«يا لينين قُم وانهض، فقد أصبحوا مجانينَ» - من أغنية «فلاديمير ايليتش» لميشال ساردو


كثيراً ما يتم انتقاد الفلسفة السياسية لميشال فوكو من زاوية فعّاليتها. وكان فوكو، في مقابلة عام 1983، قد دافع عن نفسه عبر التأكيد على أنّ منظومته لا تقود إلى الاستكانة والعجز، فهو لا يدفع بأنّ «كلّ شيءٍ سيّئ» وأنّه لا يجب أن نفعل شيئاً، بل «إنّ كل شيءٍ خطير» على حدّ قوله؛ مضيفاً أنّ فلسفته السياسية تقود في الحقيقة إلى نمطٍ من النشاط السياسي «فائق ومتشائم» في الوقت نفسه. وهذا في رأيي يشبه عذراً أقبح من ذنب. فمن جهة، هناك السؤال القديم: لماذا يتحرّك الناس وينشطون «بشكلٍ فائق» ويقدّمون التضحيات إن لم يكن نصب أعينهم وعدٌ متفائل بمستقبلٍ أفضل؟ من جهةٍ ثانية، كيف نميّز بين المشاريع السياسية المختلفة ونختار بينها إن كانت كلّها تنطلق، كمقدّمة، من أنّها لا تتوقّع حسن العاقبة وترى الأفق أسودَ؟ وثالثاً، قبل كلّ شيء، من ذا الذي يريد أن يعيش في مثل هذا العالم الكئيب؟

إديل رودريغز (الولايات المتحدة)

إلّا أنّ أحد دارسي فوكو واسمه توماس دَمّ (Dumm) يدفع بأنه، على رغم كلّ الانتقادات التي يمكن توجيهها إليه، إلّا أنّ هناك عنصراً يميّز نظرة فوكو إلى السياسة عن كلّ «الأفكار الكبيرة» التي سادت في القرن العشرين. عند كلّ هؤلاء (الرأسماليين التخصيصيين، الماركسيين الشيوعيين، المتديّنين الخلاصيّين، إلخ)، توجد نقطة ما يحصل فيها سكون (equilibrium) تتوقّف فيه السياسة أو تموت أو لا تعود لها حاجة: يقوم السوق الحرّ بإدارة نفسه بنفسه ولا نحتاج إلى الحكومة وتنظيمها، المجتمع الشيوعي يتحقّق فيضمحلّ الصراع ومعه الدولة والسياسة، نقوم بتطبيق الشريعة فيعمّ العدل ونعود إلى الأيّام الجميلة، إلخ. عند فوكو وحده، يقول دَم، تجد فلسفةً سياسية ليست فيها «نقطة نهاية»، بل يستمرّ الصراع السياسي - على العقول وعلى الأجساد - إلى الأبد، وكلّ استقرارٍ ما هو إلا نتاج هيمنةٍ تصنعها القوّة، وكلّما بدا لك هذا النظام طبيعياً وبديهياً كانت الهيمنة أكثر نجاحاً وعمقاً.
في مجالٍ متّصل، يتكلّم الكاتب السوداني محمود المعتصم عن مفهومٍ هو على مستوى «أعلى» من القضايا المرئية والسياسة اليوميّة، يسمّيه «شكل السياسة» (في كلّ مرّةٍ أقتبس فيها المعتصم، وأجد نفسي دوماً أرفق اسمه بجنسيّته، أشعر كأنّي الأميركي الأبيض الذي يستحضر على الدوام، بسببٍ وبغير سبب، صديقه الأسود الوحيد). المقصود هنا هو حزمة من المسلّمات «البنيوية» التي تقرّر شكل السياسة في بلاد الجنوب أو في «دولة ما بعد الاستعمار»: إنّك ستعيش في نظام رأسمالي مرتبط بالمنظومة العالمية... إنّ السياسة هي حقلٌ للرجال وأبناء العائلات وفئات محدّدة... أن تقبل بلا تشكيكٍ بشكل الحدود السياسية والأوطان التي رُسمت لك... إنّ أميركا سلطة مطلقة... إنّ النجاح والخروج من التخلّف يكونان عبر علاقة جيّدة مع المهيمنين وعبر تقليدهم واتباع نصائح مؤسّساتهم وخبراتها... إنّ إسرائيل واقعٌ يجب التأقلم معه، إلخ... يعتبر المعتصم أنّه إن يكن مرادك تغيير هذه «القواعد» فإنّ الأمر - بمعنى ما - لا يستحقّ، ولن تتمكّن من اقتحام السياسة من موقع الضعف. الهدف هنا هو القول بأنّ المفهوم الحقيقي للجذريّة، في عالمٍ ليست فيه يوتوبيا، لا يكون عبر اللغة الثورية والتسميات التي لم يعد لها من معنى سياسي في الواقع، بل هو يبدأ من تحدّي «شكل السياسة» هذا وتحطيمه واستبداله - وهذه هي الاستراتيجية الوحيدة الممكنة في زمن الهيمنة.
لكلّ نمطٍ من السياسة وسائله، والفكرة هي أنّك إن أردت العمل تحت سقف الهيمنة، أو التأقلم مع «شكل السياسة» و«تحسينه»، أو تؤمن بتجنّب بعض هذه الأسئلة تحت حجّة الواقعية، فالأنسب هو أن تعرّف عن نفسك كمشروعٍ إصلاحي، وأن تتواضع في توقعاتك، وتتفاوض مع النخب والنظام القائم على موقعٍ ما، فـ«الطريق الثوري» لن يكون متاحاً لك، أو سيكون مجرّد تزييفٍ لفظي. هذا له أكثر من سبب؛ من جهةٍ، فإنّ الفئات المهمّشة لن تدخل مجال السياسة والخطر والعنف من أجل مشروعٍ لا يغيّر في أساسيات حياتها وأسباب فقرها وقهرها؛ حتّى تستبدل طاقم حكمٍ بآخر «نظيف» أو لكي تلاحق الحلم الليبرالي (ليس لأنّه مستحيل بل لأنّه، وإن تحقّق، فهو لن يغيّر شيئاً أساسياً في حياة الغالبية المقهورة. هذه الطروحات التي هدفها أن تقول، بتوصيف حسن الخلف، «أنا الوجه الجميل للإمبريالية»). ثانياً، وهذه نقطة يذكرها محمود المعتصم، فإنّك حين تخوض غمار السياسة التقليدية وتعمل بوسائلها، وتدخل في لعبة الحسابات البراغماتية والتنازلات والتحالفات، فإنّك ستخسر ثقة الناس بالتوازي مع خسارة المبدئية والمثالية.
ليست كلّ حركةٍ تتحدّى «شكل السياسة» هي بالضرورة جيّدة أو ناجحة أو تستحق التأييد («داعش»، على سبيل المثال، كان يحاول «تغيير شكل السياسة»، وهذا كان من أهم عناصر جاذبيّته) ولكنّك، ما إن تخسر صلتك بالجذرية، حتى تخسر القدرة على تخيّل عالمٍ مختلف وستبني مفاهيم محدودة عن الخلاص والعدالة والعقلانية. ننتقد باستمرار، بين الأصدقاء، مفهوماً منتشراً في بلاد العرب نسمّيه «العقلانية الزائفة». مختصره أنّ الكثير من الناس في هذه البلاد المهزومة أصبحت لديهم ثقافة تعتبر أنّ الرضوخ للنظام الأميركي وحتمية الرأسمالية والوطنيات القطريّة يوازي، في ذاته، الواقعية والعقلانية والنضج، في حين أنّ كل من يتحدّى هذه المسلّمات هو، سلفاً، مجنونٌ وحالمٌ وأهوج. هو شيءٌ يشبه من يوازي بين الإلحاد والعقلانية، أو يعتقد أنّ الميتافيزياء موجودةٌ حصراً في الدين. ولكنّ المشكلة هي أنّ من يحمل هذه العقليّة كثيراً ما يكون من دولٍ عربية هي من أكثر دول العالم فشلاً وفقراً، ويكون من أهم أسباب فشلها وفقرها، ومشاكلها الجماعية والفردية: الرأسمالية وأميركا والكيانات القطريّة.

