في 23 كانون الأول/ديسمبر، أصدر الرئيس الأميركي المغادر دونالد ترامب، قبل انتهاء ولايته بأربعة أسابيع، عفواً عن المحكومين من أعضاء شركة «بلاك ووتر» الذين ارتكبوا «مجزرة ساحة النسور» في بغداد بتاريخ 16 أيلول / سبتمبر 2007. وذهب ضحيّتها 17 شهيداً و20 جريحاً، كان بينهم أطفال وطلاب. فما هي مفاعيل هذا العفو؟

للإجابة، علينا العودة إلى الولاية القضائية، هل هي للقضاء العراقي أم للقضاء الأميركي؟
لقد ارتُكِبَت الجريمة ضدّ عراقيين وعلى الأرض العراقية، فهي تقع مبدئياً تحت ولاية القضاء العراقي، إذ نصّت المادة 6 من قانون العقوبات العراقي، على غرار كلّ قوانين العقوبات في العالم، على أن «تسري أحكام هذا القانون على جميع الجرائم التي ترتكب في العراق...». إذاً، كان من الواجب أن تلقي القوات الأمنية العراقية القبض على هؤلاء المرتكبين وتحاكمهم وتنفّذ الحكم بهم. إلّا أنّ الذي حصل أنّ القوات الغازية أرسلتهم إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم. فهل كان هذا من حقّها؟
يمكن أن تثار هنا مسألة الحصانة التي تذكرها المادة 11 من قانون العقوبات العراقي، التي تنصّ على أنه «لا يسري هذا القانون على الجرائم التي تقع في العراق من الأشخاص المتمتّعين بحصانة مقرّرة بمقتضى الاتفاقيات الدولية أو القانون الدولي أو القانون الداخلي». فهل أفراد شركة «بلاك ووتر» الذين ارتكبوا المجزرة يتمتّعون بالحصانة؟
نعود هنا إلى الاتفاقية العراقية الأميركية. هذه الاتفاقية أُبرِمَت في ظلّ الاحتلال الواقعي للعراق. فقد مرّ احتلال العراق بمرحلتين: الأولى من 20 آذار / مارس 2003 حتّى 30 حزيران / يونيو 2004، وهي عدت، بالقرار 1483 (2003)، مرحلة احتلال حربي. والثانية بعد 30 حزيران / يونيو 2004، حين «تسلّمت» السلطات العراقية الحكم نظرياً بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1546. ولكنّ حرّية العراق كانت مقيّدة، خصوصاً بوجود قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والتي لم تنسحب قبل 31 كانون الأوّل / ديسمبر 2011. وبناءً على ذلك، لا يكون العراق مقيّداً بهذه الاتفاقية بناءً على المادة 52 من اتفاقية قانون المعاهدات لسنة 1969، التي تنصّ على أن «تكون المعاهدة باطلة إذا تمّ التوصل إلى عقدها بطريق التهديد أو استخدام القوّة بصورة مخالفة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة». وإذا تغاضينا عن عدم شرعية الاتفاقية، ودخلنا في بنودها، فإننا نلاحظ الآتي:
تنصّ هذه الاتفاقية على أنّ «للعراق الحقّ الأوّلي لممارسة الولاية القضائية على أفراد قوّات الولايات المتّحدة وأفراد العنصر المدنيّ بشأن الجنايات الجسيمة المتعمّدة وطبقاً للفقرة الثامنة (8)، حين ترتكب تلك الجرائم خارج المنشآت والمساحات المتّفق عليها وخارج حالة الواجب (م12/1)». إذاً، لا يحقّ للجهات العراقية أن تمارس ولايتها القضائية إذا كانت القوّات تقوم بالواجب. لكنّ عناصر «بلاك ووتر» قتلوا المدنيين العراقيين من دون أن يكون هناك اشتباك، فهل هذا قيام بالواجب؟ وهل «بلاك ووتر» من القوّات أو من العنصر المدني؟ إنّها ترتبط مع القوّات الأميركيّة بعقود. وتنصّ الفقرة الثانية من المادّة الأولى على أنّ «للعراق الحقّ الأوّلي لممارسة الولاية القضائية على المتعاقدين مع الولايات المتحدة ومستخدميهم». فمن هم المتعاقدون المقصودون هنا؟
الجواب يجب أن يكونوا شركة «بلاك ووتر» وغيرها. وإذا فهم أنّ «بلاك ووتر» لا تشملها هذه الصفة، فهي إمّا من العنصر المدني وإمّا من القوّات.لكنّ هذا تفسير ضعيف. إذاً، هي تخضع مبدئيّاً للولاية القضائيّة العراقيّة، أو هي، بطريقة ما، تخضع للولاية القضائية الأميركية إذا ارتكبت جريمة مقصودة لكن أثناء القيام بالواجب. ولمّا لم يكن قتل المدنيين، خصوصاً خارج أيّ اشتباك، من الواجب، فالولاية تعود للقضاء العراقي. إذاً، أيّاً يكن وصف «بلاك ووتر»، فهي تخضع مبدئياً للولاية القضائية العراقية.
إلّا أنّ هناك شروطاً لممارسة الولاية العراقيّة، فالمادة 12/2 تفرض شرطاً في حال كانت الولاية للقضاء العراقي، نصّت عليه الفقرة (8) التي تفرض أنّه «لا يجوز ممارسة الولاية القضائية عملاً بنصّ الفقرة (1) من هذه المادة إلا وفقاً لمعايير سوف تضعها اللجنة المشتركة»، وهي كناية عن «إجراءات وآليات لتنفيذ هذه المادّة، تشمل سرداً للجنايات الجسيمة المتعمّدة التي تخضع للفقرة (1) وإجراءات تفي بمعايير المحاكمة المشروعة والضمانات». فهل وضعت هذه الإجراءات والآليات؟ كذلك، تنصّ الفقرة السادسة على أنّ الولاية مشروطة بإعلام القوّة الغازية خلال 21 يوماً من اكتشاف الجريمة، وبكون الولاية ذات أهميّة خاصّة في القضية المطروحة.

مكان التوقيف
يجري توقيف الأميركيّين من أفراد القوّات أو العنصر المدني، دائماً في مقرّاتهم. فإذا ألقت القوات العراقية القبض على بعضهم، فعليها «إخبار سلطات قوات الولايات المتحدة بذلك فوراً وتسليمهم لها خلال 24 ساعة من وقت الاعتقال أو الاحتجاز (م12/3)»، ليجري احتجازهم لديها، وهي تقدّمهم «إلى السلطات العراقية لأغراض التحقيق والمحاكمة» (م12/5).
وماذا يجري إذا صدر حكم بالسجن؟ هل ينفّذ في العراق أم في الولايات المتحدة؟ المسألة لم تنصّ الاتفاقية عليها، لكن يفهم من النصّ السابق أنّ العقوبة تنفّذ في الولايات المتحدة، لأنّ الفقرة الخامسة تسمح بتقديم المتهم فقط للتحقيق والمحاكمة.

في قرار العفو
وإذا تغاضينا مرة أخرى عن كلّ هذا وذهبنا إلى قرار العفو، فهل هو شرعيّ؟ إنّ العفو غير المبرّر عن مجرمين محكومين بهذا النوع من الجرائم هو عمل غير مشروع، لتناقضه مع الأخلاق والقيَم والمبادئ الإنسانية. وهو غير شرعي لسببين:
1 - هو عمل لا يخدم أيّ مصلحة عامة، لا عراقية ولا حتّى أميركية. وهذا أمر واضح من جرّاء استهتاره بالدم العراقي، من جهة، وضرره بسمعة أميركا، من جهة أخرى، وكونه يستجيب لعقلية العنصريين الأميركيين وما يتصوّره ترامب مصلحة له، ما يجعل ممارسته انحرافاً بالسلطة détournement du pouvoir وتسخيرها لأغراض خاصّة.
2 - معارضته المبادئ والأعراف القانونية، التي تقضي بعدم إفلات من يرتكبون أخطر الجرائم من العقاب. وهذا يظهر من تشديد القانون الدولي على قمع مثل هذه الجرائم. فما هو نوع هذه الجريمة؟
إنها جريمة ضدّ الإنسانية بحسب مبادئ «نظام نورمبرغ»، وبحسب تعريف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ينصّ المبدأ السادس من «نظام نورمبرغ»، (الفقرة ج)، الذي تبنّته الأمم المتّحدة بقرارها الرقم 95 (1) لسنة 1946، على أنّ الجريمة ضدّ الإنسانية تشمل «القتل والإبادة... عندما ترتكب إثر جريمة ضد السلام أو جريمة حرب أو باتّصال بهاتين الجريمتين». وقد تحقّق اتصال الجريمة بجريمة الحرب التي تقوم على خرق قوانين وأعراف الحرب، وخصوصاً قتل المدنيّين في النزاع المسلح. وتنصّ المادّة 7/1، من نظام المحكمة الجنائية الدولية، على أنّه «يشكل أيّ فعل من الأفعال التالية، جريمة ضد الإنسانية، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجيّ موجّه ضدّ أيّة مجموعة من السكّان المدنيّين، وعن علم بالهجوم: أ) القتل العمد...
فهل يجوز العفو في هذه الجريمة وأمثالها؟
إنّ وضع اتفاقية لـ«عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية» عام 1968، يؤكّد الضرورة القصوى لمعاقبة من يرتكبون هاتين الجريمتين، ويؤيّد ذلك ما ورد في مقدّمة الاتّفاقية التي تقول: «... وإذ ترى (الأطراف المتعاقدة) أنّ جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضدّ الإنسانية هي من أخطر الجرائم في القانون الدولي. واقتناعاً منها بأنّ المعاقبة الفعّالة لجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضدّ الإنسانيّة عنصر مهم في تفادي وقوع تلك الجرائم وحماية حقوق الإنسان والحرّيات الأساسيّة وتشجيع الثقة وتوطيد التعاون بين الشعوب وتعزيز السلم والأمن الدوليّين».
وورد في مقدمة نظام المحكمة الجنائية الدولية، فقرة 4: «... وإذ تؤكّد (الأطراف المتعاقدة) أنّ أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمرّ دون عقاب وأنّه يجب ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعّال من خلال تدابير تتّخذ على الصعيد الوطني وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي. وقد عقدت العزم على وضع حدٍّ لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب وعلى الإسهام بالتالي في منع ارتكابها».
كما ورد في اتّفاقيات جنيف لعام 1949 (المـواد: 49 من الاتفاقية الأولى و50 من الثانية و129 من الثالثة و146 من الرابعة): «يلتزم كلّ طرف متعاقد بملاحقة المتّهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها، وبتقديمهم إلى محاكمة، أيّاً كانت جنسيّتهم...».
وأكّد القانون الدوليّ على التعاون بين الدول في مجال معاقبة المجرمين، فقد ورد في البروتوكول الأوّل الملحق باتّفاقيات جنيف لعام 1949، المادّة 88:
1 - تقدّم الأطراف السامية المتعاقدة كلّ منها للآخر أكبر قسط من المعاونة في ما يتعلّق بالإجراءات الجنائيّة التي تتّخذ بشأن الانتهاكات الجسيمة لأحكام الاتّفاقيّات أو هذا الملحق «البروتوكول». وأكّد ذلك المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتّحدة بقراريه: 1074 بتاريخ 28 تموز / يوليو 1965، و1158 بتاريخ 5 آب / أغسطس 1966 بشأن معاقبة مجرمي الحرب والأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضدّ الإنسانية.

كان من الواجب أن تلقي القوات الأمنية العراقية القبض على هؤلاء المرتكبين وتحاكمهم وتنفّذ الحكم بهم


إضافة إلى كلّ هذا، يمكن أن يعدّ العفو، لا سيّما الخاصّ كالذي نحن بصدده، من آثار سلطة الملوك القضائيّة، إذاً هو يعدّ من الصلاحيّات القضائيّة لرئيس الدولة، كما يرى موريس ديفرجيه (1) وكذلك أندريه هوريو ورفاقه (2). وقد أشار إلى هذا الموقف الرأي الموحّد للقضاة سيلمن وبوِر - فورد ونورمبرغر، في قضية مارغوز ضد كرواتيا سنة 2014.
وهكذا فإنّ العفو، فضلاً عن التوقيت الذي صدر فيه، يهدف إلى غايات تثير شبهة عدم الرغبة في المعاقبة، وهو ما نبّه إليه نظام المحكمة الجنائية الدولية، إذ ورد في المادة 17:
2 - لتحديد عدم الرغبة في دعوى معيّنة، تنظر المحكمة في مدى توافُر واحد أو أكثر من الأمور التالية، بحسب الحالة، مع مراعاة أصول المحاكمات التي يعترف بها القانون الدولي:
أ - «جرى الاضطلاع بالإجراءات أو يجري الاضطلاع بها أو جرى اتّخاذ القرار الوطنيّ بغرض حماية الشخص المعني من المسؤولية الجنائيّة عن جرائم داخلة في اختصاص المحكمة».
وفي مطلق الأحوال، وحتّى لو أحسنّا الظنّ، فإنّنا مع محكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة، في قرارها في قضيّة ماغوز ضدّ كرواتيا (فقرة 139)، حيث منحت إحدى محاكم المقاطعات الكرواتية عفواً لأحد العسكريّين الذي قتل مدنيّين وألحق أذى جسديّاً بطفل، ما عدّته يرقى إلى «مستوى الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسيّة»، نقول: «يميل القانون الدولي بشكل متزايد إلى حسبان قرارات العفو هذه غير مقبولة لأنّها تتعارض مع الالتزام المعترف به عالمياً للدول بمقاضاة ومعاقبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الأساسيّة. ذلك أنّ العفو يكون ممكناً عندما يكون مصحوباً بظروف خاصّة مثل عمليّة المصالحة و/ أو شكل من أشكال جبر الضرر للضحايا، فإنّ العفو الممنوح للمدّعي في القضيّة الحاليّة يظلّ غير مقبول، حيث لا يوجد ما يشير إلى وجود مثل الظروف المذكورة» (3).
وهكذا، ختاماً نقول: إنّ الصلاحيّة كانت للمحاكم العراقيّة، وإنّ العفو مشبوه ولا يمتّ إلى الشرعية بأيّ صلة.

* أستاذ في كلية الحقوق، الجامعة اللبنانية

مراجع:
1 - cf. M. Duverger, “Institutions politiques et droit constitutionnel, PUF, 1976, T. 2, P. 211.
2 - A. Hauriou et autres, “Droit constitutionnel et institutions politiques, éd. Montchrestien, 1975, P. 980.
3 -Cour européenne des droits de l’Homme, Grande Chambre, Affaire Margus c. Croatie, requête 4455/10, arrêt Strasbourg le 27 mai 2014.OPINION CONCORDANTE COMMUNE AUX JUGES ŠIKUTA, WOJTYCZEK ET VEHABOVIĆ.