدولة الفرنسي، نجد مئات الاجتهادات التي تؤكّد هذا المبدأ‚ فقد جاء في القرار رقم 78.316، بتاريخ 4 أيار/مايو 2011 :
«.... إذا نظرنا إلى تأخّر الدولة باتخاذ التدابير التنظيمية الضرورية ابتداءً فقط من 5 أيار/ مايو 1994، التاريخ الذي طلب فيه صاحب المراجعة من وزير البيئة....، على أنه تصرف خاطئ....»
En regardant comme fautif le retard mis par l´Etat pour prendre les mesures réglementaires nécessaires‚ à compter seulement du 5 mai 1994‚ date à laquelle M.A. a demandé au ministre de l´environnement…»
• المبدأ الثاني: مبدأ استمرار عمل الحكم Continuité de l´action gouvernementale، الذي يمنع أن تتوقّف عجلة الحكم، نتيجة شغور بعض المناصب العليا في الدولة. وقد كرّسه المجلس الدستوري الفرنسي في عدد من القرارات، منها قراره رقم 269/89، بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير 1990، الذي ينصّ على أنه:
«نظراً إلى أن رئيس الجمهورية، إذ يمنح السيد ليونيل جوسبان وزير الدولة، وزير التربية الوطنية والشباب والرياضة، بالمرسوم الصادر في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1989، مهمّة تأمين الوكالة عن السيد ميشيل روكار، الوزير الأول، أثناء غيابه، فإن (رئيس الجمهورية)، وكما يخوّله الدستور، اتخذ التدابير الضرورية لتأمين استمرار أعمال الحكم».
‚ 6. Considérant qu’en conférant‚ par décret en date du 14 décembre 1989‚ à Monsieur Lionel JOSPIN‚ ministre d’État‚ ministre de l’éducation nationale‚ de la jeunesse et des sports‚ la charge d’assurer l’intérim de Monsieur Michel ROCARD‚ Premier ministre‚ pendant l’absence de ce dernier‚ le Président de la République a‚ ainsi que l’y habilite l’article 5 de la Constitution‚ pris les dispositions nécessaires pour assurer la continuité de l’action gouvernementale.
• المبدأ الثالث: مبدأ استمرار الحياة الوطنية Continuité de la vie national، الذي يمنع الفراغ الدستوري، أو إمكانية شلّ البلاد نتيجة أي عامل من العوامل.
هذا المبدأ يُعدّ من المبادئ القانونية العامّة ذات القيمة الدستورية. وقد كرّسه المجلس الدستوري الفرنسي في عدد من القرارات أيضاً، ومنها القرار رقم 519/2005 آب/ أغسطس عام 2005أ الذي جاء فيه:
«إن انطباق قانون الموازنة على الدستور يمكن أن يقوّم في ضوء متطلبات استمرار الحياة «الوطنية...».
« que la conformité de la loi de financement à la Constitution serait alors appréciée au regard‚ tant des exigences de la continuité de la vie nationale…}.
وهكذا فإن المهل المذكورة أعلاه لا يمكن إلاّ أن تكون محدودة، ولكن ما هي هذه الحدود؟
إن المهل يجب أن تتوقّف، قبل شلل الحياة الوطنية أو العمل الحكومي، أي قبل توقّف عجلة الحكم، وتراكم المشاكل والعجز، وتهديد مصالح المواطنين. فكيف إذا كانت البلاد تعيش انهياراً شاملاً يهدد وجودها.
إن الحل هو إما بتشكيل حكومة في أسرع مهلة أو أن يعتذر الرئيس المكلف، أو أن يتحرك رئيس الجمهورية ليتشاور مع مجلس النواب من أجل سحب التكليف وإجراء استشارات ملزمة جديدة. فالبلد ليس ملك أحد يمسك برقبته فشل أو نجح.
موقفي هذا في القانون أو كما نقول: «نفعاً للقانون» ولا علاقة له بالسياسة ولا بكون فلان رئيسَ الجمهورية أو فلان رئيساً مكلّفاً.
* أستاذ في كلية الحقوق، الجامعة اللبنانية