عن «الناشط الحزين»
تبدأ المشكلة من مفهوم «الناشط» في ذاته. خلقت عقود العقم السياسي رومانسية مبالغة لـ«الأحزاب» ودورها، ولكن هناك مهمّة وظيفيّة مركزية كان يتولّاها الحزب والتنظيم، هي ما يفرّق من ينشط من خلالها عن بدعة الناشط / الفرد والناشط / المحترف. ميزة الحزب والتنظيم ليست فقط في أنّها «تضبط المعنى»، أي أنّ الحزب يعطيك هُوية سياسية واضحة حين تنخرط في السياسة، مع خطابٍ له مصطلحات ثابتة (بينما كناشطٍ «مستقلّ»، أنت يمكن أن تسمّي نفسك يسارياً أو يمينياً أو أيّ شيء آخر، ولكنّك سوف تعرّف هذه الأمور بنفسك). قبل هذا كلّه، التنظيم يضع حاجزاً بينك وبين الرأسمالية حين تدخل المجال السياسي، فلا تواجهها كفردٍ وحيد. التنظيم أو الحزب، تاريخياً، يعطيك أدوات للفعل، منصّات إعلامية لكي تنشر عليها، مقداراً من الحماية، وراتباً في بعض الحالات إن تفرّغت للعمل السياسي (وبهذه المقاييس، فلن تجد في بلدٍ مثل لبنان أكثر من حزبين أو ثلاثة. حتى «تيار المستقبل»، بعدما خسر الكثير من مؤسّساته وسلطته في السنوات الأخيرة، قد لا يكون في هذه المرتبة). بالمقابل، إن أردت أن تكون فاعلاً في السياسة وأنت «ناشطٌ فرد»، «تعمل لحسابك» (freelancer)، فإنّ خياراتك واصطفافاتك سوف تشكّلها في نهاية الأمر آليات السوق الرأسمالي وحوافزه التي تحيط بك وتتحكّم بحياتك وخياراتك. في الأصل، فإنّ تعبير freelance - كما يقال - يعود إلى العصور الوسطى في أوروبا وشيوع الجنود والفرسان المرتزقة الأفراد الذين كانوا يؤجّرون حربتهم (lance) لحسابهم، وينجذبون دوماً إلى الدول ذات الخزائن الثريّة.
تحصل الحالة القصوى من العمى الطبقي حين يعتبر البرجوازي أنّ الفقير الذي يسحقه النظام ليس «على مستواه» وهو عبءٌ عليه


تقول حنّة أرندت إنّ الوحدة، أي أن تنعزل شعورياً عن مختلف فئات الناس الذين هم حولك ويشاركونك المجتمع السياسي، وأن تكتفي بحياة عقليّة فردية أو مع أفراد يشبهونك ومن طبقتك ومحيطك، هي من مسبّبات التوتاليتارية والفكر الإقصائي والأيديولوجي - بالمعنى السلبي للأيديولوجيا (كتبت الباحثة سامانتا روز هيل بحثاً عن الموضوع أخيراً، وهي تشرح فيه أنّ «الوحدة» هنا لا تعني أن تختلي بنفسك أو أن تكون انطوائياً تحبّ الانفراد، بل أن تشعر بالاغتراب عن الآخر وأنّك متروك - الوحدة بمعنى التخلّي والهجر - وهي حالة لا تزول وإن كنت محاطاً بالناس. وفي حين كان هذا النوع من الاغتراب نادراً واستثنائياً في الماضي، فهو أصبح حالةً جماعية في العصر الحديث، تقول آرندت). في لبنان، في مرحلةٍ ما العام الماضي، شعر العديد من الناشطين «الأفراد» بأنّهم يتكلّمون باسم «الشعب» وأنّ الشعب خلفهم وهم يمثّلونه. وهذا في ذاته ليس أمراً سيّئاً، فهو يجبرك على التفكير من منطلق جماعي، والتواصل مع فئات مختلفة ومتباينة من الناس وشملها في خطابٍ واحد، وهكذا يتمّ «خلق أغلبية» في السياسة. المشكلة هي أنّه، ما إن انحسرت الموجة الأولى، حتى انتقلنا إلى النقيض بالكامل، والقاعدة التاريخية هي أنه أي نشاط سياسي لا يقوده الفقراء ولا يمثّل مصالحهم يتحوّل بسرعة إلى شيءٍ سيّئ ومعادٍ للناس: أصبح لدينا الناشط البرجوازي الذي قرّر أن يحقد على الفقراء لأنهم لم يسيروا خلفه، انتشار النوادي الطبقية التي تجمع أناساً «يشبهوننا»، وهي تكره كلّ ما خارجها ويَكره بعضُها بعضاً، ولديها قاموس جديد للمصطلحات يحوّل معظم الناس إلى «آخر» معادٍ، ويسمّيهم «مناصري أحزاب» أو «تابعين» أو ما شابه، كأنّ هذه هي هويتهم الوحيدة (خطاب الطبقة الوسطى يتشابه في حالاتٍ كثيرة مع الخطاب الأيديولوجي التوتاليتاري، الذي لا يرى المجتمع إلّا كـ«كتل» و«جماهير»، صمّاء وبسيطة وغبيّة، عليك أن تقودها أو أن تخادعها أو أن تخاف منها، وأنت - الفاعل السياسي - هو الوحيد الواعي الذي يرى هذه الأمور من فوق).
