يأتي الحديث عن ضرورة قيام مجلس تعاون مشرقي في سوريا الطبيعية مُلحّاً للغاية في ظروف يشهد فيها المشرق العربي حصاراً من إسرائيل التي دأبت على عقد اتفاقيات سلام وتعاون مع دول عربية عديدة، فضلاً عن «قانون قيصر» الذي أُعد لمحاصرة سوريا اقتصادياً. ويقتضي هذا الأمر مواجهة هذا الانزلاق العربي في السياسة الصهيو - أميركية التي تحاصر النهج المقاوم المتمثّل في لبنان وسوريا والعراق والكويت. وما هبوط سعر صرف الليرة، مقابل العملات الصعبة، في كلّ من لبنان وسوريا، سوى دليل ساطع على الحصار الاقتصادي الذي تمارسه أميركا على شعبنا في سوريا ولبنان بهدف تطويق المقاومة اللبنانية لإسقاطها.

إنّ قيام مجلس تعاون مشرقي يحظى بتأييد كلّ من الجامعة العربية والأمم المتحدة، إذ نصّت المادة التاسعة من ميثاق الجامعة العربية على أنّ لدول الجامعة العربية الراغبة في ما بينها من تعاون أوثق وروابط أقوى ممّا نص عليه هذا الميثاق، أن تعقد بينها الاتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض.

التنسيق العسكري بين دول المجلس يمكّنه من مواجهة الإرهاب الذي سبق أن تسبّب بعشرات الآلاف من الضحايا


وكذلك، نصّت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على أنّه «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول أعضاء الأمم المتحدة فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها إذا امتدت قوة مسلّحة عليها».
فمجلس التعاون الاقتصادي هو صيغة للتكامل الاقتصادي تتمّ بين مجموعة من الدول المتجانسة تاريخياً وثقافياً ولغوياً وحضارياً واقتصادياً وجغرافياً، لتحقيق مصلحة اقتصادية مشتركة، ويُسمّى بالتكامل الاقتصادي الإقليمي، حيث يتمّ تقسيم العمل والتبادل التجاري بين بلدان المنطقة الجغرافية الواحدة. والشروط الموضوعية للتكامل الإقليمي يختلف بعضها عن البعض الآخر في أوجه متعدّدة، فهي تتعلّق بأوضاع البلدان المشتركة فيه وعلى مستوى التطور الذي وصل إليه الكيان السياسي، وكذلك على درجة المصلحة بين الأقطار المشتركة في التكامل الاقتصادي والشروط الأساسية للاتفاقيات.

أهداف مجلس التعاون الاقتصادي المشرقي
تتمثّل أهداف مجلس التعاون الاقتصادي المشرقي بالأمور التالية:
1 – إصدار عملة موحّدة.
2 – تنسيق السياسات بين الدول الأعضاء من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي.
3 – تنمية التعاون العلمي والفني بين الدول الأعضاء.
4 – تحقيق مستوى متطوّر من التصنيع، مع التركيز على الدول الأقل تقدماً من بين الدول الأعضاء وذلك من خلال:
أ – إنشاء مصرف مشترك، مهمته تسهيل عملية التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، من جهة، ودول العالم الآخر من جهة أخرى.
ب – إلغاء الجمارك بين الدول الاتحاد وتسهيل انتقال رؤوس الأموال بين الدول الاتحاد.
ج – إنشاء مصرف استثمارات من شأنه تمويل خطط التنمية للدول الأعضاء.
د – يمكن اعتماد مبدأ التخصص لكل دولة عضو بنوع معين من الإنتاج، تحدّده اللجان المتخصّصة، استناداً إلى الإمكانات والموارد الأولية المتوافرة في كل كيان، وذلك لمنع ازدواج الإنتاج الذي يؤدي إلى الكساد.
هـ – تطوير التنسيق بين دول مجلس التعاون الاقتصادي إلى المستوى المطلوب في مجال انتقال السلع والأيدي العاملة.
و – إنشاء مراكز بحوث علمية لدفع عملية التقدم العلمي والتقني في مجالات الاقتصاد المختلفة.
5 – يكون للمجلس شعار مميز عن غيره من شعارات المجالس التعاونية في العالم.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف يجب أن تكون مرتكزات هذه المجلس سياسية واقتصادية وعسكرية.
بناءً على ما تقدّم، فإنّ مجلس التعاون يحقّق الكثير من الأهداف أبرزها:
1 – تحقيق الأمن الغذائي من خلال التنسيق في مجال الزراعة النباتية والحيوانية.
2 – المحافظة على الثروة المائية، ومواجهة مخاطر السدود التركية مثل سد «اليسو» على نهر دجلة الذي يبعد 53 كلم عن الحدود السورية، والذي أدى إلى تراجع مستوى مياه النهر بشكل كبير، في منطقة حران وأورفه في الجنوب. وكذلك على نهر الفرات، إذ شكل سد «أتاتورك» ضرراً كبيراً على سوريا والعراق، وحيث تراجعت حصة السوريين من المياه إلى أقل من ربع الكمية المتفق عليها دولياً.
3 – يؤمن النظام التربوي الواحد التكيف للفرد من خلال صقل شخصيته ضمن الجماعة، لتحقيق تنشئة اجتماعية ناجحة، تتيح للفرد التأقلم مع بيئته الاجتماعية.
وبذلك، تتحقّق مسألة اكتساب الفرد المهارات الأساسية، بالاعتماد على المناهج المستخدمة في المجال التعليمي، التي تكسب الأفراد من خلال إمدادهم بالإمكانات الكاملة أداء مهاراتياً في مختلف الأنشطة الحياتية.
وإنّ تنمية القطاع السياحي تؤثر إيجابياً في تنمية الاقتصاد الوطني من إدرار كميات كبيرة من العملات الصعبة، التي تنفق من قبل السائح في المؤسسات السياحية، من فنادق وملاه ومطاعم وغيرها الكثير، وهذا ما يعزز مستوى الدخل القومي، ناهيك بدورها في استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي توفر مجالات اليد العاملة المحلية.
أما التنسيق العسكري فهو ضروري لتحقيق الأهداف التالية:
1 ــ ردّ الخطر الصهيوني الذي يستهدف وجود الوطن السوري بكامله وذلك من خلال تعزيز الجبهة الشرقية في وجه الاعتداءات الصهيونية المتكررة على لبنان وسوريا.
2 ــ رد الخطر الإرهابي على المنشآت النفطية حيث ثبتت قدرة بعض الميليشيات وأبرزها البشمركة على السيطرة في عام 2014 على النفط في كركوك، واستمرّت سيطرتها ثلاث سنوات أي حتى عام 2017 عندما استعادتها السلطة العراقية.
والتنسيق العسكري بين دول المجلس، يمكّنه من مواجهة الإرهاب الذي سبق أن تسبّب بعشرات الآلاف من الضحايا، وتدمير الكثير من المنشآت الاقتصادية، وتدمير عشرات الآلاف من الوحدات السكنية. وإن مكافحة الإرهاب يجب أن تتم بخلق البيئات المناسبة التي لا تساعد على نمو الفكر الإرهابي من تكفيري وغيره وفي تعزيز الاقتصاد والأمن وفي توحيد الرؤى السياسية لمنع وجود بيئات تحتضن الإرهاب التكفيري وغير التكفيري، والعمل على إزالة حدود سايكس - بيكو بتأكيد الوحدة المجتمعية وأن يصار إلى التنمية الاقتصادية.
إن قيام مجلس تعاون مشرقي في هذه اللحظة التاريخية الحرجة يكاد أن يكون الأمل الوحيد في ردّ الهجمة الصهيو - أميركية التي تستغل لقمة عيشنا للوصول إلى عمق قضايانا القومية.
* كاتب لبناني