اللافت في نتائج الانتخابات الأميركية، ليس أنّ دونالد ترامب، على رغم خسارته، قد نال أصوات أكثر من سبعين مليون أميركي، اللافت هو نتيجة التصويت لدى الفئات التي يُفترض أنّ ترامب «عدوّها»، يحتقرها، أو يُلهم حركات عنصرية بيضاء معادية لها: النساء البيض، النساء السود، الأقليات، المثليّون، إلخ. لدى كلّ هذه الفئات، ازداد التصويت لترامب مقارنة بالانتخابات الماضية، بشكلٍ ملحوظ، وذلك بعد أربع سنواتٍ من إجماع الإعلام على عنصريّة ترامب، وعلى أنّه يمثّل أسوأ ما في أميركا، وهو العدو المعلَن للأقلّيات وأبناء المهاجرين.

إريك بترسن (الولايات المتحدة)

في تعليقه على الانتخابات الرئاسيّة، استخدم الكاتب الأميركي مات طيبي هذه الأرقام لينتقد أداء الديموقراطيين. طيبي، للمناسبة، أصبح شبه منبوذٍ في الصحافة الأميركية «المحترمة»، ومعه غلن غرينوولد وآخرون، لأنّه شكّك في السرديّة السائدة عن تزوير روسيا لانتخابات عام 2016 وعمالة ترامب لبوتين، وهي كانت المادّة الأساسية في تغطية القنوات والصحف «الليبرالية» الرئيسية طوال ثلاث سنواتٍ من حكم ترامب، ويتمّ تقديمها على أنّها وقائع لا ترقى إلى الشك (ثمّ جاءت قضيّة أوكرانيا ومحاكمة العزل الفاشلة لتشغلهم قبل أن يأتي الوباء). طيبي ينشر اليوم في موقعٍ/ منصّة جديد، هدفه أن ينقل مقالات كتّابٍ مثله، لفظتهم الصحافة «الرسمية»، ويدفع لهم الجمهور مباشرة مقابل كتاباتهم على صورة اشتراكات. كان هدفه من المقال أن يثبت أنّ ترامب كان ليفوز بالتأكيد لولا أزمة «كوفيد» وتعامله معها. يذكر طيبي أنّ من صوّت باعتبار أنّ «كوفيد» هو الموضوع الأساسي للانتخابات، صوّت لصالح بايدن بفارق ثلاثة إلى واحد، وهؤلاء هم من أعطوا الفوز للحزب الديموقراطي؛ أمّا من صوّت باعتبار أنّ الاقتصاد هو الموضوع الأهمّ، فقد مال لصالح ترامب بنسبة ثمانين في المئة!
فكرة أنّ ترامب سيعود بعد أربع سنوات، ليست خلاصة واقعيّة في لحظة إعلان النتائج، فالمزاج الأميركي يتغيّر بسرعة ولا أحد يعرف أين سيكون مركز السياسة، بعد أربع سنوات. الاحتمال الأكثر واقعيّة، هو أنّ ترامب سيظلّ في الساحة السياسية، ويستمرّ في ملاحقة الديموقراطيين على موقع «تويتر» والإعلام، وعبر «حركته» الشعبيّة، وهذا، من موقع المعارضة، قد يسبّب لهم أذى حقيقياً. ولكنّ الموضوع هنا هو عن ظاهرةٍ أخرى تكشفها هذه الأرقام، هي تسبق ترامب وتغذّي الترامبية وستستمرّ من بعدها، وهي عن مغزى أن يتوقّف هذا الكمّ من الأميركيّين عن تصديق ما تقوله لهم السلطات وما يُجمع عليه الإعلام.

