لا يزال الحديث هنا عن سيرة أمين الجميّل الذاتية، والتي صدرت حديثاً بعنوان «الرئاسة المُقاوِمة: مذكّرات». ويستخلصُ القارئ أنّ المؤلّف أراد من السيرة أن تحقِّق غرضَيْن: 1) تجميل صورته في السياسة والحرب والحكم، وتجميل سنوات حكمه في الرئاسة خصوصاً لأنّها ثبّتت صورته في أذهان اللبنانيّين في غير ما أراده. 2) رسم سيرة انعزاليّة كلاسيكيّة للحرب الأهليّة مع إضافات وبهرجات من عنده، وذلك لأغراض الواقع الدرامي والميلودرامي. وفي روايته للحرب، تبدو ذاكرة الجميّل ناقصة كما يظهر استعجال من قبل المؤلّف للوصول إلى مرحلة الرئاسة وهي صلب كتابه. ولا يذكر أمين الجميّل في كتابه، لسببٍ ما، عملَه في مكتب المحاماة، قبل وبعد وصوله إلى المجلس النيابي. هو مثلاً كان محامي تيوفيل بوتاجي الذي أوقفه قاضي التحقيق العسكري، محمد علي صادق، في ١٣ تمّوز / 1973 بتهمة التجسّس والتخابر مع العدوّ الإسرائيلي بواسطة أجهزة لاسكليّة من يخته الخاص («الأنوار»، ١٤ تمّوز 1973). طبعاً، ما لبثت السلطة اللبنانيّة أن أفرجت عن بوتاجي كما كانت تُفرج - ولا تزال - عن عملاء لإسرائيل. أو قد يكون دفاع الجميّل عنه بالغ التأثير على السيّدة العدالة في لبنان، لكن ألم يجد الجميّل ضرورة ليحدّثنا عن هذه القضيّة؟ (وقد يكون بوتاجي هو الذي يرد ذكره في مراجع إسرائيليّة عن ثريٍّ لبناني كان يجول في لبنان قبل سنوات الحرب وبعدها، ويتطوّع بالتجسّس على التواجد الفلسطيني في لبنان لمصلحة إسرائيل).

يذكر أمين مثلاً تأسيس الجبهة اللبنانيّة (ص. 46) لكنّه لا يذكر أنّ «جبهة الحريّة والإنسان» سبقتها في التأسيس. وكانت «جبهة الحريّة والإنسان» مبادرة من الأباتي شربل القسّيس (كان له دور كبير في حرب السنتين وكان في زيارة «رعويّة» إلى فلسطين المحتلّة يوم اندلعت الحرب الأهليّة في لبنان) وتأسّست في كانون الثاني 1976. ثمّ يتحدّث أمين عن تأسيس أخيه بشير لـ»القوّات اللبنانيّة»، لكنّ حديثه لا يتّسم بالصدق لأكثر من سبب. أولاً، هو يتحدّث عن «توحيد البندقيّة» بكثير من الاختصار والتغاضي عن العنف والوحشيّة اللذيْن اتّسمت بهما عمليّة الإدماج الفاشيّة. أصبحت العمليّة الوحشيّة في تعريف أمين «فرض الانضباط» ومجزرة الصفرا لا ترد إلّا كـ»عمليّة مؤلمة»، من دون ذكر الضحايا بالعشرات. يقدّر جوناثان راندل عدد الضحايا نقلاً عن مصادر «رجال شمعون» بـ150 قتيلاً وبينهم ثلاثون من المارة وخمسة وأربعون من العمّال الباكستانيّين الذين لا يذكرهم أحد (جوناثان راندال، «مأساة لبنان»، ص. 168. «السفير» في 8 تمّوز قدّرت العدد بـ 100 ضحيّة و500 جريح فيما كان داني شمعون قدّر العدد بـ500 قتيل). هل هذا ما عناه أمين بـ»العمليّة المؤلمة»؟ وكان بشير في تسويغه للمجزرة يذكر للإسرائيليّين حادثة باخرة «أتلينا» التابعة لـ»إرغون» والتي منع بن غوريون تفريغ حمولتها من الأسلحة. وأدّى الاشتباك بين الفصائل الصهيونيّة إلى سقوط ما يقلّ عن عشرين قتيلاً فيها. لكن أمين يغفل أن يشير إلى استثناء عائلي لـ»توحيد البندقيّة»: فقد أصرّ أمين حتى في مرحلة صعود القوّات على وضعٍ خاص بالمتن الشمالي، حيث حافظ على وجود ميليشيَوي وأمني مستقلّ عن باقي المناطق الخاضعة لنفوذ «القوات اللبنانيّة». والعائلة في شعار حزب «الكتائب» المعروف لم تكن إلّا عائلة الجميّل نفسها.
وفي سرديّة باتت معهودة لنا نظراً إلى سيادة الرواية الانعزاليّة عن الحرب في كلّ وسائل الإعلام وذلك لسبب بسيط: أنّ كلّ قادة الحركة الوطنيّة إما صمتوا عبر السنوات وسمحوا للرواية الانعزاليّة بالانتشار من دون تفنيد أو دحض، أو لأنّ معظم قادة الحركة الوطنيّة المترفين والمتنعّمين والمترهّلين انضمّوا إلى سياق سياسي يضمّ القوى الانعزاليّة (وهذا يسري على جنبلاط كما يسري على توفيق سلطان أو سنان براج أو غيرهم). وجورج حاوي ومحسن إبراهيم أمدّا في اعتذاريّتهما عن الحرب الأهليّة الفريق الانعزالي بمواد دعائيّة للاستعمال ضدّ شهداء المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة. يذكر أمين معركة الدامور مثلاً (على طريقة زياد الدويري الذي يبني تأريخه للحرب الأهليّة والدامور على خطابات بشير الجميّل على «يوتيوب») ولا يذكر أنّ المعارك هناك بدأت باستفزاز من حزب «الكتائب» نفسه، وكان ذلك من ضمن سياق حملة كتائبيّة هجوميّة امتدت من الشمال إلى الساحل الجنوبي، حيث كانت الطريق الدولية تُقطع من قبل ميليشيا «الكتائب» في الدامور. ويرد في الكتاب سرد لمغامرات أمين الجميّل العسكريّة تبدأ بوصفه: «جمعتُ فرقتي التي تضمّ نحو مئة رجل، سمتهم المشتركة العزم على الانتصار» (ص. 54). يقول أمين عن المعارك: «شاركتُ فيها، وفي المقدّمة» (ص. 56). وفي حديثه عن معارك شكا يجعل من نفسه البطل فيما كان الجيش اللبناني بقيادة العميد فيكتور خوري (أصبح في ما بعد قائداً للجيش تقديراً لفئويّته وانعزاليّته وطائفيّته - يرد حديث عن طائفيّته في نص الحديث مع بشير الجميل الذي نشره جورج فريحة في كتابه، «مع بشير: ذكريات ومذكّرات»). أمثال هؤلاء يتحدّثون عن دفاعهم عن لبنان ضدّ التوطين فيما كانوا يقاتلون ويقتلون (على الهويّة) أبناء لهم في الوطن. لا يتحدّث الجميّل عن تهجير المسلمين في «المناطق الشرقيّة» (هل كان هؤلاء يريدون التوطين أيضاً؟ هل كان هؤلاء غرباء عن وطنهم أيضاً؟) وعبدالله العلايلي هُجّر من منزله في حي بيضون في الأشرفية واقتحم مقاتلو «الكتائب» منزله وبعثروا محتوياته بما فيها ثمار جهد عمره في تجميع معلومات «المعجم». لا يرد ذلك في تكريم الصحف والشاشات لعبدالله العلايلي (أعرف عن ذلك بحكم قرابته مع والدتي). لماذا؟ لأنّ ذكر ذلك يعكّر على الانعزاليّين سرديّتهم التي تتناسى صراع ميليشيات «الكتائب» مع مواطنين لهم فقط لأنّهم مسلمون؟ أو أنّ ذلك يحيد عن التركيز المقصود على محاربة مزعومة من قبل «الكتائب» لمخطّط التوطين الذي لم يعارضه أكثر من الشعب الفلسطيني نفسه (وتسلّمت الشيعيّة التقليديّة، خصوصاً رجال الدين مثل عبد الأمير قبلان ومحمد مهدي شمس الدين فزّاعة التوطين لتحريض أبناء وبنات الطائفة ضدّ الشعب الفلسطيني (كان ذلك في أواخر السبعينيّات وأوائل السبعينيّات، وساهم ذلك في خلق حالة عداء ضد الفلسطينيّين بين الشيعة)). يعترف الجميّل أنّ الهجوم على تلّ الزعتر كان بمبادرة من ميليشيات اليمين، ويقول إنّ «نمور الأحرار» و»حرّاس الأرز» «وغيرهما من الفصائل المدرّبة على أيدي ضبّاط متطوّعين من الجيش اللبناني، والمستفيدة من مشورة المقدّم ميشال عون» (ص. 57) كانت المُبادرة. ويقول إنه لم يوافق على خطة الهجوم (أو المجزرة، بالأحرى) إلّا بعد مناشدات له خصوصاً من «المُرشد الروحي» للميليشيات، الأباتي ميخائيل أبو فاضل، الذي قال له: «أنت الوحيد الذي يعرف المنطقة والعدوّ جيداً. أصدقاؤك يرجونك التدخّل شخصيّاً في هذه المعركة الحاسمة» (ص. 57). ووافق أمين على قيادة «العمليّات». كيف يرفض أمين مناشدات مُرشد الميليشيات اليمينيّة الروحي؟

رواية الجميّل عن الاجتياح الإسرائيلي مستقاة من الرواية الإسرائيليّة: حتى عنوان القسم يستعمل «سلام الجليل» في اعتناق غير خافٍ لوجهة النظر الإسرائيليّة


ويستفيض أمين، لا بل يزهو، في وصف عمليّات القتل، مثل تجهيز جرّار ضخم («كاتربيلر») بمدافع ورشاشات لرمي حمم النيران على المخيّم (تستطيع أن تتخيّل دقّة التصويب في جرّار زراعي ضخم مجهّز برشاشات ومدافع في مكان مكتظّ مثل مخيّم تل الزعتر). يذكّر الجرّار بمدافعه أمين الجميّل بـ»أفلام ماد ماكس أو «باتمان». وكان اسم الجرّار «العنيد 2» - تيمناً بأمين، وتراه مزهواً جداً بما جرى من قتل في ذلك المخيّم. يقول عن حركة الجرّار ومدافعه: «كانت حركته أشبه بنزهة استجمام». هذا أصبح رئيس جمهوريّة لبنان وأعلن نفسه في المذكّرات «رئيساً مُقاوِماً». وينسى أمين نفسه في تعداد بطولات قوات «الكتائب» وحلفائها، فيعدّد المآثر من تل الزعتر إلى جسر الباشا ومخيّم ضبيّة (لم يعد أحد يتذكر مخيّم ضبيّة وضحاياه بالعشرات) كما يذكر حارة الغوارنة، ولا يذكر المسلخ والكرنتينا والنبعة. وتعداد هذه الأماكن (أي الأحياء السكنيّة، لا المخيّمات) ضروري للتذكير أنّ كلّ مزاعم الانعزاليّين بشأن أنّ حروبهم لم تكن إلا دفاعاً عن لبنان بوجه مخطّط فلسطيني للتوطين تسقط أمام هذه الحقيقة: هؤلاء الانعزاليّون هجّروا مسلمين لبنانيّين من أحيائهم، سنّة وشيعة لتحقيق صفاء طائفي في مناطقهم. كيف تضع هذا التهجير بمئات الآلاف في سياق أسطورة حروب «المقاومة اللبنانيّة ضدّ التوطين الفلسطيني»؟ قد يكون الجميّل لاحظ ذلك ولهذا هو يصف «حارة الغوارنة» بـ»مخيم حارة الغوارنة» (ص. 59) كي يوحي أنه كان مخيّماً فلسطينيّاً فيما هو حيّ سكني للبنانيّين (وكانت الأحزاب العلمانيّة مزدهرة في الحيّ). ويزهو الجميّل أيضاً بأنّه أقام «بيت المستقبل» في موقع سكني كان يقطنه «بدو رحّل». لم يكن تهجير هؤلاء الرحّل مشكلة في حقبة التهجير الطائفي والإثني الذي مارسته هذه الميليشيات.
يتعاطف الجميّل مع سعد حدّاد، فيقول إنّ إمداده من قبل إسرائيل حدث «حين تخلّت الدولة اللبنانية» عنه. لكن كيف تخلّت الدولة عنه؟ تخلّت عنه في عدم تطويبه الجنوب إقطاعاً إسرائيليّاً؟ أم أنّها تخلّت عنه بالتمنّع عن الإشادة به في العلن فيما لم تتوقّف قيادة الجيش الانعزاليّة عن التواصل مع الجيب الإسرائيلي المزروع في قلب الجنوب؟ أما عن دخول الجيش السوري إلى لبنان تحت مسّمى قوات الردع العربيّة، فهنا يصل تزوير التاريخ عند أمين إلى ذروته. يقول إنّ «أنصارنا» أضربوا احتجاجاً على تدخّل النظام السوري (ص. 59). لعلّ أمين يظنّ أن الأرشيف زال من الوجود، ولكن فلنرَ ما قاله زعماء اليمين الانعزالي حول خطاب حافظ الأسد في 20 تمّوز، والذي أعلن فيه تدخّلاً عسكريّاً من قبل النظام السوري في لبنان ضد تحالف المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة.
كميل شمعون قال عن حافظ الأسد: «وقد وضع يده على العلّة التي تتخبّط فيها هذه القطعة من الشرق الأوسط، ولي الأمل الوطيد بأنّ موقف الرئيس السوري سيساهم المساهمة الكبيرة، وأكاد أقول إنّه الموقف الوحيد الذي سيضع حدّاً للمأساة التي ذكرتها» (راجع المرجع الأرشيفي الموسوعي عن الحرب، أي أنطوان خويري، «الحرب في لبنان: 3،1976»، الجزء الثاني، ص. 733). أما بيار الجميل فقد وصفَ الخطاب بالتالي: «إنّه وثيقة قوميّة وتاريخية تمتاز بالصفاء والتجرّد والواقعيّة ونظرة المدقّق العادل في الأسباب والوقائع والنتائج... فكأنّه شعلة على دروب المستقبل. وهو بالنسبة إلى الأزمة القائمة على أرض لبنان حكم نزيه يدوّي في آذان العالم المتحضّر من على منبر المسؤوليّة، وهو حكم لا يستطيعه إلا من أوتي صدق العزيمة وحيويّة الضمير وصفاء النظرة وجرأة في الحق وإخلاصاً في الوطنيّة... تهمّنا هنا الإشارة إلى عظيم الصدق في موقف الرجال... لا يُنظر إلى كلامه وكأنه مجرد خطبة في مناسبة، إذ هو فتح حضاري وقيادي في دنيا السياسات المتحرّرة من التلوّن السياسي المنمّق، وهو طريق قويم وخط كريم في دنيا السياسة وتنوير دروبها أمام الشعوب والجماهير صاحبة الحق الطبيعي... لقد أسدى الرئيس الأسد جليل الخدمات لقضايا لبنان وفلسطين والعرب وأنقذ السفينة السكرى المتهاوية... وحال الرجل دون خطر التقسيم الذي يهدّد لبنان ودون ضياع قضيّة فلسطين التي انحرف عنها أبناؤها، أو بعضهم... إنّ خطاب الرئيس الأسد ملحمة جرأة وبطولة وصدق ومكاشفة للجماهير بالحقائق ووثيقة تاريخية لا يمكن التعليق عليها بتصريح أو ببضع عبارات... لبنان غني برجالاته الوطنيّين الذين هم على طريق حافظ الأسد ورياض الصلح» (ص. 735، المرجع أعلاه). لم يكتفِ بيار الجميّل بهذا التصريح بل أرسل برقيّة (مثل البرقيّات التي يطيّرها وليد جنبلاط للتعزية بكل أمير وأميرة من آل سعود) إلى حافظ الأسد، ليقول له: «إنّ موقفكم التاريخي في إعلان الحقائق عبر خطابكم الأخير يلقى تأييد جميع المخلصين في لبنان ودنيا العرب وتقديرهم. لقد انتهجتم نهجاً رسوليّاً في نصرة الحق والحريّة وحماية الأبرياء في لبنان، وخرقتكم بشجاعتكم الأدبيّة وبروح المسؤوليّة الكبرى التي تتحلّون بها والملقاة على عاتق الشقيقة سوريا، جدارَ الإرهاب الفكري والسياسي... إنّ لبنان المفجوع هذا يقدر لسوريا الشقيقة بقيادتكم الحكيمة والبطلة المبادرات والمواقف الرائدة والحاسمة من أجل استعادة حقوقه كاملة في السيادة والأمن والحريّة والكرامة والمستقبل... لقد هدفت المؤامرة إلى تمزيق لبنان واحتلاله بديلاً عن فلسطين... وذلك خدمة للصهيونيّة وأعداء العرب». (ص. 741، من مرجع أنطوان خويري، أعلاه). هل نمّق عاصم قانصوه أو فايز شكر مثل هذه الكلمات في مديح حافظ الأسد وبشار الأسد؟ كيف يستطيع أمين الجميّل أن يزوّر تلك الحقبة ويزعم أنّ الجبهة اللبنانيّة عارضت تدخُّل النظام السوري في لبنان؟ وأين هذه الكلمات اليوم من رواية ترسّخت في الأذهان بسبب تكرارها في المحطات والكتب عن حقبة الحرب، ومفادها أنّ القوى الانعزاليّة كانت ثابتة في معارضة النظام السوري وتدخّله في لبنان. (طبعاً، لم يصغ بيار الجميّل كلماته هذه، والأرجح أنّها كانت من صياغة جوزيف أبو خليل مع تحرير إضافي من قبل لويس الحاج (في «النهار») الذي كان يشذّب تصريحات الجميّل ليزيل منها ما هو صارخ في طائفيّته أو ما هو ضارّ له ولقضيّته).
ويتحدّث الجميّل عن «حرب المئة يوم»، لكنّه يغفل أنّ الجيش السوري شنّ أيضاً حروباً ضد مواقع المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة (كان يمكن أن تتّسع الاشتباكات في عام 1976 بين الجيش السوري والمقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة إلّا أنّ قيادة المقاومة (متمثّلة بعرفات وأبو جهاد خصوصاً) لم ترد أن توسّع من نطاق الاشتباكات وحدّت من طموح وجموح تحركات يساريّة، فلسطينيّة ولبنانيّة، أرادت أن توسِّع نطاق مقاومة التدخّل العسكري للجيش السوري. وينسى البعض أنّ فصيلاً ثوريّاً لبنانيّاً (حزب العمل الاشتراكي العربي - لبنان وبعض حلفائه في اليسار الثوري) شنّوا حرب عصابات ضد الجيش السوري في منطقة البقاع، وكان ردّ الجيش السوري عنيفاً للغاية وجرت عمليّات إعدام ميدانيّة. وكان قصف المنطقة الشرقيّة من بيروت عشوائيّاً (في ما يُسمَّى بـ»حرب المئة يوم») لكن حكاية الجميّل تغفل الدور الذي لعبته أحزاب الجبهة اللبنانية في المباركة، والإلحاح على تدخّل عسكري للنظام السوري في لبنان لمنع هزيمة حتميّة لميليشيات اليمين (وبالرغم من الخلاف بين عرفات وحافظ الأسد فإنّ عرفات، مثله مثل حافظ الأسد، مانع في سنوات الحرب تحقيق الحسم العسكري ضدّ القوى الانعزاليّة واستمرّ في محاورة (سريّة وعلنيّة) مع قادة ميليشيات اليمين (يُذهل القارئ بنصّ المراسلات بين أبو أياد وأمين الجميّل في الكتاب).
رواية الجميّل عن الاجتياح الإسرائيلي مستقاة من الرواية الإسرائيليّة: حتى عنوان القسم يستعمل «سلام الجليل» في اعتناق غير خافٍ لوجهة النظر الإسرائيليّة. ويقول إنّ القصف الإسرائيلي في الأيّام الأولى من الاجتياح استهدف «مستودعاً ضخماً للأسلحة» في المدينة الرياضيّة (ص. 67) والمخيّمات الفلسطينيّة والضاحية الجنوبيّة. وفي عرف الجميّل، وفي عرف صحبه من الانعزاليّين السابقين والحاليّين، فإنّ المخيّمات الفلسطينيّة والضاحية الجنوبيّة هي أهداف عسكريّة مشروعة. لا يذكر الجميّل أنّ منطقة مدنيّة مثل حي المزرعة، حيث كنتُ أقطنُ، تعرّضت هي الأخرى لقصف عشوائي وأحدثت قنبلة فراغية تهديماً بالكامل لمبنى سكني طُحِنَ - سُوِّيَ بالأرض تماماً - ومات كلّ مَن فيه. ويزعم أمين أنه عارض توريط «الكتائب» في حرب إسرائيليّة ضدّ «منظمّة التحرير»، مع أنّه لم يحدّثنا عن حقيقة العلاقة بين فريقه وبين العدوّ الإسرائيلي مع أنّه يذكر تاريخ 1975، بدلاً من التاريخ المألوف في آذار 1976 في رواية جوزيف أبو خليل المعروفة عن بدء العلاقة مع إسرائيل، فيما تذكر المراجع الأميركيّة الرسميّة (المُفرج عنها والواردة في كتاب جيمس ستوكر، «ميادين التدخّل: السياسة الخارجيّة الأميركيّة وانهيار لبنان، 1976 - 1977) أنّ التسليح الإسرائيلي بدأ في عام 1975، على الأقل. طبعاً، المراجع العبريّة أرّخت لعلاقة بدأت قبل إنشاء الكيان واستمرّت طيلة السنوات بعدها بين حزب «الكتائب» وبين دولة الاحتلال.
لا، ويضيف أمين أنّ بشير (الذي يزعم أنّه كان على علاقة تفاهُم تامّة معه، وهذا أيضاً جانب من الكتاب يقوّض مصداقية سيرة الجميل لما نعلمه عن الصراع الحاد بين الأخَوَيْن - لي عودة لذلك) كان على صراع مع شارون، وهذا يتناقض مع الروايات اللبنانيّة والإسرائيليّة والأميركيّة عن العلاقة. لم يكن هناك أيّ خلاف بين شارون وبين بشير: شارون كان الكتف الذي كان بشير يبكي عليه عندما كان يتعرّض لمذلّة أو إهانة أو توبيخ من مناحيم بيغن، وكان شارون الحضن الذي يأوي إليه والمُرشد الذي يتوخّى منه التوجيه والنصح. كان على أمين الذي لم يكن على علاقة وثيقة ببشير الجميّل في سنواته في «القوات اللبنانيّة» استشارة كتاب قريبه، جورج فريحة (المُتزوّج من ابنة موريس الجميّل) إذ إنّه نشر محاضر لاجتماعات مع شارون. كان شارون الرجل الذي يوفّق بين تعليمات بيغن وبين قدرات بشير نظراً إلى متطلّبات الحكم كرئيس جمهوريّة - وإن منصّباً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. ثم كيف يتمرّد بشير على شارون وهو عرّابه؟ هذا كأن يتمرّد وليد جنبلاط على غازي كنعان (في مرحلة) أو على جيفري فيلتمان (في مرحلة لاحقة).
(يتبع)
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])