الحالة القصوى من العمى الطبقي تحصل حين يعتبر البرجوازي أنّ الفقير الذي يسحقه النظام ليس «على مستواه» وهو عبءٌ عليه، وأنه - أي البرجوازي - ضحية الفقير وجهله وليس العكس. نحن هنا لا نتكلّم على نقد الثقافة السائدة بل عن الاستراتيجية السياسية، وقد خرجت في السنوات الأخيرة - في لبنان وغيره - تنظيراتٌ تناسب هذا المنظور الطبقي عن «حكم الأقلية» وأنّ الأكثرية مسجونة ومغيّبة، والأمل هو في أن يتم تنظيم النخبة الواعية وجعلها تحكم رغماً عن «الجماهير» (هذا ليس كلاماً افتراضياً أسوقه بل هو، حرفياً، خلاصة مقال كتبه ناشطٌ في «جريدة ثورية» لبنانية). كما قال الكاتب الأردني شاكر جرّار عن هذه الأوساط، فهم حين يتكلّمون على «التنظيم» لا يقصدون تنظيم الناس وتسييس الجماهير وبناء المؤسّسات وسطها، بل يقصدون تنظيم أنفسهم ورفاقهم وشللهم؛ والدرس الوحيد الذي تعلّموه من لينين هو في أن ترى كلّ شلّةٍ في نفسها مشروعاً انقلابياً.
لوم من تختلف مع خياراتهم السياسية أمرٌ سهل (مع حفظ الفارق بين أن تتوجّه إلى سياسيّ أو صاحب سلطة أو مستفيدٍ وبين أن تخاطب مواطناً مثلك يختلف معك في الرأي)؛ يمكنك أن تقرّعه «ما بالك تتبع الزعيم الطائفي أيّها المتخلّف»، ولكن هذا يتحوّل بسهولة، وفي كثيرٍ من الحالات، إلى مجرّد تشاوف طبقي وليس اختلافاً «أيديولوجياً». المعنى هو أنّ العديد من أبناء البرجوازية، مثلي، ليسوا «في حاجة» إلى «الزعيم الطائفي». ارتقوا طبقياً أو هاجروا أو يحصلون على دخلهم من الخارج، فهم لا «يحتاجون» إلى وظيفةٍ في الدولة أو حمايةٍ أو معونةٍ قد لا يجدون من دونها قوتهم. وهذا الإنسان الذي لا يملك كثير خياراتٍ لن يخاطر ويتخلّى عن القليل الذي بين يديه من أجل وعودٍ غير واضحة يطلقها أناسٌ لا يشبهونه. ولكنّ السؤال هنا يجب أن يكون معكوساً: هل يقبل البرجوازي، من أجل التغيير، أن تخسر امتيازك الطبقي؟ أن تعيش صراعاً وعنفاً لسنوات، وتتخلّى عن الاستهلاك والسيارات وحياة وسط المدينة والسفر والرواتب الأجنبية؟ أن تعيش حياةً فقيرة وإن كنت قادراً على ما هو «أرقى»، وأن تضحّي مثل الباقين حتى يتعلّم أولاد الفقراء قبل أولادك. إن كان هذا مشروعك ولم «يتبعك» الجمهور فمن حقّك أن تحزن، وإلّا فاترك الفقير في حاله.

الطريق الصعب
كتبت سابقاً عن «وهم» راسخٍ في دولٍ مثل إيران والعراق بأنّها «دول ثرية» لمجرّد امتلاكها النفط، وقلت بأنّ الثروة النفطية وحدها لا تكفي دولاً بهذا الحجم. هذا القول، في الحقيقة، يحتاج إلى توضيح: النفط لن يكفي العراق بالطبع ضمن «الشكل الحالي» للسياسة، أي أن تموّل منه دولةً هائلة، توظف الملايين، وجيشاً ضخماً محترفاً على الطريقة الأميركية، ونظام رأسمالي مشوّه، وطبقة كاملة تريد أن تعيش كالغربيين. من جهةٍ أخرى، إن كان الهدف هو أن تعلّم الناس بشكلٍ لائق وتؤمّن صحّتهم، وأن يكون المسكن والغذاء رخيصيْن للجميع لا يخضعان للسوق والربحية، وهذه عناصر الكرامة في الحياة، فإنّ مال النفط يكفي ويفيض. هذا يعني ألّا تكون هناك «برجوازية» بالمعنى المتعارف عليه في العالم اليوم، وأن يتمّ التخلّي عن الكثير من أشكال الاستهلاك، وأن يعيش أكثر الناس حياةً بسيطة، ولكنّها كريمة، من أجل أن يتعلّم أولادهم ويكون للجيل القادم حظُّ أفضل في الحياة. مال النفط يكفي لكي تؤمّن الدولة هذه الحاجات للمجتمع، وأن توجّه الثروة النفطية للاستثمار في البنى التحتية وتنمية القطاعات التي لا يقدر عليها السوق المحلّي، فيما ينمو القطاع الخاص عبر تأمين حاجات الاستهلاك الداخلي بدايةً حين يصبح الاستيراد خارج متناول الناس. هذه ليست وصفة جديدة ولكنّ هذه الصيغة تتطلّب تغييراً كاملاً في «شكل السياسة»، وهي لن تحصل عبر الليبرالية والتظاهرات، وهي قد تتطلّب عنفاً، وتحتاج - قبل أي شيءٍ آخر - أن تكون لك سيادة، وأن تتحكّم بالكامل بالعلاقة مع القوى الكبرى والسوق الدولي، ونحن في بلادٍ محتلّة، والنقاش يجب أن يبدأ من هنا.
سؤال الراديكالية هنا ليس شكلياً أو «أيديولوجياً»، ولا هو حتى خيار. في نظامنا العالمي، فإن المصير الذي ينتظرنا ضمن «شكل السياسة» المهيمن أصبح معروفاً، تتشاركه دولٌ مثل لبنان والأردن والعراق ومصر والجزائر، وإن بتفاوتٍ زمني: دول فاشلة أو شبه - فاشلة (أي مفلسة مع وقف التنفيذ)، تكبّلها الديون والأزمات، وما هو مقدار الحرية التي تكون لديك وأنت مهدّدٌ، في أيّ لحظة، بالانهيار ما إن يوقف الأقوياء الدعم والرعاية عنك؟ هذا الواقع هو بمثابة حكمٍ بالإعدام على الفئات الشعبية، التي تنحدر باستمرار إلى مزيدٍ من الفقر، فيما تتمكّن أقليّة صغيرة من الالتحاق بالطبقة الميسورة المعولمة، وستفعل أيّ شيء لكي تنتمي إلى تلك الفئة، وستكون مصالحها وخياراتها وثقافتها في تضادٍّ مع غالبية شعبها (هذا له علاقةُ بالقوة والهيمنة ولا علاقة له بـ«التنوير»). وهنا يأتيك - حتى الناشط «اليساري» - ليشرح لك أنّ المشكلة في بلادنا ليست في الرأسمالية بل في «نقص الرأسمالية»، أي أننا نحتاج إلى «رأسمالية جيّدة» بديلاً عن «الرأسمالية الفاسدة» التي لدينا. هم لا يفهمون ما قاله علي القادري عن أنّ هذه («الرأسمالية المشوّهة») هي الشكل الوحيد الممكن للرأسمالية في بلادنا في هذا الظرف التاريخي، وأن «الفساد» هو في صلبها وليس «تشوّهاً» فيها. قصة الاقتصاد السياسي للانهيار في لبنان (أو الأردن أو مصر أو العراق مستقبلاً) هي قصيرة وبسيطة: هذا النظام ولد لكي يُفلس، ولم يكن هناك من مصيرٍ آخر يمكن تصوّره له، فهو لم يُبنَ لكي يخدم شعبه أو حتى ليخدم نفسه ويضمن استمراره؛ الانهيار هو نتيجةٌ لطبيعة النظام نفسه وليس نتيجة «الفساد» ومناقصات النفايات وتوظيف المحاسيب في الجيش. والحلّ حين تقع الأزمة هو ليس في أن نلوم الفساد ونعيد تأهيل الرأسمالية المحلية بشخصيات ووجوهٍ جديدة، وفق شروط المؤسّسات الدولية وتوجيهها، بل أن تعطي الناس مخرجاً من هذه المنظومة بأكملها - وإلّا، فإنّ التغيير لن يكون إلّا شكلياً ولمصلحة نخبٍ «جديدة» تستبدل النخب التقليدية وليس لمصلحة الناس. على الهامش: الكلام عن «الفساد» في هذا الموضع هو، في حالاتٍ كثيرة، ليس حقاً كلاماً عن الفساد، بمعنى أنّ الهدف منه ليس «مكافحة الفساد» وبناء مؤسّسات رقابية قوية وهيئات مستقلّة تُحاسب إلخ، بل هو، كما يتمّ استخدامه، أشبه بـ«حجة تغيير نظام»؛ وصمة شمولية، غير محدّدة الهدف، تنزع الشرعية عن نظامٍ بأكمله؛ على طريقة تهمة «الاستبداد» في الدول السلطوية.
ما يعرّف هويتك السياسية اليوم هو اصطفافاتك: في القضية الاجتماعية وفي القضية الوطنية وفي الحياة والخيارات الشخصية. التقسيمات الأيديولوجية التي سادت في القرن العشرين لم تعد صالحةً لأنّها فقدت معناها. في مرحلةٍ ماضية، كان هناك - مثلاً - «يسار» يتمثّل في قوى دولية لديها وجود مادّي وأحلاف وتقف على صراعٍ مع النظام الغربي والرأسمالية. اليوم قامت الهيمنة باستيعاب اليسار ومفهومه، وأصبح هناك يسار ليبرالي، ويسار «جديد»، ويسار للجامعات الغربية، ويسار مع جورج سوروس، ويسار في الحزب الديمقراطي الأميركي. بل إنّي لاحظت منذ سنوات طويلة بأنّ «النموذج» الذي يجتذب اليساريين العرب من أبناء جيلي، ومن هم أصغر، هو غالباً ليس مثال اليساري الذي يلتحم بالفقراء ويخوض صراعاً لا ينتهي مع كلّ السلطات ويعيش حياةً صعبةً ومأساوية؛ بل هم يحبّون نموذج «اليساري المثقّف»، الذي يقول النصّ اليساري ببراعة وجذرية ولكنّه، في الوقت ذاته، يعيش حياةً برجوازية هانئة و«فكرية»، في الداخل أو في الخارج، ويسافر في مؤتمرات ويعلّم في جامعات وينشر كتباً ويحصل على جوائز، فتكون هكذا قد حزت الحُسنيين (والنموذج الذي يجتذبك ويحوز احترامك هو أكثر ما يخبّر عنك).في عالمٍ يتشظّى فيه الناس أفراداً وحيدين، تعزلهم عن بعضهم البعض حواجز من الخوف والطمع والهوس بالارتقاء، فلا شيء سيعيد اللحمة إلى الشعب سوى الصراع، و«الشعب» أصلاً غير موجودٍ وهو سيولد عبر الصراع، وهو يجب أن يكون عظيماً، على كلّ شيء أو لا شيء، وإلّا فلا بديل سوى الوحدة والاغتراب، والبحث عن الخلاص الفردي.