الهيمنة في أميركا
طوال عقودٍ في أميركا، كان هناك ما يشبه هيمنةً مستقرّة وسلطات واضحة تقرّر الحقيقة والفضيلة. حين كانت «تايمز» و«بوست» و«سي إن إن» تُجمع على أنّ الرئيس قد فعل شيئاً ما، فهذا يعني أنّه قد فعله. وحين يقرّر الإعلام، ومعه الخبراء، عام 2003، أنّ العراق (البلد المحاصر المفقَر) يمتلك برامج لتطوير أسلحة نووية وبيولوجية في عربات متنقّلة في الصحراء، كانت أغلبية الشعب الأميركي تصدّق ذلك بلا نقاش. كانت هناك «فوكس نيوز» في وجه «الإعلام الليبرالي»، ولكن تلك الثنائية كانت تدور ضمن المؤسّسة ذاتها، وما كانوا يسمّونه يومها «الحرب الثقافية» كان مجرّد عرضٍ تلفزيوني يتمّ خلاله تقاسم المشاهدين. ولكن، حين يصوّت نصف الأميركيين لصالح رئيسٍ تعتبره النخبة والإعلام جاسوساً ومغتصِباً وعنصرياً، فهذا ليس لأنّ كل هؤلاء المصوّتين هم أناسٌ أشرارٌ وبلا أخلاق، بل لأنّهم ببساطة لم يعودوا يصدّقون ما تقوله لهم هذه «السلطات»، وهم لم يروا الانتخابات كمواجهةٍ بين الخير والشّر، أو بين الانفتاح والعنصرية، بل بين رجلٍ يمثّل المؤسّسة وآخر يتمرّد عليها.
في التظاهرات الداعمة لترامب بعد الانتخابات، كانت الهتافات التي تعادي «فوكس نيوز» أكثر من تلك التي تهاجم «سي إن إن». وما يُقلق المؤسّسة في أميركا حقّاً، بحزبَيها، ليس أن يخرج رئيس/ طفرة مثل ترامب، بل أن تصبح هناك هذه الكتلة العظيمة من الأميركيين، التي لا يملكون القدرة على التحكّم بها. تتجلّى هذه الظاهرة في أشكالٍ كثيرة، من انتخاب ترامب في وجه الإجماع (واستطلاعات الرأي)، إلى الانصراف عن الإعلام التقليدي والاعتماد على ما تقوله «الوسائل البديلة» والسوشال ميديا، وصولاً إلى أشكالٍ متطرّفة ومؤذية - كرفض نصائح السلطات الطبيّة، أو البحث عن المؤامرات في الأوراق العلميّة عن المناخ واللقاح؛ أو المرضى الذين يصرخون في الأطباء في غرف الطوارئ، بأنّه لا وجود لـ«كوفيد» وأنّ لا حاجة للكمّامات، فيما هم يشهقون ويصارعون من أجل التنفّس.
السلطات المكرّسة والنخب التي ترتبط بها، تقدّم أيّ «خروجٍ» على أحكامها ومؤسّساتها على أنّه أسوأ شيءٍ يمكن أن يحصل، وهو سيقود حكماً إلى الفاشية والرجعية وحكم الرعاع (وتجري حياكة سرديّة، والتركيز على أحداث وشعارات معيّنة، ولو كانت محدودة شارك فيها العشرات، للتدليل المستمرّ على أننا نسير في الطريق إلى هتلر). ولكنّ المشكلة هي أنّ الهيمنة حين تضعف، وذلك لأسبابٍ لا علاقة لها بالثقافة، فإنّ الأيديولوجيا تصبح عاريةً أكثر، والبروباغاندا أكثر وضوحاً، وأصعب على التصديق لمن هو خارجها (ويصبح الإيمان بهذه المسلّمات، في الوقت نفسه، بمثابة دليل ولاءٍ وشرط انتماء لمن يريد الدخول إلى هذه الفئة؛ وهو ما اختبره طيبي وغيره حين حاولوا الاختلاف مع هذه «المسلّمات»). كان من الواضح، مثلاً، أنّ الفيديو الذي خرج لابن جو بايدن قبيل التصويت، لو كان لابن ترامب، لأصبح هو محور النقاش الانتخابي، ولكن أكثرية الناس لم تعرف حتى به. في نهاية الأمر، كيف يمكن ألّا تتأثّر سلطة الإعلام الأميركي ومؤسّسته حين يجمع، لسنواتٍ، على أنّ ترامب عميلٌ روسي، و«فضائح» يوميّة تُنشر في تقاريرٍ يزعم كلٌّ منها أنّه الدليل الدامغ النهائي، ثم يتم تناسي الأمر برمّته كأنّه لم يحصل؟ وأيّ قدرٍ من الانقياد والسذاجة يجب أن تكون عليه حتّى تستمرّ في الاسترشاد بهذه الوسائل الإعلامية وتصديق سرديتها وشراء نسختها عن الحقيقة، بعد كلّ ما جرى منذ حرب العراق إلى اليوم؟
يقول جوزيف مسعد إنّ الإعلام الديموقراطي في أميركا يستخدم بكثافة، حقيقة أنّ أكثر من يحمل شهادات جامعية لا يصوّت لترامب، والهدف هنا هو الإيحاء بأنّ الغباء والجهل هو ما يحرّك ناخبي ترامب. الحقيقة، يلاحظ مسعد، هي أنّ هذه الإحصائية تعني أنّ من يحمل شهادات جامعية أو ينتمي للطبقة الوسطى العليا، هو الأكثر ميلاً لأن يكون مغسول الدماغ، وأن يصدّق كلّ ما تقوله «تايمز» و«بوست» ولو كان واهياً، أو أن يرى أنّ دعم الحقوق والنساء والأقليات يجب أن يمرّ عبر دعم مجرمين، مثل باراك أوباما وهيلاري كلينتون وجو بايدن. الحقيقة الأساسية هنا، هي أنّ منظومة الهيمنة القديمة تتآكل، بمؤسّساتها وإعلامها ونخبها، وتفقد تدريجياً سلطتها في المجتمع، وهذا هو التغيير الأهم في السياسة الأميركية، وليس وصول بايدن إلى السلطة أو حظوظ ترامب - أو من سيستبدله - بعد أربع سنوات. حين تضعف الهيمنة، فإنّ احتمالات ما سيأتي بعدها كثيرة. المؤسّسة في الغرب لديها، بسبب تاريخها وماضيها، عادة وضع الخيار ضمن ثنائية «ليبرالي/ فاشي»: إمّا هيمنة المؤسّسة الليبرالية القائمة أو العودة إلى الفاشية، إمّا أن نحافظ على الإعلام التقليدي وحرّاسه يقرّرون لنا ما نعرف، أو مزيج الشعبوية والجهل في سوشال ميديا تملكها شركات عالمية، إمّا ترامب أو بايدن، إمّا أميركا أو الصين. ولكن ماذا لو كانت هذه الثنائيات غير حقيقيّة؟ أو كانت تختلف عن الصورة التي تعطيها لها المؤسسة؟

الهيمنة على المستوى الدولي
تضعف الهيمنة، أو تخسر استقرارها، حين تبدأ فئاتٌ كبيرة برفض النظام القائم وتراتبيته وثقافته. هذا يجري في العادة حين لا يعود النظام القائم مقبولاً أو مربحاً بالنسبة إلى هذه الفئات، بغضّ النظر عمّا إن كانت نخباً أو طبقات عمالية، فتعتبر أن هناك شكلاً بديلاً للنظام سيكون أنسبَ لها، وتبدأ بتخيّل «حقيقة» بديلة ومبادئ وقواعد مختلفة. هذا، تقريباً، هو توصيف إيمانويل والرستين لتفكّك الهيمنة، وهو يعتبر أن السبب الدائم لاهتزاز أيّ نظامٍ حديث يعود إلى نقص في مستوى الأرباح أو تغييرٍ في توزّعها بشكلٍ يقوّض قاعدة الإجماع. وما يجري في أميركا داخلياً يعكس، إلى حدّ ليس قليلاً، الوضع الذي سيواجهه جو بايدن على مستوى النظام الدولي.
تضعف الهيمنة أو تخسر استقرارها حين تبدأ فئاتٌ كبيرة برفض النظام القائم وتراتبيته وثقافته


عند والرستين، الهيمنة هي أساساً هدفٌ زائف وصعب التحقيق - خاصة على مستوى الدول - وهي، إن تأسّست، فمن الصعب أن تستقرّ وتستمرّ لفترةٍ طويلة. في محاضرة له عمرها سبع سنوات، يشرح المفكّر الراحل أنّ أميركا لم «تهَيمن» على العالم (أو على جانبها من العالم) حقّاً، إلّا لأقل من ثلاثين عاماً، بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية السبعينيات. في هذه المرحلة، يقول والرستين، كانت أميركا بالفعل قوّة مهيمنة لها «توابع»، لديها أكبر قاعدة صناعية وأكثرها فعالية وتقدّماً، وهي خرجت من الحرب في أوج عطائها، بينما باقي العالم مدمّر. في تلك المرحلة، كانت أميركا تشرف على إعادة إعمار أوروبا، وتمدّها بالدولارات والسلع، وهي تموّل «تنمية» العالم الثالث، وتحظى بالتوازي بهيمنةٍ ثقافية، وهي لا تقدر على «وضع القواعد» لباقي العالم فحسب، بل تستطيع أن تأمر الأوروبيين - أي حزبٍ لا يحق له أن يحكم، أي سياسة خارجية يمكن اتّباعها - وهم لا يملكون ردّ طلبها.
هذه المرحلة، بحسب والرستين، مضت ولن يعود ما يماثلها. منذ السبعينيات، يقول والرستين، تخوض النخب الحاكمة في أميركا سياسات مختلفة لأجل «إدارة الانحدار»، إن قارنّا الوضع بما كان عليه إثر الحرب العالمية: أعطوا الأوروبيين حرية أكثر في بناء تكتّلات، شرط ألا يبتعدوا كثيراً عن الخط الأميركي، وزّعوا الصناعات التي لم تعد مربحة على حلفائهم في أوروبا وآسيا، أوقفوا برامج التنمية في العالم الثالث وفتحوه على الخصخصة والاندماج المالي، وهذا كلّه كان يهدف - وبشكلٍ ناجح - إلى منع «الانحدار النسبي» في القوة الأميركية من أن يتحوّل إلى انهيار. يجب أن نتذكّر هنا، على الهامش، أنّ «الحرب الباردة» عند والرستين، كانت أشبه بـ«مسرحية» وتقسيماً للعالم يشبه التقسيم في سوق الإعلام الأميركي بين «فوكس نيوز» و«سي إن إن»: القوّتان لا يمكن أن تصطدما عسكرياً، وهما اتفقتا على أن يقسم العالم بنسبة سبعين في المئة لأميركا والباقي للاتحاد السوفياتي، ولا يتدخّل واحدهما في مجال الآخر، وهو كان ترتيباً يناسب الأميركيين ولا يهدّدهم، ويعطيهم سلطة مطلقة في مجالهم الجغرافي. بل إنّه، منذ السبعينيات، اتّفق الطرفان على أن لا يسمحا لـ«أتباعهما» بأن يخرجوا عن القواعد ويتسبّبوا باحتكاكاتٍ بين القوّتين. وتلك، بالمناسبة، كانت مرحلة موت حركات التحرّر الوطني وأحلامها وطموحاتها لصالح «الواقعية»، حين أصبحت أهدافٌ مثل تحرير فلسطين أو توحيد الأمّة مستحيلةً، عبر المنظومة القائمة، لا لأنّ أميركا ستمنعك عن تحقيق ذلك، بل لأنّ «حلفاءك» السوفيات هم من سيمنعونك.
بمعنى الظواهر والحوادث، ماذا يعني ارتخاء الهيمنة عملياً؟ هو يعني أموراً كأن تقف أميركا وحلفاؤها في تضادٍّ في مسائل دولية وحروب خارجية، أن يتم تجاهل حرية التجارة و«قواعد اللعبة» التي كان العالم يسير على أساسها لأهداف سياسية آنية، أن يتجرّأ خصوم أميركا عليها أكثر فأكثر، وبالطبع، صعود قوىً جديدة مثل الصين وخلخلتها للبنية القائمة، كمثال اتفاقية التجارة الأخيرة التي تمّ توقيعها في آسيا. الصين تقع في قلب هذا الاتحاد الجمركي، فيما أميركا (وحليفتها الهند) خارجه. في الماضي، ما كانت تقوم تكتّلات من هذا النوع إلّا لمحاصرة خصوم أميركا - مثل حالة «آسيان» - أو تكون أميركا مركزه كاتفاقية «شراكة المحيط الهادئ» التي أسقطها ترامب؛ هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها اتّحاد جمركي بهذا الحجم في آسيا، يكون محوره الصين بلا منازع. أصبح لدى الصين ثقلٌ اقتصاديّ يسمح لها باستخدام سوقها الداخلي، وامتياز التصدير إليه، كنوعٍ من «رأسمال سياسي» أو حوافز توزّعها على الدول المجاورة. الاتفاق الجمركي الأخير، مثلاً، سيسمح لليابان (ومعها كوريا الجنوبية وأستراليا ودول «آسيان» كلّها) بتصدير أكثر منتجاتها الصناعية إلى الصين بلا جمركٍ، أي أنّه سيربطها أكثر فأكثر بالاقتصاد الصيني ويزيد الاعتمادية عليه، فيما يعطي الصين مجالاً تجارياً حرّاً في محيطها، لا تنافسها فيه أميركا ولا حتّى الهند. وهذا الاتفاق، في نظري، هو أكبر هزيمة تلقتها أميركا في مواجهتها مع الصين منذ أيّام باراك أوباما.

السياسة في زمن الانتقال
المشكلة حين تقترب منظومة من نهايتها، هي أنّ ما سيصدر بعدها سيكون مختلفاً عن أيّ تصوّرٍ مسبق عن «عالم ما بعد الهيمنة»، والحدث، في الوقت ذاته، هو أعظم من أيّ تصوّرٍ مسبَق عنه وعن نتائجه. ما يجري ضمن النظام السياسي الأميركي، لا يعني أنّ الحزب الجمهوري، أو الحزب الديموقراطي، سيتغيّر وتأتيه زعامات جديدة وتبقى البنى القائمة على حالها؛ نحن نتكلّم على تحوّلٍ في كيفية صنع الحقيقة، ونوع المؤسّسات التي تؤثّر في الجمهور، ونمط النخب، والقواعد والأعراف السياسيّة؛ وهذا «الانحراف»، حين يخرج على حدٍّ معيّن، يغيّر في أساس المنظومة والنظام الدستوري، وما هو مقبولٌ وغير مقبولٍ في الحكم والقيم.
هذه المسألة هي أكثر وضوحاً في حالة النظام الدولي. الكثير ينظر إلى مسألة «الاختلال العالمي» على أنّه مجرّد تبادل للأدوار ضمن منظومة الدول القائمة: تنحدر أميركا فتحتلّ الصين مكانها في الصدارة (هذا غير ممكن، فكرة أن ينتقل العالم من نظام هيمنة فيه لاعب أو اثنان إلى نظام آخر مستقرّ، وبشكل «تسلّم وتسليمٍ» سريعٍ وسلس حدث مرّةً واحدة، بعد الحرب العالمية الثانية ومن شبه المستحيل أن تتوافر ظروف مماثلة في المستقبل)، أو أن «نعود» إلى الحرب الباردة وإلى قطبين يأخذان مكان «نيتو» و«وارسو»، أو أن نكون على طاولة فيها لاعب كبير واحد فتتسع فجأة لأربعة آخرين يتقاسمون مهامها. هذه كلّها تصوّرات «من داخل الصندوق»، فيما المبدأ هنا هو أن المنظومة بأكملها لم تعُد قابلة للاستمرار بشكلها الحالي: الرأسمالية المعاصرة، نمط التراكم، قانون القيمة، المفاهيم السائدة عن الحقوق، حتى منظومة الدول نفسها قد يتمّ تجاوزها أو تتغيّر بشكلٍ جذريّ. أنت لا يمكن أن تعاين هذه المسائل حقّاً، إن كنت تعاني من نقصٍ في الخيال.
الأغلب هو أنّ حالة التفكّك هذه، تنتج «مرحلة انتقالٍ» طويلة وصاخبة وعنيفة. كما يقول والرستين، فإنّ عالماً فيه خمس أو ست قوى عالمية تحاول أن تتمدّد، وأن تحوز استقلالاً في قرارها - بدرجات مختلفة - هو بالتعريف عالمٌ فوضويّ وخطير. ولكن من ولد وتكوّن وعيه بحسب قواعد القرن العشرين وما تلاه، قد يصعب عليه أن يتصوّر فوضى القرون الماضية. تخيّل أن تكون بلداً صغيراً من العالم الثالث، بلا سيادةٍ ولا موارد ولا مجتمع سياسي صلب، وأنت في وسط هذه العاصفة، والتجارة والاقتصاد وحتى سياستك الداخلية تقرّرها موازين قوىً متغيّرة وصراعات على النفوذ لا تنتهي.
في حالة إقليمنا، فإنّ مرحلة الفوضى قد لا تكون أسوأ وأخطر ممّا سبقها. نحن لم نكن من دول المركز ولا دول شبه - المركز ولا حتّى الأطراف «المنتجة» والمدلّلة (بلغة نظرية النظام العالمي). والسياسة وإمكانات التغيير في بلادنا، كانت مستحيلة حتى في زمن استقرار النظام. إن كنت تابعاً للغرب وتؤدّي مهمّة محدّدة (كأنظمة الخليج و«الاعتدال»)، فنظامك السياسي مقفل وخياراتك تمّ تحديدها سلفاً. وإن كنت تقود حركة «معادية للمنظومة» (anti-systemic)، وتحارب أميركا وإسرائيل، فإنّ التفاوض السياسي السلمي والنقاش الداخلي هو أيضاً مستحيل: حين تعاديك قوى مهيمنة على مستوى العالم، فلا شيء سيمنعها من الاستثمار في سياسات بلدك الداخلية، وتمويل منظمات وإعلامٍ ونخبٍ سياسية وظيفتها أن تعادي المقاومة، وستكون مواردها أكبر بكثير من أيّ طرف محلّي، ولا مكان للتنافس بينها وبين حركات «أصيلة» شعبية - والبديل الوحيد هنا هو في تضييق النظام السياسي والنحو صوب السلطوية.
أكثر من ذلك، نحن قد اعتدنا على فكرة عالمٍ منظّم، مقسّمٍ إلى دولٍ متشابهة بالمعنى القانوني. هناك فكرة ثاقبة يثيرها والرستين، في أنّ كامل منظومة الدول هذه ليس من المؤكّد أن تستمرّ في شكلها الحالي. هذه التقسيمة، في نهاية الأمر، عمرها أقلّ من قرن، وهي نشأت في ظروفٍ محدّدة وقد لا يناسبها - ببساطة - النظام القادم. هذا أكثر ما يصحّ في بلاد الجنوب وبلادنا، حيث تمّ تجويف هذه الدول على مدى العقود الماضية، وأصبحت كيانات لا تقدر على حماية مواطنيها (بالمعنى المادي أو الاقتصادي)، وتخلّت عن مشروعها التنموي، وأصبحت فكرة «النخبة الوطنية» و«دور الدولة الاجتماعي» فيها نوستالجيا من السبعينيات. والكثير منها اليوم وصل، بالمعنى الوجودي، إلى حائطٍ مسدود ويحاصره الفشل والديون والإفلاس. هل ستصمد هذه الكيانات في عالمٍ فوضويٍّ جديد، حين لا يعود هناك نظامٌ مستقرّ يسندها؟ البعض سيحافظ على خرافات الدولة وباقي ثوابت القرن العشرين، التي اعتادها ولا يستطيع مفارقتها ويبحث عن الخلاص فيها، ولكن من سينجو في العالم الجديد هو من سيواجهه من غير أوهامٍ وحنين، ويدرك بأننا ندخل وضعاً تاريخياً ليس له سابقة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا