«نحن وعلى امتداد مئة عام... نعيش خوفاً وظلماً وجوراً وترهيباً منذ لحظة الولادة»

من خطبة للشيخ نمر النمر

«الدولة مهدّدة بالسقوط والانهيار، وما يكبح هذا التهديد إلّا الحماية الأميركية لكراسي الحكّام الذين عليهم أن يدفعوا فاتورة هذا البقاء بتنفيذ الأجندات الأميركية»
من مرافعة الشهيد النمر


«أقرّ بأنَّ جميع الخطب والبيانات التي صدرت عنّي كانت بمحض إرادتي وعن قناعة تامّة مني، وأنّني لست نادماً على ذلك، أقرّ بأنَّ حكومة هذه البلاد لا تمارس دورها الرعوي، وإنّما تكرّس دورها في التسلّط على مواطنيها بشكل عام، أقرّ بأنّه لا سمع ولا طاعة لمن يسلب حرّيتي ويسلب أمني، أقرّ بأنَّ الدولة ليست أهمّ من كرامتي بل إنَّ حياتي أيضاً ليست أهمّ من كرامتي! أقرّ بأنّني لن أتجاوب مع أيّ سؤال لا أرغب في الإجابة عليه، وأنَّ ذلك نابع من معتقدي الشرعي ومن اعتدادي بنفسي وقناعتي، وأنَّ الخيار يعود لي في الإجابة على ما أرغب أن أجيب عليه».
من إقرارات الشهيد النمر أثناء محاكمته


دورة النخبات القبلية
يقسّم الباحث خلدون النقيب تاريخ منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى أربع مراحل رئيسية: المرحلة الأولى، هي ما أُطلق عليها «اقتصاد الحالة الطبيعية»، والمقصود به «المحصّلة الدينامية للبنى الاجتماعية والاقتصادية لعلاقات الإنتاج في الخليج والجزيرة العربية بدءاً من القرن السادس عشر»، أي الطريقة التي تصاغ بها العلاقات الاجتماعية بشكل يتناسب مع تطوّر ونضج قوى الإنتاج خلال تلك الفترة الزمنية.
ويستعين النقيب، هنا، بنظرية عالم التاريخ الفرنسي فيرنارد بوردويل (العالم - الاقتصادي) World-Economy، والتي تقارب اقتصاد كلّ بقعة جغرافية معيّنة بشكل يقسّمه إلى مركز متقدّم يكون العجلة أو المحرّك الأساس لديناميكية الاقتصاد والمجتمع ككل، وتحيط بهذا المركز قطاعات ونشاطات اقتصادية طرفية هامشية أقلّ تقدّماً، في ظلّ استمرارية حالة التفاعل الاجتماعي والسياسي المتبادلة لمختلف المؤسّسات والنظم الاجتماعية بين العالمين. يُسقط، هنا، الدكتور خلدون هذه النظرية على واقع الجزيرة العربية في المرحلة التي تلت سقوط بغداد الأول، ليقسّم واقع الجزيرة العربية إلى عالَمين: المركز التجاري المتقدّم في الخليج وشرق الجزيرة والذي تناوبت على حمل ثقله كلّ من البصرة ومسقط العربيتين وسيراف وهرمز على الضفة الإيرانية. وعالم طرفي بنشاطات اقتصادية أقلّ تقدّماً زراعية ورعوية على البحر الأحمر وجنوب الجزيرة في كلّ من عدن وجدّة وعيذاب على الضفة الأفريقية. ثمّ ليستدرك النقيب إسقاطه، يبيّن اختلافاً جوهرياً عن المراكز المتقدّمة التي أشار إليها بورديل في نظريّته، حيث يكون ثقلها المدن الرأسمالية المستقلّة كالبندقية وأمستردام ولندن، وعليه يكون حكمها بيد التجار. ففي العالم - الاقتصادي في الجزيرة العربية، كانت المراكز ترزح تحت رحمة الأرستقراطية القبلية بصفة مستديمة، وبنمط يكون فيه كلا العالمين تحت مظلّة الإمبراطوريات من المماليك وصولاً إلى العثمانيين.
تنتهي وتتحوّل حالة المركز والهامش في العالم - الاقتصادي بهذا الشكل، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين أنتج وصول القوى الإمبريالية الغربية انتقال الثقل الاقتصادي من المدن التجارية التقليدية على الساحل، كالبصرة والكويت والبحرين والقطيف، إلى الداخل القبَلي. لكن قبل القفز للمرحلة التاريخية التي تلت انهيار الحالة الطبيعية على يد الاستعمار البريطاني، فإنّه من المهم تتبّع أسباب ومآلات ترهّل، ثم انهيار، هذا النمط الاجتماعي والاقتصادي.
يستمر الدكتور الكويتي المولد البصراوي الأصل، في ما يسمّيه فكّ لغز القرون الثلاثة ما بين السادس عشر والتاسع عشر، ليبيّن أنّ عملية التفاعل بين المراكز التجارية ومحيطها تسير باتجاهين: الأول خارجي من ضمن عوالم اقتصادية أوسع في تقسيم عمل دولي في العالم ما قبل الرأسمالي، بشكل أدّى إلى ازدهار هذه المدن وعمليّاتها التجارية الإقليمية، وساهم في تحويل بحر العرب إلى بحيرة تهَيمن عليها السفن العربية، وفي تشكيل ما أسماه مركنتالية عربية - إسلامية؛ إلى درجة تذرُّع البرتغاليين بالمنطلقات الصليبية للولوج إلى المنطقة، وأخذ حصّة من كعكتها الاقتصادية والتجارية، على أمل الهيمنة التامة عليها. وهو أمر فشل فيه المستعمرون البرتغاليون والهولنديون، ثمّ نجح فيه الإنكليز نجاحاً باهراً. أما الاتجاه الثاني، فكان داخلياً بشكل يولّد تحالفات قبلية محيطة بالمراكز التجارية، وتتفاعل معها، سواء بالغزو أو بالمسابلة، وهي العملية التجارية القبلية - الحضرية الموسمية، التي تقوم بها القبائل مع المدن حيث يوفّرون عبرها الخيول والمواشي ومنتجاتها وغيرها.
كان النمط التجاري المهَيمن على المنطقة خلال تلك الحقبة، تجارة المضاربة (Peddling Trade)، والتي تعدّ أبرز العمليات التجارية في الجزيرة العربية، حتى من قبل الرسالة المحمدية، وهي عقد بين شخصين يعطي فيه أحدهما مالاً للآخر ليتّجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، وسمّيت بالمضاربة لأنّها تستلزم «الضرب» أي السفر والترحال. ولهذا النمط خصائص بارزة، وهي ازدهار وارتفاع أسعار «الإتاوات»، وهي المبالغ المادية التي يدفعها التجّار لحماية تجارتهم في البر والبحر. فإلى جانب الرسوم الجمركية - المكس أو المكوس - بشكلها التاريخي، آنذاك، وبالإضافة إلى عمليات جباية الضرائب، أدّت الإتاوات إلى حالة أدخلت مؤسّسة الحكم السياسية حينها، من مشيخة قبيلة أو سلطنة، في الإطار الاقتصادي بوصفها وكالات (Enterprises) تستعمل العنف المنظّم لبيع وإنتاج نوع من الخدمات، وهو حماية الرحلات التجارية. ولم يتغيّر هذا النمط التجاري حتى وصول الاستعمار الغربي تحت عنوان «شركة الهند الشرقية»، والتي أدخلت نمط التجارة التضامنية (Corporate) ثم لتتلوها المصالح الإمبريالية الغربية المباشرة والمنظمة.
من هذه الخلفية، أطلق خلدون النقيب اسماً على ظاهرة دورة اختفاء وظهور مختلف المشيخات في الخليج والجزيرة العربية بـ«دورة النخبات القبلية»، حيث يحيل ظهور البوسعيد في عمان وآل سعود في نجد وإزاحتهم للخوالد في الأحساء وآل الرشيد شمال نجد، وبروز القواسم وسلاطين لحج في عدن بشكل مباشر، إلى ثلاثة عوامل: أولاً، الضرائب التي يحصلون عليها من التجّار؛ وثانياً، أرباح الإتاوات؛ وثالثاً، ازدهار الغزو وفرض الخوة. لترتبط تاريخياً قوة وضعف هذه العوامل الثلاثة، بشكل مباشر، بدورة انحطاط وازدهار التكتلات القبلية الحاكمة المختلفة في الخليج والجزيرة العربية.
فمثلاً، ينقل ابن بشر عن الاتفاق الشهير بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب - والذي أسّس ما يُطلق عليه «تحالف الشيخ والأمير»، وبدء ما تشير إليه الرواية والسردية التاريخية الدينية السعودية المعاصرة بنشر دعوة إسلامية أصيلة تقضي على مظاهر «الشرك» في الجزيرة - أنّ محمد بن عبد الوهاب كتب صراحة للأمير محمد بن سعود ليحفّزه على الدعوة الوهابية، التالي: «لعلّ الله يفتح لك الفتوحات فيعوّضك الله من الغنائم (عبر الجهاد) ما هو خير منها (الزكاة الشرعية)». وتشير الغنائم، هنا، إلى نوع من الإتاوات والضرائب، التي كما ذكرنا، تلعب دوراً مهمّاً في تمويل النخب الحاكمة في مدن الخليج، أو كما هي الحال هنا في المدن الداخلية في نجد. وخلافاً لعصر النفط الحالي، حيث يلاحظ الباحث الفلسطيني آدم هنية استحالة الفصل بين النخب الحاكمة الخليجية والطبقة البرجوازية، فإنّ الوضع التاريخي للمؤسسات / العوائل الحاكمة في الموانئ والمدن، قبل النفط، جعلها على مسافة مستقلّة عن طبقة التجّار والغوّاصين والمزارعين، حيث - وتحت الرعاية المباشرة من الاستعمار البريطاني بُعَيد وصوله - تجبي منهم الضرائب بقوة قصرية، عبر الميليشيات القبلية أو ما يسمى «الفداوية»، أي المستعدّين لفداء أرواحهم في حماية للأمير.
من الممكن اختصار ملامح ترهّل وانحدار «اقتصاد الحالة الطبيعية»، مع وصول البرتغاليين إلى المنطقة، مطلع القرن السادس عشر، ثم شركة الهند الشرقية مطلع السابع عشر. فمع وصول الاستعمار الغربي وهيمنته على الموانئ والمدن الساحلية الخليجية، انتقل الثقل السياسي والاجتماعي إلى الداخل، أي أنتج التواجد الاستعماري ما هو أشبه بانقلاب في العوالم - الاقتصادية من ثقلها المديني الساحلي إلى الداخل القبلي الزراعي - الرعوي، لتُظهر ما تسمى بـ«الدولة» - لفظ الدولة هنا ليس بدقيق - السعودية الأولى أي تحالف الغزو القبلي النجدي تحت المظلّة المذهبية الوهابية وتوسّعه جغرافياً. ولم تشكل الحملة السعودية الحالة الوحيدة لهذه التحرّكات المذهبية / القبلية الطابع، التي امتدت من الداخل إلى الساحل، بل أيضاً شهد اليمن تحرّكاً زيدياً من الجبال إلى السهول في عهد الإمام المتوكّل، وتحرّكاً أباضياً من الديار القبلية إلى مسقط.

إنّ ما يجب فهمه عن شخصية الشهيد النمر هو وضعها في سياقها السياسي والاجتماعي التاريخي


ومنذ بدايات القرن التاسع عشر، أدى وصول الاستعمار البريطاني إلى مرحلة ما يسمى «الأمن البريطاني» (Pax Britannica) ونهاية اقتصاد الحالة الطبيعية، وعليه توقّف دورة النخبات القبلية أو الدورة السلالية بتعبير ابن خلدون بشكلها المعهود. إلّا أنّ انتهاء الدورة لا يعني انتهاء حكم النخب القبلية، حيث تحوّلت العوامل الداخلية لازدهار وانحطاط المشيخات، إلى عامل رئيس أوحد وهو العامل البريطاني الخارجي - والأميركي اليوم - الذي عمل على تثبيت الحكم القبلي عبر معاهدات، أبرزها معاهدة «الصلح الأبدي» عام 1853، واتفاقية العقير مع ابن سعود عام 1915. والتي أدّت إلى نشوء دول على هيئة بيروقراطية منظمة بتركيبة طائفية - قبلية، والتي تمثّل الخلفية التاريخية والسياسية لواقع أنظمة ومجتمعات الخليج اليوم.
أتى الدعم البريطاني للحركة السعودية الثالثة بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود، من ضمن مشهد تقسيم المنطقة، بالتوازي مع سايكس - بيكو، حيث يؤكّد النقيب وجوب عدم فصل التأطير البريطاني لتحرّكات النخبات القبلية داخل حدود معيّنة في داخل إطار الجزيرة، خصوصاً التحرّك السعودي، من السياق العام لسايكس - بيكو.، ليتّخذ أشكالاً مختلفة من الدعم المادي والعسكري المباشر، كما في معركة السبلة المفصلية عام 1929 وتدخّل الطيران البريطاني لمساعدة قوات ابن سعود. وكذلك، ومع تدهور العوامل المادية الداخلية لاستمرار الحكم السعودي، سواء كان لسبب نهاية تجارة اللؤلؤ مع ظهور صناعة اللؤلؤ اليابانية، أو توقف الحج عملياً بداية الأربعينيات على إثر الحرب العالمية، موّلت الإمبراطورية البريطانية الموازنة السعودية لضمان بقاء استمراريتها.

مئة عام من التهميش
في إحدى أبرز خطبه التصعيدية، إبّان الانتفاضة الثانية لمحافظة القطيف شرق السعودية، وضع الشهيد نمر النمر موقفه السياسي «ظلم وجور وترهيب» ضمن إطار زمني على امتداد مئة عام، أي منذ العقد الثاني من القرن العشرين تقريباً. يعزو الشيخ بداية عهد الظلم كأغلب سكان منطقته إلى عام 1914 تحديداً، وهو العام الذي سيطر فيه عبد العزيز بن سعود على الحامية العثمانية في الأحساء، ومن ثم فرض سيطرته على القطيف - محافظة الشيخ النمر - متفقاً مع وجهائها وأعيانها الذين ارتأوا أنّ الخضوع لمسلم ضمن شروط ضريبية ودينية متعلّقة بطقوسهم الدينية خير من اللجوء إلى «الكفار»، أي المستعمرين الإنكليز المتموضعين في جزيرة البحرين. شروط لم تطبّق، بل ضاعف ابن سعود الضرائب لتمويل حملاته العسكرية ضد باقي مجتمعات وقبائل الجزيرة، ليُنتج ذلك إشعال الشيخ محمد بن ناصر النمر بين عامَي 1929 - 1930 - وهو جدّ الشيخ نمر النمر - انتفاضة في قرية العوامية على الوجود السعودي، رفضاً لزيادة ابن سعود للضرائب لتمويل حملاته العسكرية، وكذلك رفضاً لحملات التبشير والقمع على أساس ديني الذي تمارسه العصابات الوهابية. وبشكل شبيه لتحرك حفيده، انتهى تمرد الشيخ محمد النمر بتواطؤ من وجهاء المنطقة من العوائل الإقطاعية، حيث أصدر الشيخ عبد الكريم الخنيزي حينها فتوى توجب الطاعة للملك عبد العزيز وتمنع ممارسة العنف تجاه العصابات الوهابية في المنطقة.
وبالرجوع إلى الدكتور النقيب، فوفقاً له، تنقسم هذه المرحلة التاريخية - المئة عام الأخيرة - إلى قسمين: الأول، هو مرحلة الدولة الريعية التي تزامنت مع اكتشاف النفط، والثاني مرحلة أسماها الدولة التسلّطية والتي بدأت على إثر الطفرة النفطية في السبعينيات، والتي تضخّمت على إثرها أجهزة الدولة الخليجية وبيروقراطيتها، وبالتالي سطوة النخب الحاكمة على المجتمع والشعب.
ومع اكتشاف النفط، تطوّرت آلية استحكام النخب القبلية أو المشيخات، إلى احتكار للنفط وريعه بشكل يتقاسمونه مع البريطانيين بنسب مختلفة، وفق ظروف كلّ قبيلة حاكمة وشروط المستعمرين البيض. وعليه، أفضى هذا الريع وآلية توزيعه إلى بناء تضامنيات وشبكة علاقات وشائجية عملاقة قائمة على الولاء القبلي والمذهبي والمناطقي، ليكون ذلك جذر صعود الطبقة الرأسمالية الخليجية اليوم كما يشير هنية. ولنصل إلى مشهد تتركّز ريوع النفط في مناطق الحكم السعودي في نجد - العاصمة الرياض ومحيطها - وتهميش طبقي لما دونها على أسس هوياتية مناطقية وطائفية وللعمالة المهاجرة.
انعكست هذه الجدلية بين المركز والهامش على هيئة صراع سياسي مديد ضد السلطة السعودية، صراع تغيّر حجمه وعناوينه وألوانه على مدى العقود، وتحت مظلّة التطوّرات السياسية العربية العامة. ففي أوج المد القومي واليساري العربي في الخمسينيات والستينيات، اتخذ التناقض مع السلطة السعودية طابعاً «تقدّمياً» هيمن على هذه التيارات، لتنتج الإضرابات العمالية الشهيرة ضد شركة النفط «أرامكو» ولتتطور على هيئة أحزاب وتيارات مختلفة لتشكل حراكاً سياسياً انتهى إلى الفشل. فشل تزامن سببياً مع الطفرة النفطية، والتي ضخّمت شبكات الريع لتشمل المتمرّدين على الحكم السعودي، سواء كفرص اقتصادية ووظيفية تارة أو بشكل مباشر عبر اتفاقات بين السلطة ومختلف التيارات العاملة في الخارج للرجوع تحت مغريات امتيازات اقتصادية. فكما يشير الاقتصادي الإيراني حسين مهدوي في دراسته للاقتصاد في إيران، خلال الستينيات والسبعينيات، إلى علاقة مباشرة بين الحالة الريعية والجمود السياسي والاجتماعي لأي مجتمع، شكّلت الثمانينيات جموداً سياسياً في الخليج. إلّا أنّه مع بداية الفترة التي وصفها النقيب بالدولة التسلطية تصدّرت الحركات الإسلامية على مختلف مشاربها المشهد، لتتسلّم عصا التمرد خصوصاً مع المد الإسلامي العام الذي شمل الوطن العربي والعالم الإسلامي بأسره. ومع بدء الانحدار السياسي للحراك تحت العناوين اليسارية نهاية السبعينيات، شهدت القطيف انتفاضتها الأولى في محرم عام 1400 هجرية، متزامنة مع أحداث الحرم المكي لجهيمان العتيبي، ولتنتج مآلاتها موجة هجرة جديدة للناشطين السياسيين إلى الخارج، وليكون الشيخ نمر النمر من ضمنهم.
خاضت الحركات الإسلامية مغامرة سياسية معارضة للسلطة السعودية حتى مطلع التسعينيات، عندما وصلت إلى اتفاق سياسي مع الملك فهد بن عبد العزيز، الذي أصدر عفواً عن كوادرها، ليعودوا ويعتزلوا العمل السياسي تحت مغريات مالية وتجارية. وللمفارقة، كان ذلك مع تزامن بدء الطفرة النفطية الثانية في مشهد مطابق لحراك اليسار والقوميين في السعودية. لم يوافق الشهيد النمر على هذه التسوية السياسية، إلّا أنّه رجع إلى البلاد ليؤسّس حوزة دينية ويؤمّ مسجداً صغيراً - هدمت السلطات هذا المسجد انتقاماً منذ أسابيع - في قريته العوامية. رغم ذلك، استمر النمر وبشكل وحيد تناقضه مع السلطة خصوصاً مع اتضاح فشل اتفاق عام 1993، ليخوض صراعاً مع السلطة متراوحاً بين الشدّ والجذب. فبين عريضته غير المسبوقة تاريخياً بجرأتها وتفصيلها على مدى عقود من سياسة إرسال العرائض إلى الأمراء التي اتخذها وجهاء المنطقة - أو ما يطلق عليها الباحث حمزة الحسن «العمل الوجهائي» موثِّقاً تاريخ هذه الظاهرة تحت عنوان «العمل المطلبي في مئة عام» - حيث لم يجامل فيها بحرف وأرسلها إلى أمير المنطقة الشرقية محمد بن فهد عام 2007، ليطالبه بالإصلاحات «والحرية والعدالة والقسط» كما كرر فيها مرّات عدّة، إلى تصعيده الناري في خطبه عام 2009 إثر صدامات طائفية في المدينة المنورة ليضطرّ بعدها للانكفاء خشية الاعتقال والملاحقة.
ثم ليبرز من الجديد مع الحراك الجماهيري العربي، عام 2011، ويدعم ليس فقط من على منبر مسجده بل ومباشرة في الشارع انتفاضة جديدة شكّلت أوسع وأكبر انتفاضة جماهيرية في تاريخ الحكم السعودي وأكثرها دموية ليتم قطع رأسه على إثرها. شكّل النمر عبر تلك الانتفاضة امتداداً طبيعياً وأصيلاً لصوت الجماهير العربية، فلم تحد مواقفه حدود ليتخذ موقفاً واحداً لا مواربة فيه من جميع الأنظمة العربية. فرداً على اتهامه بالطائفية، يجيب النمر في مرافعته: «لم أتحدث عن أهل البحرين والقطيف كونهم شيعة فلم أقل شيعة البحرين بل أهل البحرين، وانتقدت النظام في سوريا فحديثي عن المظلومين والمضطهدين في البحرين وسوريا، كما قبل ذلك عن تونس ومصر واليمن وليبيا».
في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، وصف المستشرق السويسري توبي ماثيسين، وهو صاحب مؤلّفات عديدة عن تاريخ انتفاضات الخليج، الشيخ النمر بـ«أكثر شهيد لم يُفهم في العالم». حيث سرد تاريخ النمر وخروجه وعودته إلى المملكة مفصّلاً تعقيد العلاقة التاريخية بين الشيخ والجمهورية الإسلامية في إيران، ضمن إطار صراع مختلف التيارات السياسية الإسلامية الشيعية. فالنمر ينتمي تاريخياً إلى تيار المرجع الشيعي محمد الشيرازي، والذي خاض صراعاً وتناقضاً مع التيار الديني الحاكم في إيران، بل إنّ الشيخ النمر كان قد تعرّض للاعتقال في إيران خلال الثمانينيات ليضطرّ لمغادرتها، ليكون الفاعل السياسي الوحيد الذي تعرض للاعتقال في كل من المملكة السعودية وإيران.
إلّا أنّ عدم فهم شخصية شهيد كشخصية النمر تتعدّى ضيق اختزال تعقيد العلاقة مع الجمهورية الإيرانية، سواء لغرض التقليص الطائفي الكسول للشخصيات السياسية العربية عبر انتماءاتها العقدية والطائفية، أو للغاية السياسية المباشرة عبر الكذب المحض. صعوبة فهم شخصية الشيخ نمر تتخذ أبعاداً عدّة، منها المعضلة الفلسفية الأزلية لفهم الشهيد والشهادة، خصوصاً لرجل وضع ذاته رغم مكانته الاجتماعية المفترضة كرجل دين ضمن سياق المضحّين بذواتهم من الشباب واليافعين ضمن حراك جماهيري ليصدح من منبره: نسجن معهم - فسُجن - نعذّب معهم - فعُذّب، ووصف ألم جرح الطلقة وهو في زنزانته «وكأنّ لحمه يُنهش» - ونقتل معهم فقُتل. بل رحّب بالموت ترحيباً من على منبره وتكلّم عن موته وشهادته حتى قبيل اعتقاله، وكأنما يراه رأي العين.
إنّ ما يجب فهمه عن شخصية الشهيد النمر، هو وضعها في سياقها السياسي والاجتماعي التاريخي. فمنذ بداية عصر حكم مختلف النخبات القبلية في الخليج والجزيرة العربية وثباتها على قبيلة محدّدة منذ قرابة القرن، لم يشهد تاريخها شخصية تقف ضدها ومن تحت سلطتها المباشرة بهذه الصراحة والشجاعة ورباطة الجأش، ليقول مثلاً أثناء محاكمته: «لا بدّ أن تنتهي الملكية والحكم الوراثي، بل سوف ينتهي حتماً، الواقع والتاريخ يشهدان على ذلك، حيث لم يكن آل سعود حكّاماً قبل 250 عاماً حكم قبلهم أناس وأناس».

خاتمة
في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، وقف سقراط أمام جمع من قضاة أثينا قبل إعدامه وخطب خطاباً لا يهدف فيه إلى النجاة بأيّ ثمن، وعلى الأخص ثمن الاستعطاف المهين، قال فيه: «أنا لن أفعل كمثل أولئك الذين يظنّون أنّهم وهبوا الحياة خُلداً والذين لا يملكون شجاعة، حسناً، لقد حانت ساعة الرحيل، يجب علينا أن نذهب، كلّ في طريقه، أنا للموت وأنتم للحياة، أيهما الأفضل؟ العلم لله وحده». أما في بداية القرن الواحد والعشرين، وقف الشهيد النمر أمام القاضي قائلاً: «لست نادماً، ونعم لقد انتصرت لهم في مطالبهم بالكرامة والأمن والعدالة والحرية والعيش الكريم، لن أطلب براءتي فأنا على يقين منها، وأنا الآن أنتظر المحكمة الكبرى التي لا يُظلم فيها أحد، محكمة الله وحده».
على الرغم من طول الأمد النسبي وتعقيد تناقض جدلية هامش النفط ومركزه، وانعكاس ذلك على بنية الدولة الخليجية وقدرتها الترغيبية والترهيبية، برز الشهيد النمر بشكل ملحمي أشبه بالملاحم الأسطورية، حيث تكفي قراءة مرافعته شامخاً وصوتاً صادحاً عبر ما أسماه هو بـ«زئير الكلمة»، ليكون بحقّ رمزاً للمهمّشين في جزيرة العرب، ومصداقاً لبيت شعر معلقة شخصية أخرى من أرض البحرين الشاعر الجاهلي طرفة بن عبد في القرن السادس ميلادي:
أَلاَ أَيُّها اللائِمي أَشهَـدُ الوَغَـى .. وَأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِـدِي
فـإنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيْـعُ دَفْعَ مَنِيَّتِـي .. فَدَعْنِـي أُبَادِرُهَا بِمَا مَلَكَتْ يَـدِي
* كاتب من السعودية مقيم في أمستردام