يطرح انبثاق ما سُمّيَ بشكل رسمي «حشد العتبات»، والذي كان يشار إليه سابقاً بـ«حشد المرجعية»، وانعقاد أول مؤتمر تنظيمي وتنسيقي له، أسئلة كثيرة، لعلّ من أهمّها ما يتعلّق بما يُسمى «الحشد الولائي». والمقصود بهذا الأخير، هو ما تبقّى من «الحشد الشعبي» الذي أصبح مكوَّناً في غالبيته من فصائل مسلّحة تأخذ بعقيدة ولاية الفقيه الحاكمة في إيران ومرشدها الديني السيد علي خامنئي. وقد اتخذت هذه الفصائل أرقام فرق عسكرية تراتبية بدلاً من مسمّياتها الميليشياوية السابقة على سبيل الاندماج في «الحشد الشعبي». غير أنَّ السؤال الأهم سيكون الآتي: بين هذين المُسَمّيَين - الولائي والعتباتي - أين وكيف صار «الحشد الشعبي»؟ وما العلاقة بين تأسيس «حشد العتبات الدينية»، والعتبات ومشاريعها الاستثمارية الضخمة التي تعود عليها بمليارات الدنانير سنوياً، ولا تُدفع عنها أية ضرائب أو رسوم للدولة، ولا تشرف عليها أو تراقبها أجهزة الرقابة والسيطرة المالية الحكومية؟

بكلمات أخرى، هل جاء تشكيل «حشد العتبات» ليتولّى مهمّة الدفاع عن هذه الاستثمارات والمشاريع الغنية في أوضاع أمنية متوتّرة ومضطربة منذ سنوات عديدة، بعد انهيار تنظيم «داعش» وتلاشي وجوده تدريجياً؟ أم أنّ هناك أهدافاً أخرى وراء هذا التطوّر لها علاقة بسيطرة الفصائل المسلّحة الولائية على هيئة «الحشد الشعبي» وتنامي دورها السياسي واستعداداتها الراهنة لخوض غمار العمل السياسي والحزبي في الانتخابات المبكرة المقبلة؟ وهو ما وجّهت المرجعية الدينية أنصارها بعدم السماح به لقادة التشكيلات المسلّحة كافة كمرشحين، بل كناخبين فقط، في محاولة للتعويض عن فشل حكومة مصطفى الكاظمي ومجلس النواب في سنّ قانون انتخابي يمنع الفصائل المسلّحة أو الأحزاب السياسية ذات الأذرع المسلّحة من المشاركة فيها.
يضم «حشد العتبات الدينية» التشكيلات المسلّحة التالية: «فرقة العباس» التابعة للعتبة العباسية، و«لواء علي الأكبر» التابع للعتبة الحسينية، و«فرقة الإمام علي» التابعة للعتبة العلوية، و«لواء أنصار المرجعية». وقد عقدت قيادات هذه التشكيلات مؤتمراً بحضورٍ رسمي وديني وأمني وغيابٍ تام لممثلي هيئة «الحشد الشعبي» الرسمية على مدى ثلاثة أيام - من 1 إلى 3 من كانون الأول/ ديسمبر الحالي - تحت شعار «حشد العتبات: حاضنة الفتوى وبناة الدولة». وكانت هذه الفرق قد أعلنت عن فكِّ ارتباطها العسكري والإداري بهيئة «الحشد الشعبي»، وعقد ارتباطها مباشرة برئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلّحة بتاريخ 23 نيسان/ أبريل الماضي.
لكي نأخذ فكرة موثّقة عن هذا الحدث، نُذَكِّر بمقدّماته التالية: تشكّلَ «الحشد الشعبي» في خضمّ المواجهة الدامية للاجتياح الذي قام به مسلّحو تنظيم «داعش» التكفيري لمدن شمالي العراق وغربه. فبعد سقوط الموصل ومناطق واسعة غيرها تحت سيطرة التنظيم، وتفكّك قوات الجيش والشرطة المحلية، انطلقت حالة دفاعية شعبية قاعدية واسعة النطاق للتصدّي لهذا الخطر الداهم والسقوط المريع للمؤسّسة العسكرية الحكومية التي بناها الاحتلال الأميركي. وقد سبق هذه الانطلاقة أو الهبّة الشعبية، بأيّام عدّة، صدور «فتوى الجهاد الكفائي» - تسمّى أيضاً «فتوى الدفاع الكفائي» - التي أطلقها المرجع السيّد علي السيستاني، ولكنّ صدور الفتوى ساهم بشكل فعّال في تصعيد وترصين حالة التصدّي والتحشيد الشعبي، إلّا أنّه لم يكن مُطلقها الأول.
لم تدعُ فتوى المرجع السيستاني إلى تشكيل جسم عسكري جديد، بل كانت تحضّ وتشجّع المواطنين على الالتحاق بالمؤسّسات الأمنية القائمة كمتطوّعين أفراد. غير أنَّ الأمور سارت في اتجاه مختلف، والتحقت منظّمات وفصائل شيعية مسلحّة، بعضها قديم وتأسّس في ثمانينات القرن الماضي كـ«منظّمة بدر»، بهذه الحركة الشعبية وسيطرت على مفاصلها وتيّاراتها وتوسّعت منها وعلى حسابها، حتى تشكَّل لاحقاً منها ومن جمهور المتطوّعين ما سُمي بـ«الحشد الشعبي».
معلوم وموثّق أيضاً، أنّ المرجعية النجفية السيستانية نأت بنفسها عن هذا التطوّر اللاحق، فلم يَرِدْ ذكر اسم «الحشد الشعبي» في جميع خطب المرجع والمتولِيَّين الشرعيَّين التابعَين له، حتى في خطاب المرجعية للتهنئة بالانتصار، حيث وُجِّهَت التهنئة لجمهور المتطوّعين إلى جانب القوّات العسكرية الحكومية الأخرى. وحين حدث وشكر الشيخ عبد المهدي الكربلائي «الحشد الشعبي» بالاسم، في شهر آب/ أغسطس من العام الحالي، فقد عاد الشيخ وأصدر بياناً توضيحياً قال فيه إن «الحشد حشدان. الأول: ألوية العتبات المقدّسة وهذه هي التي تستحق الشكر والحماية والدعم. والثاني: الحشد الشعبي الذي يعرفه كلّ العراقيين، وهذا لا يشمله الشكر ولا يستحقّه، فإنّ من يظنّ أنّ شكرنا توجه إليه أيضاً، فعليه أن يعرف بأنّه خارجٌ عن هذه الكرامة»، (اقتبسه الكاتب المتخصّص بشؤون المرجعية الدينية سليم الحسني في مقالة بتاريخ 31/08/2020).
لقد كان لهؤلاء المقاتلين المتطوّعين الشجعان، وغالبيّتهم الساحقة من أبناء الكادحين والطبقات الفقيرة، في صفوف «الحشد الشعبي»، صولات وجولات بطولية حاسمة في جميع ميادين القتال ضدّ مسلّحي «داعش»، وكان لهم دور كبير في تحقيق الانتصار. بعد ذلك، تحرّكت الأحزاب والفصائل الشيعية المُمثَّلَة في مجلس النواب، ونجحت في استصدار قانون دستوري يكرّس «الحشد الشعبي» كجزء من المؤسّسة العسكرية الأمنية العراقية الرسمية، يخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلّحة رئيس الوزراء. وقبل عدّة أشهر، أقدمت قيادات التشكيلات المسلّحة الأربعة التابعة للمرجعية على اتخاذ قرار فكِّ ارتباطها بهيئة «الحشد الشعبي» الدستورية، وها هي اليوم ترسّخ كيانيَّتها وصِفَتَها كحشد عتباتي، في مواجهة أو إلى جانب «الحشد الشعبي» الذي أصبح تحت هيمنة وقيادة الولائيين المباشرة، وتحت قيادة القائد العام إسمياً. ما حدث، أخيراً، قد يشكّل حلّاً ملتبساً لأزمة «الحشد الشعبي» ككل منذ قيامه، وقد زاد هذا التطوّر - الانفكاك والمؤتمر التنسيقي - الأمور تعقيداً. كيف ذلك؟

دخل «الحشد الشعبي»، المؤلَّف من متطوّعين، التاريخ والذاكرة الجمعية للعراقيين كمأثرة لأناس بسطاء قاتلوا دفاعاً عن شعبهم وبلادهم


لقد تحوّل «الحشد الشعبي» عملياً إلى حشدين: حشد ولائي مكوَّن من الفصائل والميليشيات المسلّحة قديمها وجديدها، وحشد عتباتي مستقلّ تنظيميّاً وإداريّاً وينتظر صدور أوامر القائد العام لربطه إدارياً ومالياً به. وبهذا يكون الحشد كمؤسّسة دستورية، قد عاد إلى مكوّناته الأصلية، ولم يعد له وجود موحَّد: فالمتطوّعون المستقلّون أو غالبيتهم الساحقة، ذهبوا في التشكيلات الأربعة التابعة للعتبات، ومن تبقّى في تشكيلات هيئة «الحشد الشعبي» هم من عناصر الفصائل الولائية. أما الذين لم يذهبوا مع الذاهبين إلى «حشد العتبات» أو الذين لا علاقة لهم بالفصائل الولائية فهم قلّة نادرون إلى جانب مقاتلي «الحشد العشائري» وكتائب «بابليون»، فهل نحن باتجاه دَسْتَرَة «حشد العتبات» إلى جانب «الحشد الولائي»؟ وكيف يجب أن يكون الموقف من الآن فصاعداً من «الحشد الشعبي» كاسم ومسمى وإنجازات، ومن الحشدَين الموجودَين واقعاً؟
أكد ممثل «حشد العتبات»، اللواء علي الحمداني، عدم حضور ممثلين عن هيئة «الحشد الشعبي» في مؤتمرهم الأخير، فيما أصرّ شريكه في الحوار التلفزيوني الإعلامي المدافع عن «الحشد الولائي» عبّاس العرداوي على حضورهم، معلّلاً ذلك بأنّ التشكيلات التابعة للعتبات هي جزء من «الحشد الشعبي» وهيئته، وهي تابعة لهذه الهيئة قانونياً حتى الآن. وهذا يعني أمرين: الأول، هو أنّ القطعية التنظيمية والاستراتيجية والمرجعية بين الطرفين تامّة وكاملة من جهة «حشد العتبات»، ولكنّ «الحشد الولائي» يحاول التخفيف من وطأتها وتفادي الأضرار الناجمة عن سحب البساط المرجعي السيستاني عنه، ما يجعله أكثر انكشافاً كامتداد عسكري ميليشياوي متّصل بإيران.
وردّاً على سؤال يقول: هل ما زال «حشد العتبات» فاتحاً الباب أمام انضمام تشكيلات وفصائل أخرى، كما ورد في بيانه لفكّ الارتباط؟ يجيب اللواء الحمداني: «لا يوجد أيّ باب نفتحه للتشكيلات الأخرى، بل ننتظر صدور القرارات الحكومية لاستكمال بنية حشدنا». ونجد هنا تأكيداً للقطيعة واستكمالاً لاستقلالية «حشد العتبات» عن الفصائل الأخرى.
في اليوم الأول لمؤتمر «حشد العتبات»، ألقى السيد محمد علي بحر العلوم كلمة ورد فيها الآتي: «إنّ ملبّي فتوى الدفاع الكفائي تقدّموا إلى ساحات الوغى، ليس طمعاً في مال ولا منافسة في سلطان، فلم يمزجوا عنوان جهادهم بعناوين أخرى تنافس على حطام الدنيا». إلّا أنّ هذا الزهد في الدنيا وحطامها، لا نجد تعبيراً فعلياً عنه في التوصيات التي صدرت عن المؤتمر في بيانه الختامي، بل ورد العديد من المطالب ذات مضمون مطلبي لا علاقة له بالزهد بالماديات وحطام الدنيا، بل بالتوظيف والرواتب والامتيازات، ومن ذلك:
- «استعجال الحكومة للانتهاء من الارتباط بالحشد الشعبي ليتمكّن من القيام بالمشاريع الإنسانية»، التي كُلّف بها «حشد العتبات»، والتي قد لا تكون بعيدة عن مشاريع العتبات نفسها.
- «الاهتمام بموضوع الاستقرار الإداري لأبناء الحشد الذين لم تُسَكَّن درجاتهم الوظيفيّة لحدّ الآن، وكذلك إعادة المفسوخة عقودهم ومساواتهم مع أقرانهم في القوّات الأمنيّة الأُخَر من الحقوق والامتيازات». ويقدّر عدد المفسوخة عقودهم في «الحشد الشعبي» عموماً، وفق بعض التقارير، بثلاثين ألف مقاتل كما ورد في رسالة وجّهها رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض إلى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بتاريخ 26 من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ولكن من غير الواضح كيف يمكن أن يوجد عقد بين متطوّع للقتال وجهة عسكرية رسمية، ولماذا فسخت عقود هؤلاء المقاتلين أصلاً، وكم مقاتلاً منهم التحق بـ«حشد العتبات»؟
- «إنّ عوائل الشهداء وأبطالنا الجرحى بل المقاتلين، لهم الحقّ في أن يسكنوا في بيوتٍ لائقة توفّرها لهم الدولة». إنّ تكريم ورعاية عوائل الشهداء هو مهمّة الدولة حصراً، وينبغي ألّا تكون مطلباً لهذه الجهة أو تلك، وهي بين عائلة الشهيد والدولة، فإذا تخلّفت الدولة عن القيام بواجبها، وهذا وارد، فإنّ من حقّ العائلة أن تطالب بحقوقها.
خلاصة استنتاجية: أعتقد بأنّ «الحشد الشعبي» المؤلَّف من متطوّعين، والذي عرفناه في بداية حملة التصدّي لاجتياح مسلّحي «داعش» التكفيريين، قد دخل التاريخ والذاكرة الجمعية للعراقيين كمأثرة لأناس بسطاء قاتلوا دفاعاً عن شعبهم وبلادهم. وقد تحوّل هذا الحشد، الآن، إلى هياكل تنظيميّة مسلّحة ذات قيادات فاسدة ومتنافسة ومتعادية، والمرحلة المقبلة ستكون صعبة جداً. ورغم صعوبتها، لكنني أستبعد أن تحدث مواجهة حادّة بين «العتباتيين» و«الولائيين»، أكثر من الحد المسموح به من الأعلى خصوصاً، لا سيما أنّ هناك من يتحدّث عن صمت المرجع السيستاني شخصياً عن هذه التطوّرات، أو حتى عن عدم موافقته الصريحة على تشكيل «حشد العتبات»، ومن يقودون هذا التحرّك هم من حاشية مكتبه الشخصي ومكاتب وكلائه الشرعيين وإدارات العتبات.
لقد أُنجز شوط طويل من هذا الحدث التنظيمي والسياسي جوهراً، وهو سحب البساط الشرعي وعناصر الوجود المادي والمقاتل والمُمَثل بالمستقلّين وأنصار المرجعية النجفية من «الحشد الشعبي» الأصلي، وتحوّل هذا الأخير عملياً إلى حشد للولائيين يسيطرون على قياداته ومقدّراته، ولم تعد لهم من علاقة إلّا اسمية وتمويلية بالحكومة والقائد العام. غير أنّ هذه المرحلة ذات طابع انتقالي ولا يمكن أن تدوم طويلاً، فلا واشنطن التي تدعم حكومة الكاظمي وحلفاءه في كتل وتحالفات «سائرون» و«التحالف الكردستاني» والنصر والحكمة وغالبية الساسة العرب السُنّة سترضى به أو توافق عليه، ولا طهران ستوافق على سحب البساط من تحت أنصارها الولائيين وحشدهم. ويبقى من المحتمل أن يتمّ التوصل إلى صفقات لدوام واقع الحال لأطول فترة ممكنة، حتى يحدث تغيير مهم في موازين القوى بين الطرفين الخارجيين.
أما الحل الحقيقي لهذا الإشكال وغيره من مصائب وتعقيدات أوجدها النظام الرجعي التابع للدولتين -أميركا وإيران - فلا يمكن أن يأتي من داخل النظام القائم ومؤسّساته، بل عبر تغيير النظام جذرياً وإنهاء حكم المحاصَصة الطائفية والعرقية، وبعد القطع مع المنظومة الحاكمة وحلفائها وحماتها الدوليين والمحليين والبدء ببناء الدولة المستقلّة الحديثة، لها جيش وطني وشعبي واحد يتكفّل بمهمّة الدفاع عن البلاد والشعب ضمن مهمّات أخرى لوقف عملية التدمير الشامل التي يتعرّض لها العراق وشعبه. ولا طريق ممكناً نحو هذا التغيير الجذري المنشود، غير الانتفاضة والكفاح السلمي واسع النطاق والاستعداد لمواجهة أيّ تدخّل أجنبي بالسلاح وتجديد بطولات «الحشد الشعبي»، والذي سيعني عندها الشعب العراقي المسلّح في ميادين الكفاح الاستقلالي والطبقي. والحقيقة، فإنّ الأطراف التي تعادي «الحشد الشعبي» الأصلي، أي قوّة المتطوّعين العراقيين الذين هزموا «داعش»، هي واشنطن وحليفتها تل أبيب وعملاؤهما. ولهذا، فإنّ موقف واشنطن وعملائها في الوقت الحاضر متخبّط وعشوائي، وهم لا يعرفون مع مَن يقفون وضدّ مَن، مع «حشد العتبات» أم مع «الحشد الولائي»؟ ولكن هدفهم واضح، وهو استمرار تدمير العراق وبقائه ضعيفاً مشلولاً وعلى حافة التقسيم، فالزوال. ولن يفلحوا في ذلك مهما فعلوا، لأنّ الشعب الذي أنجب «الحشد الشعبي» المنتصر لا يزال حاضراً ومستعدّاً لإنجابه من جديد، لأنّه حالة شعبية ثورية وليس كياناً يُؤسَّس ويُلغى بجرّة قلم من طرف إرادة بيروقراطية أجنبية أو محلية.
* كاتب عراقي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا