عُقد في 25 الشهر الماضي، لقاءٌ أُطلق عليه اسم «المؤتمر الوطني للإنقاذ». شكّل المؤتمر المذكور محاولة للخروج بموقف موحَّد من الأزمة الطاحنة التي تعيشها البلاد. طبعاً، هي محاولة متأخّرة لتحديد أهداف وأولويات الانتفاضة، وكذلك لمحاولة إيجاد إطار تنسيقيّ قياديّ لها. معروف أنّ الانتفاضة قد افتقرت للأقانيم الثلاثة المذكورة، ما جعلها سهلة الاختراق من قِبل قوى داخلية وخارجية سعت دائماً، وبإمكانيات سياسية ومالية وإعلامية ضخمة، لتوظيف الاحتجاجات الشعبية في خدمة أجندة داخلية وخارجية متفاعلة، وهي بالتأكيد أجندة بعيدة عن أهداف المنتفضين وذات صلة، بالدرجة الأولى، بمشروع أميركيّ صهيونيّ خليجيّ حمل، في ظلّ إدارة الرئيس دونالد ترامب وبمبادرة نشيطة منه ومنها، اسم «صفقة القرن».

المحاولة المذكورة افتقرت بدورها لشروط النجاح رغم تمكّنها من تأمين حضور عدد كبير من المشاركين والنقابات المهنيّة وتشكيلات مدنيّة عديدة معنيّة. أحد أبرز أسباب عدم النجاح، هو أنّه في سياق الانتفاضة لم يتبلور، ولو بخطوط عامّة، تيّار متماسك نوعاً ما. تيار يزداد باطراد قدرة على الفعل والاستقطاب، وصولاً إلى التأسيس لموقع شعبيّ سياسيّ معارض وقادر على مواجهة السلطة والضغط على أطرافها من أجل تقديم تنازلات جوهريّة. تنازلات ينبغي أن تجسِّد، أيضاً، نوعاً من المحاسبة، وتدشِّن مرحلة جديدة في التعامل مع الأزمة ومحاولة معالجتها بشكل تدريجيّ، وبمنهجيّة مختلفة. لو توفّرت هذه المقدّمات، لشكَّل المؤتمر تطويراً لما مضى وتكريساً لمرحلة جديدة أرقى وأفعلْ لجهة تحديد البرامج والأولويّات والصيغة التنسيقيّة القياديّة.
حضرت في لقاء «رويال أوتيل» المشار إليه، قوى متنوّعة ومتباينة في منطلقاتها وأهدافها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. يمكن الاستنتاج، عموماً، أنّ الجهات الداعية لم تتمكّن من تقديم مشروع حدّ أدنى قادر على اشتقاق أولويّة موحَّدة، لا بدَّ منها منطلقاً لأيّ تغيير جدّي، من نوع تحرير النظام السياسي اللبناني من آفة المحاصصة التي استباحت الدولة ومؤسساتها ومقدراتها، وأخضعت كلّ مواردها لنهب وتقاسم زبائني، ومنعت المراقبة والمحاسبة، وأغرقت الإدارة بالأزلام والمحاسيب... أدّى ذلك إلى نشوء دويلات داخل الدولة، وإلى تكريس التدخّل الخارجي عبر تبعية محكمة تضع القرار الخارجي في صلب القرار السياسي الداخلي وعلى حساب سيادة الدولة المنتهكة على حدٍّ سواء من الداخل والخارج بالتكافل والتضامن...
يستتبع إلغاء منظومة المحاصَصة بالضرورة تغيير قانون الانتخاب. الانطلاق من الدستور، في هذا الصدد، هو أمر مساعد، ولو بشكل مرحليّ، بحيث توضع اللبنة الأساسية لانبثاق سلطة مدنية متحرّرة إدارتها من القيد الطائفي، كما في نص المواد 22 و24 و95 من الدستور.
لا يمكن لأيّ تجمّع أن يكون ذا جدوى ما لم ينطلق من هذه الأولويّة المصيريّة. وهي أولويّة توفّر، بالضرورة، الحدّ الأدنى من الاستقلاليّة عن أطراف المنظومة جميعها، بحيث يصبح الفرز طبيعيّاً وإلزاميّاً، بعيداً عن المناورات والتمويه والشطارة.
وتُطرح في هذا السياق مسألتان: الأولى، محاولة بعض أطراف السلطة (ممّن هم الآن خارجها مؤقتاً، بالامتناع أو بالاستقالة) حصر التغيير بالأشخاص، أي حلول أو إحلال أطراف من التركيبة الطائفية نفسها محلّ الحاليين، من دون المساس بجوهر منظومة تلك التركيبة المهيمنة على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. هذا ينطبق على حزبَي «القوات» و«الكتائب» بشكل خاصّ. وهو ينطبق، أيضاً، على «مستقلّين» ينشطون تحت ذريعة أنّ المشكلة كامنة في فساد أشخاص وتنظيمات، وأنّ الحلّ ممكن بتغيير أو إقصاء هؤلاء، وباستبدالهم بفريق غير متورّط في الفساد، من دون الذهاب نحو جوهر المشكلة المتمثّلة في المنظومة التحاصصيّة نفسها. المسألة الثانية، تتجسّد في الدور الخارجي، السافر والوقح، الذي يرعى عملية استخدام الاحتجاجات والتذمّر الشعبي العام من الأزمة ومن مسبّبيها، من أجل إحداث تحوُّل كبير في حصة لبنان من التوازنات الإقليميّة التي يسعى لتوظيفها في خدمة المشروع الصهيوني عبر «صفقة القرن» الترامبية. لذلك، أصبح الهدف الأول والأساسي شيطنة المقاومة بعد وسْمِها بالإرهاب، وتحميلها مسؤولية الأزمة، والمطالبة بنزع سلاحها الذي أسهم بدور كبير في التحرير، ومن ثمّ في بناء منظومة ردع ضدّ العدو المتحفّز دائماً لاستهداف مصالح لبنان وشعبه.
يصبح التصدّي لمثل هذا الطرح المتفاعل بشكل متصاعد ومقلق بين قوى خارجية وداخلية، مسألة لا ينبغي أن تغيب عن أولويات التيار الوطني التغييري. ولن يصبح ذلك ممكناً، من دون أن تكون قوى هذا التيار موحَّدة ضمن إطار يجمع أيضاً أوساطاً واسعة من المستقلّين غير المرتهنين للفئويات المحلّية وللارتباطات الخارجيّة. تقود واشنطن هذه المحاولة، وتعمل بكل الوسائل المتاحة، لإحداث خرق كبير في الساحة اللبنانيّة، لمصلحة العدو الصهيوني.
ذلك يعني ببساطة أن نعود إلى مسألة أساسية، وهي التأكيد على بذل كلّ جهد من أجل توحيد ذلك التيار، بدور كبير للمستقلّين، وعبر عمل تأسيسيّ يتجاوز الفئويات والذاتيات إلى ما تطرحه هذه المرحلة المصيرية من مسؤوليات ومهمّات. يقود ذلك إلى ضرورة عقد مؤتمر وطني للتيار الوطني التغييري نفسه، لكي يوحّد جهوده وأولوياته وفق إطار وصيغة تنسيقيّة وقيادة. هذه، فقط، ستمكِّنهُ، من أن يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثّراً في أيّ مناسبة أو مهمّة أو سياق أشمل، من أجل دفع عمليّة التغيير بعيداً عن أهداف خاطئة أو مشبوهة داخليّة أو خارجيّة.

* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا