أين نحن وأين حزبنا، «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، من التطوّرات الجارية على الساحة القومية، ثم على الساحتين: العربية والدولية؟ ما الذي يُشغل الحزب فينأى بنفسه، جانباً، وكأنّه غير معني بما يجري في سوريا، البلاد التي تشكّل نهضتُها غايته وقضيّته ومبرّر وجوده، وما الذي يُشغلنا، كقوميين اجتماعيين/ أعضاء الحزب الذي أقسمنا، لحظة انتمائنا إلى صفوفه، على تغيير مجرى التاريخ الجائر بحقنا وحقوق أمّتنا، ولا سيّما الخرافة القائلة إنّ سوريا هي «جسر» بين الغرب والشرق وليست «أمّة» قائمة بذاتها. ما الذي يُشغلنا فننأى بأنفسنا عن هذه المهمّة الجليلة كأننا صرنا نصدّق، والعالم المتوحّش، من حولنا، أننا نعيش، بالفعل، في قرية كونية يتساوى فيها الغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير والصغير!

سؤال، بل أسئلة يطرحها أيضاً المواطنون المؤيّدون للحزب وقضيّته، المراهنون، دائماً، على مقاربته المنهجية لأحوال بلادهم وقضاياها حيث تدور فوق ثراها وتحت سمائها، وعلى تخومها، أشرس مواجهة عسكرية، سياسية، اقتصادية، دولية قد تُحدّد مصيرها ومصير عالمها العربي وإقليمها المتوسطي، لأجيال... هؤلاء المواطنون الطيّبون والمخلصون، للحزب والأمة، لا يقبلون، من المعبّرين عن إرادتهم (أي القوميين الاجتماعيين)، بأقل من موقف شجاع ممّا يستهدف بلادهم، موقف يُحدّد، بوضوح، الأعداء من الأصدقاء، والخصوم من الحلفاء، موقف مصحوب بخطة فاصلة، على المدَيين: القريب والبعيد، تُخرجهم، كمواطنين سوريين، وتُخرج بلادهم السورية من عنق الزجاجة الذي حشرتهم فيه، لعقود خلت، أنظمة الرجعة والعمالة والتبعية للأجنبي، وذلك لاعتقادهم (أي المواطنين) بصحة المبادئ القومية الاجتماعية التي يحتاج إليها شعبنا - عينها - في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخه، ولإيمانهم بقدرة القوميين على التعبير بجرأة عن أفكارهم وطموحاتهم، وقد شاهدوهم في الميدان في أكثر من معركة، ولا سيما في فلسطين إبان الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني، وفي الشام ولبنان إبان الاحتلال الفرنسي، وفي الشمال السوري إبان الغزو التركي لمنطقة الإسكندرون، وقد سقط منهم مئات الشهداء والجرحى والأسرى، في هذه المواجهات المبكرة ضد قوى الاحتلال والاستعمار الغربيين ومن والاها من قوى إقليمية ومحلّية. هؤلاء المواطنون - أنفسهم - يغيب عن سمعهم وبصرهم وعِلمهم - للأسف - أنّ هذا الحزب الذي يراهنون عليه والذي آل مؤسّسه على نفسه أن يغيّر، بواسطته، مجرى التاريخ في الشرق الأدنى كلّه، يواجه اختباراً قاسياً قد يؤدي به إلى الموت - كتنظيم سياسي - ويستمرّ مؤسّسه، سعاده العظيم، كعالم في الفلسفة والاجتماع والسياسة يدرسه طلبة الجامعات، في بلادنا وفي العالم.
لا شكّ في أنّ الامتحان الذي يواجهه الحزب، اليوم، أيها الرفقاء / والرفيقات، والمواطنون / والمواطنات، هو امتحان الوحدة، وحدة القوميين ووحدة المؤسّسات: فإمّا يربح الحزب الوحدة فيربح الناس والأمة، وإما يخسر الوحدة فيخسر نفسه وتخسره الأمة... ففي أيّ الصفّين ستقفون؟ وأيّ الاختبارين ستختارون؟ فكّروا جيداً واختاروا لأنفسكم مصير حزبكم ومصيركم، ولا أخالكم إلّا خارجين من تفكيركم بعزيمة معقودة على اختيار الحياة القومية التي يمثلها حزبكم الأصلي خير تمثيل ونبذ الموت القومي الذي تمثله عصابات الأمر الواقع البغيض!
من النافل القول إنّ وحدة الحزب هي مطلبكم / كنّ جميعاً، وهدفها، كما عبّرتم، مراراً، هو تحقيق غاية الحزب المتمثلة ببعث نهضة سوريّة قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها. ولكن بدلاً من أن يتقدّم الحزب لتحقيق غايته - وقد مضت تسعون عاماً على تأسيسه (16 تشرين الثاني / نوفمبر 1932) وهي مدّة كافية لانتصاره وتحقيق غايته - تشهدون، بحزن كبير، على استمرار مأساة انقسامه، وتشتّت أعضائه وأنصاره، في جهات العالم الأربع، بعدما هجّرتهم الإدارات الحزبية المتعاقبة، حارمة إيّاه من إمكانات مثقّفيه واختصاصيّيه الذين لن يستعيدوا مواقعهم في صفوفه، في ظلّ هكذا إدارات ارتكبت ما ارتكبت من جرائم! حزبكم، أيها القوميون الاجتماعيون، يقف على حافة الهاوية، يراوح بين الحياة والموت، فهل أنتم / أنتنّ راضون عن هذه النهاية / الفاجعة أم أنكم ستقفون سدّاً حصيناً لمنعها، مهما غلت التضحيات؟ من أراد منكم، أن يضحك فهنالك أوقات كثيرة للضحك، أما الآن فإنّ الموقف مهيب لأننا أمام الوطن والتاريخ وجهاً لوجه! فمن لا يستحيي من نفسه، يجب على الأقل أن يستحيي منهما! (سعاده، العودة إلى محجة الصواب، المجلة، سان باولو،1924).
إن انقسام الحزب إلى «أحزاب» متنافرة، وتفرّق أعضائه، ذات اليمين وذات اليسار، شيَعاً متنابذة، واتساع الهوة، يوماً بعد يوم، بين المتحزّبين حول «شرعيات وهمية» لا أساس لها، هذه الحالة الشاذة، لا شكّ، تفطر قلوبكم / كنّ حزناً، وتُصيب مقتلاً كبيراً من الدعوة وصاحبها والقضية السورية المقدّسة التي هي موضوعها.

إنّ الحركات الإنشائية الكبرى تضع على عاتق أنصارها قبل غيرهم مهمة إنقاذها عند كل نازلة تنزل بها


ومن النافل القول، أيضاً هنا، إنّ أبناء النهضة، سواء انتظموا في إطار حزبي أم انكفؤوا في منازلهم، لا يستطيع أحد، داخل الحزب أو خارجه، أن ينزع عنهم صفة انتمائهم إلى النهضة، بصرف النظر في أيّ «حزب» ينتظمون، اليوم، أو لا ينتظمون، البتة. إنّ التحدّيات المصيرية الصعبة التي تواجهها الأمة، على كامل الجغرافيا السورية، كثيرة، وتنتظر منهم ومنكم - كما أسلفنا القول - موقفاً شجاعاً وخططاً بديلة للمعركة الكبرى، معركة استعادة الأمة للمغتصب والمحتل من أراضيها، تحقيقاً لمبدأ السيادة القومية، ومعركة الاستقلال الاقتصادي باستعادة الثروات القومية، من مياه ونفط وغاز، من المحتلّين لمصادرها، المتحكمين بمجاريها، من دول الجوار، ومعركة النظام الجديد، على أساس المبادئ الإصلاحية، تحقيقاً لمبدأ تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج، ومعركة بناء الدولة القومية الديمقراطية، دولة الإجماع الفاعل، الإجماع الحرّ لا الإجماع المطاوع المستبد!... إلخ. هذه المعركة ستنتصر فيها الأمة، لا محالة، مهما طالت، فلا تخذلوها ولا تتركوا حزبها أضحوكة في أعيُن الشتّامين والخصوم الذين لا يضمرون لكم ولحزبكم إلّا المذلة والمهانة!
تعرفون، لا شك، أيها الرفقاء والرفيقات والأنصار المخلصون، أنّ محاولات كثيرة جرت في الماضي، كما أنّ محاولات أخرى (بعضها من أطراف صديقة للحزب) تجري، اليوم، بهدف استرجاع الحزب من مغتصبيه، وفكّ أسره من سجّانيه، وتحقيق الوحدة الحزبية الشاملة، وطيّ صفحة الماضي الأليم، ولكنّ أياً من هذه المحاولات لم تؤتِ أكلها حتى اللحظة. ولا مجال، هنا، لسوق الأسباب والمسبّبات، فأكثركم يعرف المعوّقات التي حالت، في الماضي، كما تحول، اليوم، دون تحقيق الوحدة المنشودة: إنها النزعة الفردية المقيتة، والاستئثار الفردي أحياناً، والمجموعي، أحياناً أخرى، بالسلطة، والتكالب الجشع على المغانم! هذه الآفات الخبيثة التي باشر المؤسّس، منذ تأسيسه الحزب، في إظهار مخاطرها وحاول جاهداً محاصرتها واستئصالها والقضاء عليها، ولكنها لا تزال متجذّرة في النفوس المريضة.
لذلك، نتوجه إليكم، اليوم، حاملين مقترحاً جديداً للوحدة قاعدته شرعية الانتماء إلى النهضة متمثلة بالعقيدة، لا «شرعية» الانتظام الحزبي، هنا أو هناك، والذي تشوبه الانقسامات والفئويات، فإذا كنتم حريصين على نهضتكم خذوا المبادرة بأيديكم أنتم : «المنتظمون» منكم و«الخارجون» على النظام، بالسواء! لنعمل، جميعاً، أيها الرفقاء / والرفيقات على حلّ مشاكلنا الداخلية بأنفسنا نحن، لا أن ننتظر حلّاً معلّباً يأتينا من الخارج، حتى وإن كان صانعوه أصدقاءنا، فنحن لا نريد أن نُلقي بأثقالنا، مهما كانت حمولتها ثقيلة أو خفيفة، على أصدقائنا فنصبح صعوبة - بدل أن نكون عوناً - تُضاف إلى مجموعة الصعوبات التي يتحمّلون أوزارها. إن أزمة حزبنا، أيها الرفقاء، داخلية، وإن كانت لها امتدادات وأذرع خارجية، إنها فرصتنا الذهبية، اليوم، لنقضي على المتاجرين بالقضية القومية المقدّسة، فلا ندع الفرصة تفلت من أيدينا، هذه المرّة، فقد تكون فرصتنا الأخيرة قبل أن تهبّ العاصفة و«تقتلع» العرزال من جذوره!
«اشتدّي يا أزمة تنفرجي!» يقول المثل الشعبي، وعندما تتعقّد الأمور وتستعصي على الحلّ تُعاد إلى أصحابها، إلى أهل الحلّ والعقد. واليوم، وفي غياب المعلم، المؤسّس وصاحب الدعوة، أنتم، أيها القوميون الاجتماعيون، أهل الحلّ، وأنتم مصدر السلطات! بل، أنتم، أساساً، أحد قطبَي التعاقد الذي، بموجبه، تأسّس الحزب: سعاده هو الطرف الأول بوصفه صاحب الدعوة إلى القومية السورية الاجتماعية ، وأنتم الطرف الثاني بوصفكم المقبلين على الدعوة. وبهذه الصفة، أنتم مسؤولون عن حماية النهضة وصون تضحياتها العظيمة! لقد تأسّس الحزب بقيادة مركزية موثوقة شكّلت الطرف الأول في التعاقد، فأقبل عليها القوميون الاجتماعيون وتعاقدوا معها، وهذه كانت فلسفة نشوء الحزب. وعلى هذه الفلسفة بالذات تقوم صيغة مشروع الوحدة المثبت، هنا: قيادة مؤقتة نزيهة موثوقة تتألف من عدد من رجال النهضة المؤهلين، المخلصين، النزهاء!
إنّ الحركات الإنشائية الكبرى تضع على عاتق أنصارها، قبل غيرهم، مهمة إنقاذها عند كل نازلة تنزل بها أو خطر يتهدّد وجودها، وكم تحتاج إليكم حركتكم القومية الاجتماعية، اليوم، لحمايتها وصونها والدفاع عن مؤسساتها: دعوتنا، اليوم، أيها الرفقاء / الرفيقات، لا يغريها قلب الطاولة، عاليها، أسفلها، كيفما اتفق، وكما يحلو للبعض أن يفعل كلما هبّت رياحه، إنها دعوة غرضها الأساس تصحيح الخلل الذي أصاب حزبنا تصحيحاً جذرياً: تصحيح البوصلة وتصحيح الاتجاه واستعادة الحزب وحدته، ولن تُقصي عملية التصحيح هذه أحداً من المشاركة فيها، باستثناء أولئك الذين (وذريتهم) اقترعوا على ثياب المعلم قبل أن يجفّ دمه!
بناءً على ما تقدّم، وأخذاً في الحسبان التطوّرات الدراماتيكية التي جرت في إثر انتخابات 13 أيلول / سبتمبر الماضي وما ترتّب عليها من تداعيات خطيرة قد تقضي على ما تبقّى من أعمدة الهيكل المتداعي، وافتقار الحزب، بعامل التهجير القسري لعدد كبير من إمكاناته، لشخص مؤهل لاختياره رئيساً للحزب بصفته خلفاً للزعيم، الأمر الذي يستدعي إجراءً مؤقّتاً كإعلان حالة طوارئ، أو ما يشبهها، وتشكيل هيئة قيادية أو ما يُشبهها، لفترة قصيرة، كما تنصّ، على ذلك، القوانين الدستورية المعمول بها حالياً في الحزب، نقترح ما يلي:
أولاً: تنشأ في الحزب قيادة مؤقتة من سبعة إلى تسعة أعضاء تتوفر في كل عضو منهم الشروط الحقيقية لرتبة الأمانة كما نصّ عليها المرسوم (القانون) الدستوري العدد (7) ولم يشغلوا مسؤولية مركزية في العقد الأخير من التاريخ الجاري.
ثانياً: تُفوّض القيادة المؤقتة كل السلطات، لمدة سنتين، من تاريخ إعلانها، وتقود الحزب بموجب قانون مؤقت، على أن تُصدر القوانين التي تحتاج إليها لإدارة الحزب، بمراسيم ذات صبغة مؤقتة.
ثالثاً: تبدأ القيادة المؤقتة عملها بإلغاء كلّ التشريعات الصادرة عن المجلس الأعلى، في كلّ التنظيمات الحزبية القائمة، منذ 8 تموز / يوليو 1949، ولا سيّما مجلس الأمناء والمجلس الاستشاري والمجلس القومي والمؤتمر القومي العام ولجنة منح رتبة الأمانة.
رابعاً: تُبطل القيادة المؤقتة مفعول كل الأمانات الممنوحة سابقاً، إلى أن يجري تقييمها مجدداً، بموجب المرسوم الدستوري العدد (7)، كما تُبطل عضوية كل من «المجلس القومي»، و«المجلس الاستشاري» المنتهية صلاحياتهما، بموجب الفقرة السابقة.
خامساً: عند انتهاء ولايتها، تدعو القيادة المؤقتة، بموجب قانون انتخابي جديد، لانتخاب مجلس أعلى ورئيس حزب، آخذين في الحسبان أنّ نظامنا القومي الاجتماعي هو نظام رئاسي، وأنّ القوميين الاجتماعيين هم مصدر السلطات.
سادساً: يُثبت المجلس الأعلى المنتخب سابقة انتخابه وانتخاب رئيس الحزب بقانون دستوري دائم يحمل العدد (8)،
إن القيادة المؤقتة التي تُعلن، اليوم، عن ولادتها، تحضّ القوميين الاجتماعيين على الالتزام بخطتها الداعية إلى اعتبار «المؤسسات» الحزبية القائمة، على اختلاف مسمّياتها، مؤسسات غير شرعية لأنها مؤسسات انشقاق، وسلوكها لا يعبّر عن اتجاه حقيقي، لديها، لحلّ الأزمة الحزبية التي كرّستها، هي نفسها، على مدى عقود، وتدعو إلى الامتناع عن العمل معها أو تأييدها أو الانجرار في سياساتها الآيلة بالحزب إلى السقوط فالانهيار.
القيادة المؤقتة خطوة انتقالية، ولكنها خطوة ضرورية بل واجبة، خطوة يليق بأبناء النهضة إنجازها الآن، فيستردّون، بواسطتها، حزبهم المختطف، ويطلقونه مباشرة في خطط الدفاع والإعمار، في الميدان السوري المخضّب بالدم، جنباً إلى جنب مع الحلفاء والأصدقاء.
في رسالته من مغتربه القسري، في أميركا اللاتينية، إلى القوميين الاجتماعيين في الوطن (وقد حجبتها قيادة الحزب عنهم، إلى حين عودته، عام 1947) يقول المعلم: «كلّ عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الأولى التي هي: انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كل ما دون ذلك باطل. وكل عقيدة يُصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدّد أتباعها».
إن «مسيرة» الألف ميل تبدأ بخطوة، وهنا نعلن ابتداء مسيرة الوحدة، فليأخذ كل قومي وقومية منكم دوره ومكانه»،
بيروت في 5/1/2021
الموقّعون: حياة الحويك عطية (كاتبة وباحثة، خبيرة في جيوبولتيك الميديا)، علي حمية (كاتب وأستاذ جامعي)، عصام العزير (طبيب جرّاح)، كنعان الأحمر (دكتور بالقانون، محام دولي، وأكاديمي)، طه غدّار (كاتب)، عزمي منصور (أستاذ جامعي، رئيس جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية)، زهى عيسى (أستاذة جامعية، خبيرة إحصائيّة)، شحاده الغاوي (باحث)، مروان سليم (علم اجتماع العالم العربي)، هدى دندش (أستاذة جامعية)، عمر إسماعيل (بكالوريوس علوم سياسية).