في إطار حق الرد الذي يكفله قانون المطبوعات، أرسلنا هذا المقال رداً على ما نشرته جريدة الأخبار، في عددها الصادر يوم الأربعاء 20 كانون الثاني 2021، ضمن صفحة رأي للأستاذ خريستو المر، بعنوان: «العنف الأسريّ في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة وجائحة كورونا».

نودّ في البداية أن نشير إلى أنّ موضوع الندوة يطاول العنف الأسري بأبعاده كافّة، وهو العنف المتمثّل بالعنف الجسدي، والمعنوي كما النفسي إضافة إلى التنمّر، والعلاقة مع الأولاد بما فيها التنازع على الحضانة، والعنف المتماثل بين رجل ورجل، وامرأة وامرأة...
الجدير بالذكر، أنّنا نطمح عادة في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، إلى بحث الموضوعات انطلاقاً من البعد العلمي، وبعيداً عن الشعارات الهادفة إلى التأثير في الرأي العام، مركّزين على أهمية كما ضرورة عدم اجتزاء الناقد لأي فكرة يستعرضها، كونه يُضعف بذلك الطرح والقصد معاً.

ملصق روسي عن العنف الأسري (عن موقع Vintage Images)

نحن نعلم، بأنّنا أمام اتجاهات مختلفة ومتعدّدة تساعدنا على الفهم العلمي. وفي هذا السياق، ندرك بأنّ العلم يتضمّن أدوات وتقنيات تُستخدم لفكفكة الظواهر التي ندرسها، بعيداً عن التعصّب كما الأدلجة. فالأحكام المسبقة لا تؤدّي إلى فهم علمي لطبيعة الظواهر وتأثيراتها، والمعرفة العلمية هي المعرفة التي يتم جمعها، وتصنيفها، وربطها وتفسيرها بشكل منهجي. في هذا الإطار، يهتم المسار العلمي، بتعلّم المفاهيم وبتطبيقها على التفاصيل، بدلاً من مجرد ضخّ كمية هائلة من المعلومات والشعارات، نستعرضها دون محاولة لفهم طبيعة الظواهر وتأثيراتها.
من هذا المنطلق، نودّ الإشارة إلى أنّه ورد في المقال المذكور عدد من المغالطات، والتأويلات، والاستنتاجات غير الدقيقة التي نودّ التعليق عليها:
أولًا: من المستغرب أن يطالعنا الكاتب بقراءة استنتاجية لما جرى التداول بشأنه خلال ندوة «العنف الأسريّ في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة وجائحة كورونا» التي دعا إليها ونظّمها مركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية برئاسة الأستاذ الدكتور حسين أبو رضا؛ حيث أشار في كامل التعليقات التي أوردها وتحدّث عنها، نستغرب اقتطاعها من سياقها. إذ جاءت جميعها مجتزأة توحي للقارئ بما يرغب الكاتب في إيصاله من أحكام مسبقة.
لقد بدا واضحاً أنّ ما ورد في المقال، يدخل في معرض تحليل وتأويل وأحكام الكاتب التي أسقطها على كلام رئيس مركز الأبحاث. وللتذكير هنا، نحن نعلم أنّ أي نقاش يستبطن سياقاً خاصاً به، وإلّا يفقد معناه ومؤدّاه إذا ما انتُزع من سياقه.
في هذا الإطار، نود أن نلفت انتباه الكاتب ومن يهمهم الأمر، إلى أنّ أي تحوير في السياق لا يخدم الأهداف التي ترمي إليها الأفكار المتناولة، ولا يحق لأيّ كان، عندما يكون الكلام في مقام علمي، عرض جمل متقطّعة مسحوبة من سياقاتها في الأبعاد كما المعاني، لأننا بذلك نفقد ونشوّه الإطار الدقيق للأفكار المتداولة.
لقد كان كلام رئيس مركز الأبحاث جلياً ولا يقبل التأويل في الدفاع عن المرأة، ورفض العنف تجاهها، دون أن يغفل رفض العنف تجاه أيّ من أفراد الأسرة سواء أكانوا إناثاً أم ذكوراً، وحاول رئيس مركز الأبحاث في مسار تعليقاته أن يصوّب هذا الأمر منطلقاً من عنوان الندوة التي تناولت العنف الأسري وليس فقط العنف ضد المرأة حيث ذهب المتداخلون في الندوة، على أهمية الموضوع كما ذكر رئيس المركز في غير موضع في الندوة. أمر ربما لم يلتفت إليه الكاتب، الذي حاول في مقاله، أخذ الأمور إلى مآل أراده هو ولم يَرِد على كلام رئيس المركز، إذ استخدم تعابير تشكّكنا في الطروحات التي تناولها الأستاذ الدكتور أبو رضا، مستنداً فيها إلى تحليل أراده الكاتب كقوله في سياقات مقالته وتركيزه على استخدام كلمات اتهامية مثل «برّر... محاولة... ودعاهنّ ضمنيّاً... الحريص... اختراع... أسرع بالاستدراك فوراً...» وكلّنا يعلم أنّ تعمّد استخدام هذه الكلمات له دلالاته وتفسيراته التي لا مجال لخوض نقاش حولها هنا.
ثانياً: لإنعاش ذاكرة الكاتب في معرض طرحه لمجريات الندوة، ولا ندري إذا ما كان ينسى أو يتناسى، أو يُغفل أو يتغافل السياق الذي أورد فيه موضوع ظاهرة العنف ضد الرجال أو الأولاد عندما حاول التأثير في قرّاء مقاله موضوعنا هذا، وهنا نسأل: من يحدّد؟ وكيف نحدّد الظواهر الاجتماعية؟ هل انطلاقاً من آراء شخصية وإن كانت مبنية على ملاحظات عابرة، أو من خلال دراسات علمية دقيقة تلحظ كما ذكر رئيس مركز الأبحاث «العمل على استشراف التحولات المجتمعية وقراءتها وفق منظور تنموي مستدام» مورداً أنّها «يجب أن تكون علمية مرتكزة على النظريات الاجتماعية التي تراكمت عبر التاريخ، وضمن البنى والنظم الاجتماعية داخل الحقل المجتمعي». نودّ الإشارة هنا أيضاً، إلى أن الكاتب أغفل التعليق على هذه الفكرة أيضاً برفدها بدراسات وإحصاءات عربية وعالمية ليست بالقليلة، كما أنّها أصبحت تُدرج في الأبحاث الوطنية لبعض الدول، ونشير هنا إلى أن المغرب أطلق لأول مرة بحثاً وطنياً حول انتشار العنف ضد الرجال، تشرف عليه المندوبية السامية للتخطيط، وهي جهاز حكومي مغربي مكلف بالبحوث الوطنية وبإحصاء السكان.
لذلك، سنشير عرضاً واختصاراً فقط إلى Help Guide، التي أوردت أخيراً في مقالها: «تشير الأرقام إلى أن ما يصل إلى واحد من كل ثلاثة ضحايا للعنف المنزلي هم من الذكور. ومع ذلك، غالباً ما يتردّد الرجال في الإبلاغ عن سوء المعاملة لأنهم يشعرون بالحرج أو الخوف من عدم تصديقهم أو خوفهم من انتقام شريكهم. قد يَضرب الشريك المسيء أو يركل، أو يعض أو يلكم، أو يبصق أو يرمي أشياء أو يدمر ممتلكاتك. للتعويض عن أي فرق في القوة». وفي هذا الإطار نود الإشارة أيضاً، إلى موضوع العنف ضد الرجل الذي تناولته دراسات عالمية في كندا وغيرها من دول العالم. وللاطلاع على المزيد من المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع، يمكنكم مراجعة الكتيب الذي صدر في كندا منذ عام 2006 ويحمل عنوان «الرجال الذين يتعرّضون للعنف في العلاقات العاطفية الحميمة» المنشور على الموقع الإلكتروني الخاص بمنظمة Alberta.
ثالثاً: سنحاول أن نقتطع فقرات كاملة بسياقات متتالية لبعض ما أورده رئيس مركز الأبحاث خلال هذه الندوة، محاولين إعادة توجيه المسار بإطاره العلمي تاركين للقرّاء الأعزاء الحكم على مضمونه: «إنّ مقاربة ظاهرة العنف الأسري، عنوان الندوة، تتطلّب من الباحث تفكيك الظاهرة المدروسة إلى قضايا فرعية من خلال متغيّراتها الخاصّة وبالطبع من خلال مناهج العلوم الاجتماعية»، معتبراً «مقاربتنا للعنف الأسري من خلال ظرف الجائحة ومفاعيلها، والأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الأسرة، يجب أن تأخذ في الاعتبار السلوكيات المختلفة والأبعاد المتعدّدة، وكذلك دقّة المعطيات والمعلومات من كلّ أفراد الأسرة. علماً بأن هناك مؤشراً في ارتفاع ظاهرة العنف الأسري نتيجة جائحة كورونا كما دلّت الدراسات العالمية». وتجدر الإشارة إلى أنّ رئيس مركز الأبحاث كان قد تناول في كلمته الافتتاحية «مؤشر ارتفاع ظاهرة العنف الأسري نتيجة جائحة كورونا كما دلّت الدراسات العالمية، مؤكّداً أنّ هذه الظاهرة ليست محصورة بالبعد الجندري بل بالأسرة ككيان واحد مندكّ ومنفك في آن».
كما جاء في معرض كلامه «نحن بمركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في مختبر علم اجتماع العائلة ومختبر علم النفس الاجتماعي والمختبرات الموجودة هي في خدمة قوى الأمن الداخلي (أورد رئيس مركز الأبحاث لاحقاً عندما توجّه إلى الأستاذة روحانا بمدّ يد التعاون بين المركز وكفى كما الجمعيات والمنظمات التي تعمل في الحقل الاجتماعي...) للمساعدة في إيجاد دراسات مهمّة خاصّة مع الأساتذة والطلاب لتوجيههم للقيام بأبحاث تفيد بفهم الظاهرة بتفاصيلها الدقيقة. يعني حضرتك (متوجّهاً إلى العقيد جوزف مسلّم) ذكرت أنه في بعض المعطيات خاصّة بمجتمعاتنا ما عم توصّل الأمور بدقّة عالية مقارنة بالمجتمعات الغربية. هذا الأمر يتطلّب، أن يكون هناك استطلاع ميداني يقوم به باحثون مختصّون بهذا الموضوع لدراسة الظواهر التي تتأتّى من المعلومات التي تكوّنت عندكم، وبالتالي نحن حاضرون كمركز أبحاث وكمختبر علم اجتماع العائلة أن نساعد ونساهم، وهذا حقيقة ضمن رسالة المعهد في تحسين الواقع الاجتماعي اللبناني، خاصّة لمحاربة هذه الظاهرة وتداعياتها على كل المستويات»، انتهى الاقتباس، والكلام يستبطن تفسيره دون تأويل للمقاصد دون مرتكزات علمية وواقعية تستند إلى المصداقية.
رابعاً: لربما سها عن الكاتب أحد السيناريوهات التحليلية التي استعرضها لنا في سياق تفكيكه للندوة من وجهة نظره، عندما أورد «الموضوع الوحيد الذي كان على جدول أعمال اللقاء هو العنف الأسري، العنف ضدّ المرأة والأطفال» وهذا غير صحيح ويقتضي التوضيح أنّ الندوة لم يكن عنوانها العنف ضد المرأة والأطفال كما افترض الكاتب، وإنّما العنف الأسري بكليّته كما أشرنا في مطلع ردّنا، وهو الأمر الذي لم يحصل خلال الندوة، هذا أوّلاً. أمّا ثانياً، فإن محاولة التدخّل في مؤدّى كلام رئيس مركز الأبحاث من قِبل الكاتب لم تكن لمرّة واحدة ولمرّات قليلة، وإنّما جل مقاله هو عبارة عن تأويل لمقاصد رئيس المركز من منطلقات الكاتب الأيديولوجية والمُسقطة على رئيس مركز الأبحاث. لقد كان تدخّله واضحاً، بل سافراً في محاولته لحرف وتحريف وتشويه مقاصد رئيس المركز التي سنترك للمتابعين لمجريات الندوة المنشورة على الملأ الحكم عليها.
خامساً: بالإشارة إلى ما خلص إليه الكاتب حول «النظرة الذكوريّة التقليديّة تبحث دائماً عن تبرير للعنف ضدّ النساء» في مقاله موضوع ردنا هذا، إلى إغفال كما تشويه ما طرحه رئيس مركز الأبحاث علناً وبصراحة طوال الندوة التي حاول تصويب مؤدّاها والغاية منها، دون الاقتصار على تناول زاوية من الزوايا التي تندرج تحتها على أهميتها. كما نلفت، إلى أنّه بدا واضحاً تحريف الهدف والغاية الفعلية من هذه الندوة التي رمت إلى وضع الأمور في سياقها العلمي الصحيح بعيداً عن الشعارات الرنّانة التي قد تطلقها جهة هنا أو رأي هناك لغايات وأهداف لا مكان لسردها هنا.
ولعلّ تعليق أحد طلاب الدكتوراه في العلوم الاجتماعية على ما ورد في الندوة «اللي شاهدناه من خلال الإحصاءات يدل على زيادة نسبة التصريح والشكاوى، وليست زيادة نسبة العنف، لأن ممكن هيدا العنف كان موجود من زمان، من قبل الأزمة ولكن هالأزمة اللي خلّت إنه يصير في تصريح». إن تعليق الطالب – الباحث يأتي في محاولة للفت النظر إلى ضرورة القيام بقراءة صحيحة للمعطيات وللمسار الذي حُلّلت من خلاله ونوقشت الأرقام والمعطيات المتناولة واستخلصت النتائج استناداً إليه في بعض الطروحات التي قُدّمت.
سادساً: لربما كان من الأجدى للكاتب بدل صرف كل هذا الوقت للغمز من قناة رئيس مركز الأبحاث، أن يقوم بقراءة علمية دقيقة لمجريات الندوة بدل القراءة الأيديولوجية التي حرّفت البوصلة عن الاتجاه العلمي الصحيح. واسمحوا لي هنا أن أستعير نصيحة الكاتب التي وجّهها إلى رئيس مركز الأبحاث، لإنعاش الذاكرة ليس إلا، ولعلّك تتفكّر في مضامينها بأن «يكون من الواجب عليك أن تتحلّى بروح البحث المتواضع الذي يقوم أساساً على الإصغاء للمعلومات الجدّية، والتفكّر بها والتعلّم منها».
ندرك جيّداً، أنّه بقي الكثير من النقاط التي تستوجب التوضيح، ولكن سنكتفي بهذا القدر مع تأكيدنا أنّنا دوماً مع النقد البنّاء، ونرحّب بكل ما يخدم الأهداف البحثية لتنمية وتطوير مجتمعاتنا كما هي رسالة مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية، ونرحب دوماً بأي ملاحظة تثري وتغني النقاش وتهدف إلى تصويب الأمور لا إلى مجرد النقد من أجل التشويش، ولدواعٍ لا نريد الحكم عليها ولا على دوافعها.
أمام كل ما تناوله الكاتب في مقاله، نودّ التأكيد على أنّنا منفتحون كما دوماً على أي نقاش علمي بنّاء، انطلاقاً من سياسة مركز الأبحاث التي تعتمد فتح الأبواب للنقاش والاستفادة، منطلقين دوماً من نظرتنا الإيجابية تجاه آراء الأشخاص وتوجهاتهم، وإن اختلفنا معهم في طروحاتهم. وأخيراً، إن انحيازنا ليس إلى المرأة أو الرجل بل إننا ننحاز إلى الإنسان وإلى الأسرة.
للتنويه، نشير أيضاً، إلى أنّ من يرغب في الاستزادة من المعطيات، وفي مشاهدة مسار الندوة كاملة بتسلسلها وتفاصيلها متضمّنة المداخلات والتعليقات التي بُثّت مباشرة، يمكنه العودة إليها عبر حساب مركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية على فايسبوك والمرفق أدناه.
المسؤولة الإعلامية في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية

بعض المصادر المعتمدة في كتابة المقالة:

https://www.helpguide.org/articles/abuse/help-for-men-who-are-being-abused.htm

https://www.facebook.com/1015575935273649/videos/410864806726916