لم تمر في التاريخ الحديث، أو القديم، معركة انتخابية كالتي حصلت في الولايات المتحدة هذا العام. ولم تحظَ معركة باهتمام، وتتبع محلي وعالمي، كما حظيت معركة بايدن – ترامب على الرئاسة الأميركية لعام 2020. لكن كل هذا الاهتمام والتتبع للمعركة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة، سيبدو هامشياً أمام معارك السنوات الأربع المقبلة. أي سنوات حكم بايدن الذي سيتسلّم السلطة بشكل رسمي في العشرين من الشهر الحالي، لكنه سينوء، في البيت الأبيض تحت عبء المشاكل والقضايا. ولن يكون أقلها تعقيداً التصدي لفيروس كورونا. فما هي الملفات الشائكة التي سيجدها بايدن في انتظاره في المكتب البيضاوي؟

الملف الأوّل: استعادة وحدة المجتمع الأميركي بعدما نجح ترامب في تغذية الفصل العَمودي في المجتمع الأميركي، وكشف عن العنصرية المتجذّرة في هذا المجتمع. لقد تحوّلت العنصرية، على مدى عقود، إلى مؤسسات ذات هيكلية من الصعب تعديلها، ولا بد من إزالتها. والتغيير سيحتاج إلى عمل شاق بأسلوب بايدن، وإلى سيوف قاطعة إن أراد أن يحقق نتائج خلال فترة حكمه، وهو ليس من المعروفين باستخدام السيوف القاطعة. وهذه الجبهة القتالية تعني أن على بايدن أن يفتح ملف عنصرية جهاز الشرطة، وعنصرية المؤسسات، وعنصرية التعليم وعنصرية الصحة، إلخ. فقد ازدادت العنصرية عمقاً، وترسّخت في كل نواحي الحياة الأميركية.
الملف الثاني: يتعلّق بتنظيم محاربة فيروس كورونا وتطويرها، خصوصاً أن اللقاح الذي لم يُحسم بعد تعميمه على المواطنين في أميركا قد لا يأتي بالنتائج المرجوّة. وهذا يحتاج إلى إدارة طوارئ خاصة تُعنى بكل صغيرة وكبيرة تتصل بكورونا، وعندما نقول هذا نقصد «نفض» إدارة المستشفيات، وبناء مستشفيات جديدة، وتطوير أجهزة طبية لازمة، وزيادة موازنات البحث العلمي، والاهتمام برفع حجم ومستوى الطواقم الطبية، وتطوير جهاز التأمين الصحي والنظام نفسه. ورغم أن بايدن متأثر ببرنامج أوباما الصحي، إلا أنه مضطر لأسباب سياسية ونفسية أن يعدل ويطور بما يتلاءم مع تطبيق نظام صحي لا يحمل اسم أوباما.
الملف الثالث: إعادة ثقة المواطن الأميركي بالولايات المتحدة. من نافل القول إن تجربة ترامب، وتصرفاته إزاء العالم، وإزاء حلفاء أميركا، وإزاء البرنامج الصحي، وإزاء عنصرية الشرطة... هزّت ثقة المواطن بسلطته، وأصبحت السلطة في أميركا تتصرف كأنها طرف لا حكم. إعادة الثقة للمواطن خاصة في ما يتعلق بالديمقراطية سوف تتطلب جهدا كبيراً، وتطويراً، وتعديلاً، وإصلاحات لا حدود لها. وهذا قد يحتاج إلى هيئة أركان خاصة، وغرفة عمليات خاصة تقوم بوضع البرنامج الاستراتيجي لهذه المهمة، وترسم الخطط التفصيلية الخاصة بكل ناحية من هذه النواحي التي من المفترض أن تصب كلها في مجرى إعادة ثقة المواطن بدولته.
الملف الرابع: إعادة ثقة الحلفاء بالولايات المتحدة. وهذا يعني بشكل خاص ثقة الأوروبيين، أي الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. وهذا الملف يضم عشرات القضايا التي سبّبت اشتباكات حامية بين واشنطن ترامب، ودول الاتحاد الأوروبي. واللائحة طويلة يضيق المجال بها في هذه العجالة.
الملف الخامس : إعادة علاقة واشنطن بالأمم المتحدة. وهذا ملف يحمل مئات القضايا التي نتجت عن مواقف ترامب من الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها. بما في ذلك انسحاب واشنطن من عدد من هيئاتها، ومقاطعتها عدداً آخر من وكالات وهيئات الأمم المتحدة، ووقف مساهمات الولايات المتحدة المالية للأمم المتحدة وهيئاتها. وهذا يضم منظمة الصحة والغذاء العالمية ، واليونيسكو ، وهيئات المناخ، والأونروا... ولهذا أيضاً تشابكاته التي يضيق المجال بها.
الملف السادس: العلاقات التجارية الأميركية. ويتطلب هذا إعلان هدنة، والشروع في مفاوضات مع دول عدة أهمها الصين كي تعود العلاقات التجارية إلى نوع من الاستقرار القادر على إنعاش الأوضاع الاقتصادية للأطراف المعنية. لقد عانت الصين وروسيا وغيرهما من الدول مثل كوريا الجنوبية واليابان وأوروبا، من قرارات ترامب الأحادية، ومن العقوبات التي أفرط ترامب في استخدامها. وعلى طاولة بايدن عمليات مراجعة لها، وهذا الأمر له انعكاسات سياسية وعسكرية وأمنية، لذلك لا يحتمل إطلاقاً تعديلات طفيفة. بل يتطلب خطة عمل بطيئة وطويلة المدى، ويحتاج إلى قرارات حاسمة وسريعة، من نوع تعميم حرية السوق، وإلغاء كلّ العقوبات التي فرضها ترامب على عدد من الدول لإجبارها على الخضوع لمصلحة واشنطن. ولا بد للرئيس الأميركي المنتخب من نشر بيان خاص بسياسته حول العلاقات التجارية ليصبح دليلاً للعمل المستقبلي. فهل تدغدغ بايدن فكرة إصدار «بيان بايدن حول أسس التعامل التجاري»؟
الملف السابع: السياسة الخارجية بين الاستراتيجية والتكتيك. قد يكون هذا الملف من أهم الملفات، وأكثرها تعقيداً. فهو ملف يتضمن قضايا الحرب والسلم وقضايا اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية، ويتضمن اتفاقيات وضع حد لسباق التسلح، وملف الخطوط الحمر في الصراع الدولي، والمنافسة بين الكبار، وكذلك كلّ الملفات المتصلة بالسياسة الإمبريالية الأميركية التي تفرضها احتكارات الولايات المتحدة في التجمع الصناعي العسكري، والتجمع الصناعي التكنولوجي، والتجمع الغازي والنفطي... إذ تدفع هذه الاحتكارات الكبرى دواليب السياسة الخارجية خدمة لمصالحها. احتكارات صناعة الأسلحة (طيران، وبحرية، وآليات، وصواريخ) مثلاً، تدفع بالحكومة الأميركية نحو إشعال صراعات إقليمية مسلحة، ودموية، كي تتوسّع أسواق بيع الأسالحة كما يجري في حرب اليمن. فقد دفعت الاحتكارات صناعة الأسلحة ترامب والبيت الأبيض لتشجيع العائلة السعودية، وأنظمة خليجية تأتمر بأوامر واشنطن، على شنّ الحرب على اليمن، وتصعيدها، واستخدامها مختبراً لأسلحة وذخائر جديدة قاتلة لم يسبق لأميركا أن جرّبتها.
إن إشعال الحرب في اليمن كانت ، وما زالت وسيلة من وسائل الاحتكارات الأميركية لصناعة السلاح. وفي ميدان النفط والغاز، لزيادة أرباحها التي كانت طائلة فما بالك الآن؟ لقد نهبت هذه الاحتكارات من خلال صفقات ترامب مع ابن سلمان وابن زايد، أكثر من تريليون دولار من أموال الأمة العربية، وذلك بإشعال حرب مدمرة يُقتل فيها أطفال ونساء اليمن، ولا يجرح فيها جندي أميركي واحد، ويُقتل فيها جنود يمنيون وسودانيون ، ومن أبناء الجزيرة والخليج بأيد صهيونية، أو متصهينة كالعائلة السعودية.
الملف الثامن (والأهم بالنسبة إلينا): الشرق الأوسط. يرث بايدن الحرب على اليمن وتفرعاتها. وهي الصفقات التي وقّعها ترامب مع ابن سلمان وابن زايد... وصفقات المحمدين مع إسرائيل برعاية أميركية. لقد قطع ترامب شوطاً كبيراً حتى لا يغادر البيت الأبيض قبل تحويل مآرب الصهيونية إلى حقائق قائمة على الأرض. ولا شك في أن قمة «مجلس التعاون (التآمر) الخليجي» التي عُقدت أخيراً في العلا، كانت من تخطيط مستشار ترامب جاريد كوشنر وترتيبه. ولم يشر البيان إلى الاتفاقات السرية الحقيقية التي تنصب بمعظمها على برنامج إنشاء حلف عسكري بقيادة إسرائيل (وإن كان علم أميركا منصوباً) لتوجيه ضربات إلى محور المقاومة الذي تقوده إيران.
سيتسلّم بايدن ملف العلاقات الخارجية الأميركية، وقد نُسج جزءٌ كبير منه من قماشة صهيونية لا يستفيد منها سوى إسرائيل، والاحتكارات الأميركية. سيتسلم بايدن ملف العلاقات الخارجية الأميركية، وقد قطع ترامب نصف الطريق نحو إقامة حلف سياسي عسكري اقتصادي في الشرق الأوسط. مع التأكيد على قيادة إسرائيل للحلف الذي سيغير من التحديد الاستراتيجي لمعسكر أعداء العرب: أي تحويل إيران لتكون العدو بدل إسرائيل، وتطبيع علاقات الأنظمة المرتبطة بواشنطن مع إسرائيل تمهيداً لتسلّم إسرائيل قيادة الحلف الجديد، وجني نسبة ثلاثين في المئة على الأقل من أموال الشعوب العربية المنهوبة. سيتسلم بايدن ملف العلاقات الخارجية، وقد فرض من خلاله ترامب مقياساً للتحالف مع واشنطن، هو التحالف والتقارب مع إسرائيل، وخدمة مصالح إسرائيل، والدفاع عنها في كل المحافل.
سيتسلم بايدن هذا الملف، وجوهره القضاء على اسم فلسطين، وكيان فلسطين، وأرض فلسطين. وتهجير ما تبقى من شعبها، ومن أفلت حتى الآن من المجازر والجرائم الجماعية، وحملات التهجير. ويشتمل برنامج ترامب على ضم الضفة والجولان الفلسطيني، والجولان السوري، وأغوار الأردن، لإسرائيل. كما يتضمن الملف تغيير موقف واشنطن من القدس، بإعلان نقل سفارتها إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة موحّدة لإسرائيل، ومباركة ترامب لمشروع إقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى. وهذه الخطوات التدميرية للفلسطينيين اشترطت سياسة ترامب الخارجية على كل الدول التي تريد الحفاظ على مصالحها مع واشنطن، أن تتبعها وإلا تعاقب على ذلك. وضمن ملف ترامب التدميري الذي سيتسلمه بايدن مخطط ترامب ونتنياهو لإزالة الأونروا، وكل وكالة للأمم المتحدة تقف إلى جانب الحق الفلسطيني.
سيتسلم بايدن ملف السياسة الخارجية، وقد صاغ كوشنر وإليوت أبرامز فيه كل ما يلزم لتدمير فلسطين والفلسطينيين. لذلك يجب عدم ترك المجال طويلاً لبايدن لأن يفكر، ويبادر بأفكار ناقصة وقاصرة تتصل برتوش على النقش الذي أعده ترامب لشعب فلسطين، والشعوب العربية، ومحور المقاومة. ولقد بدأنا بالتركيز على هذه الصفحة من ملف العلاقات الخارجية الأميركية، واستراتيجية ترامب التي تعتمد استخدام القوة، والعقوبات، والعدوان لإرضاخ الدول لسياسة واشنطن، لما سيكون لهذه المنطقة من تأثير على وضع الولايات المتحدة في العالم. لذلك نقول إن السياسة التي يجب اتباعها مع بايدن يجب أن ترتكز على النقاط التالية:
أولاً: طرح قضية فلسطين بجذريتها وجذورها، والإصرار على تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338. على ألا تقبل السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، أو أي جهة فلسطينية، طرح أية حلول سوى الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي التي احتلتها في عام 1967.
ثانياً: من الأهمية بمكان استراتيجياً أن يرافق ذلك نهوض شعبي في كل مكان برفض الاستيطان، واعتبار كل ما أقيم على الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967 غير شرعي. وهذا يعني كلّ المستوطنات سواء التي شرّعها الكنيست الاحتلالي، أو التي لا تزال قيد الدرس.
ثالثاً: الإصرار على تطبيق كلّ القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة بشأن إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، والتمسّك بحق العودة. يجب أن يواجَه بايدن بهذا الموقف ليتمكن من القفز عن كل ما نفذه كوشنر، وترامب، ونتنياهو. سوف يتردد الرئيس الأميركي الجديد كثيراً في التعاطي مع هذه الأوراق لخشيته من النفوذ اليهودي الأميركي، والحركة الصهيونية، والمسيحيين الصهاينة... لكن أهمية التعامل مع الملف الإيراني ستجبره على الدخول في هذا الممر الشائك. وهذا يجعل من موقف محور المقاومة أكثر تأثيراً على بايدن من تأثير الصهيونية، إذ أنه سيلوذ بباب مصلحة الولايات المتحدة في وجه الضغوط، لكن مفتاح التعامل معه يجب ألا يكون مفتاحاً ليناً، بل يجب أن يكون مدخل القوى المقاومة على بايدن، هو مدخل القوة. وتماماً كما فعلت ايران، وما ستفعله، فقد أعلنت إيران (رداً على رسائل سرية، أو غير معلنة مع وسطاء بايدن)، بأن رفعت درجة التخصيب إلى 20 في المئة، وطالبت الإنتربول بالقبض على دونالد ترامب بتهمة القتل المتعمد، وسربت خبر تسليم إيران صواريخ مضادة للطائرات فاعلة تم استخدامها في إسقاط صواريخ إسرائيلية حاولت قصف دمشق.
رابعاً: هنالك دور لليمن، ودور لفلسطين، إذ لا يمكن أن تصبح ملفاتنا ساخنة تحرق الأصابع إذا لم نكن أقوياء... فلنكن أقوياء، ونتعامل مع بايدن على أنه سيحاول المزايدة على ترامب في شؤون الشرق الأوسط. إن عام 2021 ، هو عام الفرصة الذهبية لمحور المقاومة.
خامساً: هذا الموقف الذي نراه ضرورياً كمدخل للإدارة الجديدة لا يكفي بل يجب اتخاذ خطوات هجومية إعلامية وسياسية داخل المجتمع الأميركي، لاستثمار بداية الوعي السياسي ومعاداة العنصرية التي ظهرت خلال أزمة ترامب في أشهره الأخيرة. وهذا لا يلغي أن على محور الممانعة أن يواصل مراقبة تحركات حلف ترامب – كوشنرـــ نتنياهو ـــ ابن سلمان الذي سيستمر في العمل والتآمر لإشعال حرب أو توجيه ضربات إلى إيران من دون أن يكون بايدن على علم بذلك.
سادساً: علينا أن نحتفظ بالترياق قبل أن تتاح الفرصة لبايدن لدراسة ملف علاقات واشنطن الخارجية. علينا الحذر الشديد من عمليات ساحقة خُطط لها: فقد تحاول إسرائيل عبر التحالف الجديد ضرب مفاعل نووي قبل أن يبحث بايدن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. وهنالك مخطط تسرّبت خطوطه العريضة، لاغتيال قيادات يمنية، ولبنانية، وسورية، وفلسطينية.
الهجوم خير وسائل الدفاع. وباب العدالة مفتوح لمن يريد أن ينتصر لها.

*كاتب وسياسي فلسطيني