في كتابه مجتمع الاستعراض، The Society of the Spectacle، يصوّر المفكّر جي ديبور Guy Debord كيف أنّ حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية أصبحت صوَراً بلا جوهر، حيث تحوَّل العالم إلى مسرح كبير بمؤدّين ومتفرّجين يمارس الكلّ الاستعراض على خشبته أمام الكل، في أدوار ومشاهد يصعب تمييز الحقيقة فيها من الزيف، حيث يستبدل الوجود والكينونة being، بالظهور والاستعراض spectacle الذي نجحت السلعة من خلاله في استعمار عالم الحياة بشكل كلّي وَكأنّنا أمام «عالم مقلوب بشكل واقعي رأساً على عقب، يكون ما هو حقيقي وواقعي لحظة من لحظات ما هو وهمي وزائف».

وليس بعيداً عن ديبور في تصوير الواقع، يذهب الكاتب الأميركي كريس هيدجز Chris Hedges، في كتابه «إمبراطورية الوهم أو الخيال L’empire de l'illusion» إلى وصف الواقع الحياتي على أنّنا نعيش اليوم في مجتمعَين: مجتمع أقلية، مثقّف حقيقي، يعيش في عالم يعرف القراءة والكتابة وقادر على التعاطي مع التعقيدات وتمييز الوهم من الحقيقة، ومجتمع آخر يمثل أغلبية متزايدة من الناس، يتحوّل من عالم يستند إلى الواقع إلى عالم من اليقين الزائف والوهم، في حالة اصطلح الكاتب نفسه على تسميتها موت الثقافة وانتصار الاستعراض La mort de la culture et le triomphe du spectacle حيث تسود ثقافة الوهم والزيف، وكأنّ الخراب تحوّل إلى غدٍ مشرق، والاغتراب إلى نزعة محافظة، وممارسات القتل والتعذيب وانتهاك سيادة الدول إلى سلوكيات ديمقراطية، والكره إلى حب، والشقاء إلى سعادة، والفراغ إلى امتلاء، والهشاشة إلى صلابة.
أما موت الثقافة، فيتجسّد كما رآه الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا Mario Vargas Llosa في كتابه «ملاحظات عن موت الثقافة Notes of the death of culture»، من خلال تصاريح السياسيين التافهة، التي تحوّلت إلى طقوس استعراضية احتفالية جماهيرية، ويرسم لنا في خضم هذا الموت صورة لشخصية المثقّف الغارقة في طوفان من الصور الزائفة التي تعمل باستقلالية عن تجربة الإنسان وخبرته الواقعية، لتتحوّل إلى ضجيج بصري ينتج آليات تغريب معقّدة تؤدي إلى تماهي الحدود بين الثقافة الراقية والثقافة الجماهيرية النشطة في أسواق صناعة الترفيه والتسلية. فالثقافة التقليدية أصبحت مهانة، مرتهنة لمحتالين تافهين وواثقين، يقودون عامة الناس بعيداً عن الإبداع الفني والأدبي والعلمي الأصيل، فيسلبون الحياة المعنى الذي لطالما تسامت به عن الوجود المادي والمجرّد.
وفي السياق نفسه، وعلى المنحى ذاته، يخلص المفكّر الكندي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة La mediocratie» إلى شرح متقن وعميق لكيفية سيطرة ثقافة التفاهة على مفاصل حياتنا اليومية، حيث إنّ النظام القائم في العالم، أفضى إلى سيطرة تدريجية للتافهين من ذوي السطحية الفكرية على مواقع أساسية في الخريطة الاجتماعية العالمية، إن كان في السياسة، والإعلام، والفنون، ومراكز العلوم والأبحاث، ومراكز الدولة وإداراتها العامة في الوزارات المختلفة، وفي كلّ المراكز على تنوّعها واختلافها، فنجدهم يتسلّقون المراكز والمناصب بسرعة عالية، يقرّرون في السياسات العامّة وهم لا يملكون الحدّ الأدنى من مقوّمات تحمّل المسؤولية، لا تتمّ محاسبتهم لأنّهم بكل بساطة غير منتخبين، وإنّما معيّنون من أطراف زرعتهم ليكونوا أدوات لها، فغاب الأداء الرفيع، وسادت الأذواق المنحطة، واستشرى الفساد، وتهشّمت منظومة القيَم، والأخطر من كلّ هذا أنّ هؤلاء التافهين يدعم بعضُهم بعضاً لتحصين مواقعهم، فيرفع كلٌّ منهم الآخر، لتُبنى بالتدريج شبكة من التافهين، تدعم وتحمي فيها كلّ نقطة بقية النقاط في النسيج الاجتماعي، فتشكل بذلك منظومة صلبة لتسبغ نمطية التفاهة على كلّ مناحي الحياة بأكملها. لذا، يصف دونو المشهد المرير بالقول: «لقد تسيّدت شريحة كاملة من التافهين وذوي البساطة الفكرية وكلّ ذلك لخدمة أغراض السوق».

التافهون غالباً ما يتغنّون بالوطنية لكن سرعان ما يبدأون باستعراض جوازات وتأشيرات دخولهم إلى بلدان أخرى


عندما كتب كلّ هؤلاء مؤلّفاتهم، انطلقوا من تجارب ومشاهدات في واقعهم الغربي، لكنّهم لم يدركوا أو يتصوّروا يوماً أنّ ثمّة مجتمعاً تفوق تفاهته أضعاف الأمثلة التي تطرّقوا إليها، إمّا بالعدد وإمّا بنوعية التفاهة الممارسة والمتوافرة. هؤلاء لم يكونوا يعلمون أن ثمّة شعباً يتحوّل نصفه بكبسة زر إلى خبراء في الاقتصاد والنقد والتسليف ورسم السياسات المالية وهندستها، وبلدهم يئنّ من عجز مالي يتجاوز مئة مليار دولار، وقيمة عملته النقدية في الحضيض، وأمواله مسروقة في البنوك. لم يكن ليتصوّر هؤلاء أنّه فاتهم ميدان خصب لدراساتهم في بلد تعجّ وسائل إعلامه بالمحلّلين والخبراء الاستراتيجيين في السياسات الدولية والعلاقات الاستراتيجية العابرة للقارات والدول والمحيطات وشؤون الشرق الأدنى والأقصى وعوالم الشمال والجنوب، وجلّهم لم يدرس السياسة يوماً ولم يعرف جامعاتها ومراكز أبحاثها. لم يعرف هؤلاء المفكّرون أنّ ثمّة مجتمعاً يكفي أن تحوز فيه شهادة أو رتبة أكاديمية عليا في اختصاص ما، حتى ولو كانت وهمية، مزوّرة أو مدفوعة الثمن، أو مُنتحلة أو فخرية، لتجعل مِن أصحابها أرباب ثقافة نوعية أو عامّة ويصبح كلّ منهم ضليعاً في أيّ شيء وخبيراً وباحثاً في المال والعلوم والاقتصاد والتربية والاجتماع والبيئة والأوبئة والأمراض المستعصية والفن واليورانيوم المخصّب وفلسفة الكوانتم وجغرافيات العولمة والفكر السياسي عند هوبز ولوك وروسو وميكافيللي وديالكتيك ماركس وغيرها من العلوم والموضوعات والنظريات. والمشكلة، أنّ التافه، مدّعي الثقافة، كما يصفه الشاعر الألماني الكبير هانز ماغنوس إنتسنسبرغر Hans Magnus Enzensberger «يعتبر نفسه عالماً بالأمور، يستطيع أن يتعامل مع التعليمات والرسومات التخطيطية والشبكات. أما الوسط الذي يتحرّك بداخله، فهو يحميه - مثل سور عازل - من كلّ ما قد يخترق وعيه مع ذلك، فالرقابة الذاتية هي أمرّ لازم و ينبغي أن تقدّم وكأنّها دليل على المكر».
كم كانت ستغتني مؤلّفات هؤلاء المفكّرين عندما يضربون أمثالاً واقعية عن شعب جلّه يتغنّى بالمواطنية والوطنية، والغالبية من فئاته تستعرض في وجه بعضها الانتماء الطائفي والمناطقي والحزبي بالممارسة والقول والفعل عن سابق تصميم وإرادة ورغبة.
التافهون غالباً ما يتغنّون بالوطنية، لكن سرعان ما يبدأون باستعراض جوازات وتأشيرات دخولهم إلى بلدان أخرى، ويفتخرون بانتمائهم العميق إلى هذه الدولة أو تلك جهارة ومن دون رادع، ويتناسون لغتهم الأم أمام كلماتٍ أجنبية حفظوها عن ظهر قلب، لأنّه باعتقادهم أنّ هذا الاستعراض يظهرهم بمظهر الرقي والانفتاح والمكانة والفهم. كم كان من المفيد لكتب هؤلاء المفكرين، أن تزخر بأمثلة عن بلد يعيش طفرة من الشعراء المستشعرين والممثلين بدون قضايا سوى اللغة وحركات الجسد، فسرقوا المنابر والشاشات والصفحات وسدّوا الأبواب أمام كثير من الشعراء والمثقفين والمبدعين الحقيقيين الذين آثروا الصمت واستكانوا للعاصفة. وأمر التفاهة نفسه ينسحب على إعلاميين ومقدّمي برامج كثُر لا يفقهون شيئاً سوى التنافس باستغلال قضايا الناس ومشاعرهم وأوجاعهم وظروفهم لتحقيق استعراضٍ «سكوبي». كم كان جيّداً لدونو وزملائه في الكتابة أن يتريّثوا في كتابة أفكارهم حتى يتسنّى لهم الاطلاع على حجم التفاهة المتجلية بأبشع مظاهرها على مواقع التواصل الاجتماعي الصاخبة بألقاب ما أنزل الله بها من سلطان، ونتاجات وتكريمات وإنجازات لأشخاص استعراضيين باحتراف، أقل ما يقال عنها، إنّها فارغة في مضمونها وفي جدواها، فقط لأنّ أصحابها يتوسّلون الإعجابات والإطلالات والتبريكات والتعليقات الملوّثة بالمصلحة والمداهنة، والحق يقال إنّ بعض النتاجات، ولا سيما العلمية والبحثية منها، لو أنّها كانت جديرة بالفعل وذات معنى وجدوى حياتية، لأصبح بلدنا من مصاف أفضل الدول، إن لم نكن أكثرها تميّزاً. والأخطر من التفاهة نفسها، هو أنّ التافه يتصدّى للعالم أو الباحث أو المفكر الفاعل أو للمثقّف الحقيقي بمظهر ومبرّرات عقلانية، لكن بواطنها ودواخلها نفسية. فيكف نبرّر مثلاً لمن يتبوّأ مركزاً مسؤولاً منذ سنوات، ولم ينجح في تقديم أيّ نتاجٍ علمي أو ثقافي، على المستويين الوطني أو العالمي، أن يكرّس وقته وجهده لاستعراض تبريرات سيكولوجية لفشله أمام الرأي العام، من خلال التخريب والتصويب نحو طاقات واعدة تبذل وتحقّق إنجازات بحثية علمية وأدبية وفنية واقعية وحقيقية، ولو محدودة ربما، لكنّها تسهم في تطوّر الوطن والبشرية، بدلاً من أن يشجّعه ويحتضنه ويقف إلى جانبه من موقعه في مركز المسؤولية.
نعم، للأسف، لم تسنح الفرصة لهؤلاء المفكّرين لأن يدعّموا أفكارهم بثقافة التفاهة والاستعراض التي توفّرها وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بمجتمعنا، والتي حوّلتنا إلى صور وأرقام على الشاشة الزرقاء، نستعرض فيها أكلنا، ومناسباتنا، وسفرنا، وأعمالنا، ومكتباتنا، وتسوّقنا، وغرف نومنا، وثيابنا، وممتلكاتنا وجواهرنا، وقصّة الشعر الجديدة، والكتب التي نقرؤها، وغيرها، أمام جمهور من المتفرّجين والمنتظرين دورهم في الاستعراض. نعم، تفاهة كبرى عندما تطغى ثقافة الاستهلاك على ثقافة الإنتاج، وأن ترتبط قيمة الأشخاص بقدر ما يملكون. التفاهة أن تشتري جهازاً خلوياً وملابسَ بضُعفي راتبك الشهري لتستعرضه أمام الآخرين وتبقى مديوناً لتسديده، أو أن تقود سيارة فخمة وتبقى أسير تسديد ثمنها لسنوات وعائلتك تئنّ من الجوع والحاجة إلى أبسط مقوّمات العيش.
نعم، في ضوء انقلاب معايير هذا العصر والتزييف الذي يلفّه، وفي صخب ضجيج التفاهة حولنا، يستحضرني ما نقله الروائي جوستاف فلوبيير Gustave Flaubert من كلمات عن صديقه الشاعر لويس بوييي Louis Bouihet: «يا أيّتها التفاهة النتنة: أشعار نفعية، أدب البيادق، المهاترات الجمالية، الرداءة الاقتصادية لأمّة منهكة. أنتم لستم سوى الهزال. أنتم لستم سوى البقع الحمراء الساخنة لأزمنة الحمى، أنتم القيح البارد الأصفر النازل من تعفُّنٍ قديم».
نعم، لا أملك إلّا أن أقول مجدداً، كما قال السهروردي في تجلّياته الصوفيّة «الورد والدم»: «هذا هو الزمن الذي يتغلّب فيه العطش على الماء، ويدَّعي الرمل بأنّه الحقل، كما يدَّعي الليل بأنّه النهار. ولهذا، فإنّ اللغة تعجز عن أن تغلب الكلام، أو الثرثرة الجوفاء التي أحالت الحياة إلى جيفة باردة.
كيف يكون كلّ هذا العنب، ولا نبيذ يغسل ظمأ الجرار، وظمأ الشفاه؟ كيف تكون كل هذه السنابل، وليس من بيادر؟».

* باحث تربوي