مرّت البشرية عبر تاريخها بالكثير من الأمراض، منها ما وُجد العلاج لها، ومنها لا تزال حتى اليوم الأبحاثُ والدراسات تعمل على إيجاد ذلك لها، وخصوصاً الأمراض الفيروسية. وتُعتبر الأمراض الفيروسية الأكثر خطراً والمسبّبة لعددٍ كبير من الوفيات لعدم وجود علاج كامل لها ولتغيّرها المستمر في طبيعة تكوينها وبسبب انتشارها بين الناس. ويذكر التاريخ الكثير عمّا سبّبته هذه الأمراض ومنها الإنفلونزا الإسبانية في بداية القرن العشرين 1918.

بعد مئة سنة، تتكرّر المأساة بفيروس أُطلقت عليه تسميات عدّة. كما حدث في الإنفلونزا الإسبانية حين اختلف المؤرّخون في منشئه بين الصين والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ويا لَلمفارقة كانت الصين أقلَّ الدول المتضرّرة بالنسبة إلى عدد سكانها الكبير كما يحدث الآن مع فيروس كورونا الذي أُعلنت بداية انتشاره في مدينة ووهان-الصينية، مع العلم هناك عدة تقارير تحدّثت عن منشئه في أميركا أو إيطاليا لم يتمّ التثبُّت من صحتها. وبغضِّ النظر فقد استخدمته الدول الرأسمالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية في صراعها الأيديولوجي والسياسي والاقتصادي مع الصين ووجّهت أصابع الاتهام إليها وتحميلها المسؤولية ومطالبتها بدفع تكاليف علاجه عالمياً، وحتى اتّهام منظمة الصحة العالمية بالتغطية على الصين والتواطؤ معها، إذ انسحبت أميركا من المنظمة وعلّقت المساهمة في ماليتها.
كانت أميركا – ترامب تشنُّ منذ سنوات حرباً عالمية اقتصادية وسياسية وعقوبات على مختلف المستويات المالية والتجارية والاقتصادية على من تعتبرهم أعداءَها في عالم القطبية الواحدة، رغم التغيّرات التي حدثت في بداية القرن الحالي وبروز أقطاب منافسة سياسياً واقتصادياً وظهور منتديات وأحلاف اقتصادية (البريكس) خارج السيطرة الأحادية الأميركية. كلّ ذلك للإشارة إلى كيف تمّ التعامل مع جائحة كورونا. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية في بداية التسعينيات من القرن الماضي وسيطرة منطق القطب الواحد ونظريات أيديولوجية رأسمالية عن انتهاء الاشتراكية دون عودتها ومنها نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ يعني نهاية الاشتراكية وأبدية الرأسمالية ومع بداية العولمة والتطوّر التكنولوجي الذي حصل في نهاية القرن العشرين، أصبحت أميركا سيدة العالم وشرطيّه بلا منازع، فارضة نمطها وأسلوبها الاقتصادي السياسي الرأسمالي على العالم، محارب... ومشعلةً الحروب بوجه كلّ من واجهها واتّسعت رقعة تدخلها العسكري في العالم، ما خلّف مئات آلاف بل ملايين الضحايا وأدى إلى انتهاك كلّ ميادين الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والمالية وحتى الطبية والبيئية، كذلك فرضت أميركا عقوباتها على كلِّ من خرج من تحت عباءَتها القذرة الملوّثة بدماء شعوب العالم. إذاً، في ظلّ هذه الأجواء التي تحيط بالعالم، ظهر فيروس كورونا.
وبانتشاره عالمياً جاء القائد كوفيد ــ 19 ليكشف عن الوجه القبيح غير الإنساني للإمبريالية المتوحّشة في تعاطيها مع هذه الجائحة العالمية التي تطلّبت تكاتف كلّ البشرية بغضّ النظر عن إيديولوجيتها وأنظمتها السياسية. في 21 كانون الأول 2019، كشفت منظمة الصحة العالمية عن عدد من حالات الالتهاب الرئوي المجهولة السبب في مدينة ووهان شرق الصين التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة، وبعدها بأيام توصّل علماء الصين إلى أن فيروساً تاجيّاً جديداً من عائلة كورونا هو المسبّب لهذه الحالات. في البداية بدا الأمر وكأنه وباء يقتصر بشكل أساسي على الصين ولكنه سرعان ما تحوّل إلى وباء عالمي. لجأت السلطات الصينية إلى سياسة عزل مناطق وبؤر انتشاره فوضعت مدينة ووهان تحت الحجر الصحي التام وعزلها عن بقية مدن الصين لمدة 70 يوماً مع تأمينٍ كاملٍ لحاجات أهلها الصحية والغذائية والمادية، أظهرت القيادة الصينية مستوىً عالياً من المسؤولية عن محورية الإنسان وصحته وحياته على الاقتصاد والربح... وبتضافر كلّ الجهود الحكومية والشعبية تمّت السيطرة على الوباء وخرجت الصين منتصرة وأعطت العالم المثال على ذلك. أما في أوروبا بعد انتشار الوباء عالمياً فقد بانَ الارتباك والتخبّط والصراع بين حياة الناس وبين استمرار الرأسمال الجشع دون أيِّ التفاتةٍ إلى شعوب هذه الدول فأُصيبت إيطاليا بانتكاسة صحية ذهب ضحيتها الآلاف، واكتظّت المستشفيات بالمرضى... والموتى على أبوابها؛ وهو ما عُرف بالنموذج الإيطالي وتحوّلت المأساة الإيطالية الى نموذج مرعب في القارة العجوز. أما بريطانيا، فلقد رفعت شعار مناعة القطيع الذي أدّى إلى ارتفاع كبير في الإصابات والوفيات، ما اضطرها إلى العودة للإغلاق والحجر الصحي... ولكن بعد فوات الأوان وهذا ما حصل في دول أوروبية عدّة. أما في أميركا، فقد عجزت الإدارة عن طرح أيّ خطة فعّالة لمواجهة الجائحة وتعرّضت سياسة ترامب في مواجهة الوباء لانتقادات عدة، فقد ظهرت أميركا - أقوى اقتصاد في العالم وعلى الرّغم من الإمكانات الاقتصادية والمادية والعلمية التي تتمتع بها- بمظهر غير القادر على وضع خطة واضحة المعالم للمواجهة فكانت النتيجة الطبيعية بأن تحتل المرتبة الأولى في عدد الإصابات والوفيات.

كشف كوفيد 19 عن الوجه غير الإنساني للإمبريالية المتوحّشة في تعاطيها مع جائحة تتطلب تكاتفا عابراً للأنظمة السياسية


نستخلص من كلّ ما ورد أن الأنظمة الرأسمالية في أوروبا وأميركا بالخصوص كشفت عن وجهها القبيح وعن سلطة رأسمال المتوحّش؛ وأن الإنسان في أدنى أولوياتها... وأن جني الأرباح في الأنظمة الخاضعة لسيطرة الرأسمال المالي والشركات الاحتكارية يتفوّق على صحة الإنسان وحياته... وهي لم تكن خارج نظرية "مالتوس" البرجوازية في الانتقاء الطبيعي أي عن دور الحروب والأمراض في خفض عدد السكان في تبرير أقلّ ما يقال فيه همجي ومجرم... وأن أنظمتها الصحية عاجزة بسبب سياساتها عن مواجهة مثل هذه التحديات بسبب طبيعتها الرأسمالية.

لبنان في مواجهة الكورونا
لم يكن لبنان بمعزل عمّا أصاب العالم من هذه الجائحة، لكنه كان قد أصيب بفيروس هذه السلطة وفسادها على مدى سنوات عديدة. إنّ لبنان بطبيعة نظامه الطائفي ونظامه الاقتصادي الرأسمالي التابع والذي عاش أزمات وحروباً متعدّدة، كلّفته ضحايا ورتّبت عليه كلفة اقتصادية ومادية عالية يعاني منذ سنوات ما بعد الحرب من نتائج مدمّرة بسبب سياسات هذا النظام التحاصصي الطائفي. جاءت انتفاضة الشعب اللبناني بوجه هذه السلطة وملأت الساحات والشوارع طارحةً مطالب عدة. في ظلّ هذا الانهيار انتشر فيروس كورونا ليزيد مأساة أخرى على مآسي الشعب اللبناني وفي ظلّ نظام صحي يسيطر عليه القطاع وهو صورة عن النظام اللبناني الذي يسوده الفساد والمحاصصة والزبائنية والسرقات والهدر. والسؤال المطروح كيف لهكذا سلطة ينخرها الفساد واقتصادها منهار وعملتها فقدت 80% من قيمتها وحوالى 50% من شعبها خارج التغطية الصحية المضمونة أن تواجه مثل هكذا أزمة صحية عجزت أنظمة تمتلك كلّ هذه الإمكانات من المواجهة. كيف تعاطت السلطة مع الجائحة، في بدايتها حاولت أن تفرض الحجر الصحي مع استثناءات وعلى أمل أن يخفّ انتشاره أو يختفي في فصل الصيف، ولكن حساب الحقل لم يوافق حساب البيدر وانطلقت خطتها بالطلب من المستشفيات الحكومية إنشاء أقسام للكورونا، وتمّ إنشاؤها في حوالى 7 مستشفيات من بين 29، وكلّنا يعلم حالة وأوضاع هذه المستشفيات وهي ضعيفة التجهيز والإمكانات ولم تلقَ الاهتمام اللازم من قبل الحكومات المتعاقبة، في حين أعفت المستشفيات الخاصة من فتح مثل هذه الأقسام بضغوط من أصحاب المستشفيات بسبب التكلفة العالية لتجهيزها في ظلّ انهيار قيمة الليرة والغلاء في المستلزمات الطبية والتشغيلية ولم تنجح قرارات الإقفال الجزئي في منع تزايد وتيرة المصابين حتى وصلت إلى أرقام يصعب على الأقسام المخصّصة لذلك من استيعابها، ومع عدم تعاطي اللجان الصحية والحكومية بمسؤولية وضعف خطة المواجهة وضعف القاعدة المادية الطبية وازدياد عدد المصابين، وقع البلد تحت كارثة وطنية حقيقية. من جهة الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي حيث تجاوز خط الفقر 65% والمتعطّلون عن العمل 60% وهذا قبل الوباء ومن جهة أخرى صراع أطراف السلطة على التحاصص وتوزيع جبنة المنافع في ما بينهم وغياب المعالجة للوضع الاقتصادي المالي المنهار، تاركين الشعب اللبناني يواجه مصيره لوحده.
لقد استمرّت سياسات مواجهة الوباء العشوائية وغياب الرؤية والتخطيط والتخبّط في تنفيذ القرارات، وزاد من إرباكها تضارب الآراء العلمية أحياناً والضغوط من قبل حفنة من التجار وأصحاب الاحتكارات لتكديس الأرباح أحياناً أخرى. ومع تفاقم أزمة الوباء، اتّخذت وزارة الصحة العامة قراراً متأخراً بالطلب من المستشفيات الخاصة فتح أقسام لمرضى الكورونا أي حوالى 10% من عدد أسرّتها، لم يلتزم منها سوى 50% أي نحو 70 مستشفى. وما زاد الطين بِلّة خضوع السلطة واللجان المشرفة لمطالب فتح البلد في فترة الأعياد، مع العلم أن الجميع كان على يقين أن الأعداد سوف ترتفع ما بعد فترة انقضاء الأعياد على الرغم من ازدياد المصابين حتى لامست الـ 10 آلاف في الأيام القليلة التي أعقبت احتفالات رأس السنة. لقد أثبتت مرة أخرى هذه السلطة عجزها عن إدارة شؤون البلاد والعباد وهي مستمرة في ذلك. ورغم قناعتنا أن كلّ الانتقادات سياسيةٌ بمواجهة الوباء كما السياسات الاقتصادية والمالية والمعيشية، ولا بد لنا أن نطرح بعض عناوين خطة المواجهة:
إنّنا نؤكّد أن الإغلاق الشامل ورغم التأخّر في ذلك، يمكن أن يخفّف من المسار الذي آلت إليه الأمور الصحية في البلد، على أن يستتبع هذا الإغلاق خطة وطنية طارئة من أجل دعم الملتزمين في بيوتهم بتأمين مستلزمات سبل العيش من المواد الغذائية والتقديمات المالية للأسر الفقيرة دون أي محاصصة أو زبائنية، ويتم ذلك باستعادة الأموال المنهوبة ووضع ضرائب تصاعدية على الثروة وتدفيع ناهبي المال العام ثمن ذلك. بات لزاماً على الجهات المعنية القيام بالإجراءات التالية:
• فتح كلّ المستشفيات الحكومية وتقديم كلّ الدعم الماليّ والتقنيّ والمساعدات التي قُدّمت من صندوق النقد الدولي.
• التزام المستشفيات الخاصة تحت شعار المصلحة العامة وتوسيع أقسامها مع تقديم المساعدات لها ودفع كلّ مستحقاتها المتأخرة لتستطيع القيام بذلك والإشراف المباشر على تنفيذ ذلك.
• عدم تدفيع الفقراء الكلفة العالية وبالأخص فروقات الوزارة والمستلزمات التي تُدفع خارج فروقات الجهات الضامنة مع إقرار التغطية الصحية الشاملة.
• اعتماد سياسة دوائية تخضع لرقابة جدية من قبل الوزارة ومحاسبة المحتكرين والمهرّبين للدواء ودعم الصناعة الوطنية لأدوية الجنريك وتسهيل وتأمين المواد الأولية لذلك واستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية من قبل الوزارة مباشرة منعاً للاحتكار وتخفيفاً للفاتورة الصحية.
أمّا في موضوع اللقاحات، فإن المستغرب والذي أصبح موضوع شك هو الاعتماد الوحيد والأوحد على استيراد لقاح شركة "فايزر" الخاضع لشروط الشركة وفتح باب استيراد اللقاحات من بلدان أخرى، وخاصة حيث تكون بشروط أفضل وكلفة أقل، منها الروسي سبوتنيك 7 وسينوفارم الصيني والبريطاني استرازنيكا وغيرها وينبغي أيضاً اعتماد سياسة تلقيح علمية.
وأخيراً لا بد من توجيه التحية إلى الأطقم الطبية والجسم الطبي والتمريضي في الخطوط الأمامية للدفاع عن الوطن والشعب بكلّ إرادة وتصميم، رغم ما أصابهم مثل بقية الشعب نتيجة انهيار العملة ولقيمة الأجر الذي يحصلون عليه، وبالتالي يجب على الدولة تقديم يد المساعدة والدعم لهم واعتبار المتوفّين منهم شهداء الواجب، وهذا المطلب هو ما نادت به النقابات الطبية والتمريضية.

* طبيب لبناني، مسؤول الملف الصحي في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني - افتتاحية مجلّة «النداء» التي تصدر اليوم