*

السياق الذي تُطرح فيه أزمة الهوية في فرنسا حالياً، ليس هو ذاته في عام 2015، حينما وقعت مجزرة «شارلي إيبدو»، ولا حتى قبل ذلك بسنوات حين حُظِر النقاب في الأماكن العامّة، على خلفية صعود اليمين الهويّاتي بقيادة نيكولا ساركوزي حينها. المشترك بين هذه السياقات والمراحل المختلفة، هو أزمة الحكم التي يتمّ التعبير عنها كل مرّة بشكل مختلف، ولكن هذا الشكل الذي يأخذ طابع المواجهة مع «الإسلام» كهوية صاعدة هناك، ليس هو ذاته بالضرورة.

خلفية تاريخية
في عام 2009، حين طُرح موضوع حظر النقاب لأوّل مرة، لم تكن أزمة الهجرة بهذه العمومية في أوروبا، بل كانت مقتصرة على الدول التي تزامن صعودها بعد الحرب العالمية الثانية، مع الحاجة إلى يد عاملة مهاجرة. الأقلّيتان الكبيرتان والوحيدتان، بهذا المعنى، تركّزتا في فرنسا وألمانيا (وبدرجة أقلّ في بريطانيا)، حيث الحاجة ماسّة، ليس فقط إلى إعادة بناء المجتمع بعد الحرب، بل أيضاً إلى جعل الإدماج الذي أعقب حركة الهجرة مدخلاً لحدوث تراكم رأسمالي، يكون هو المحور للانتهاء لاحقاً من مسألة الهوية. عدم حصول ذلك، وخصوصاً في فرنسا، حيث العلمانية غير محايدة تماماً تجاه الهويات الجزئية جَعَلَ التهميش يتحوّل إلى مسألة سياسية. وفي غياب وجود تمثيل حقيقيّ لهذه الفئات في المؤسّسات المنتخبة، أصبحت الهوية هي البديل، أو لنقُل هي ميدان التعبير الوحيد عن هذا الغياب للحضور السياسي المباشر. تفاقُمُ الأزمة ابتداءً من عام 2005، حين اندلعت انتفاضة الضواحي، ارتَبَطَ ليس بالتهميش وحده، بل أيضاً بغياب نموذج دولة الرعاية الذي نظّم لعملية الهجرة منذ البداية. تفكيك هذا النموذج مع صعود الساركوزية وتصاعُد النيوليبرالية في أوروبا عموماً، أفقد المسألة طابعها الاقتصادي الاجتماعي، فلم تعد المواجهة محصورة بانتفاء الحقوق الاقتصادية أو غياب التمثيل السياسي، بل تعدّتهما مع بروز الطابع الأمني بشكل مباشر إلى حدّ المواجهة الشاملة مع الدولة، بمختلف أجهزتها، السياسية والأمنية والعسكرية. هذا التقاطع بين الأجهزة وبروز هوية جديدة للهجرة متمحورة بالكامل حول الإسلام كثقافة وانتماء و«هوية مكتملة»، هو الذي قاد إلى أزمة عام 2009 على خلفية تفكّك اليمين الديغولي، ثمّ مع انحسار القيادة الاشتراكية على يد فرانسوا هولاند إلى جريمة «شارلي إيبدو»، قبل أن يتسبّب تراجع التعدُّدية الحزبية لمصلحة «الماكرونية السياسية» في استفحال الأزمة إلى حدود غير مسبوقة.

تحوّلات الهجرة
منذ عام 2015، أي مع تصاعد حركة الهجرة على ضوء انهيار الإقليم، أخذت المواجهة شكلاً مختلفاً. طبيعة الهجرة الجديدة تسبّبت بخلط الكثير من الأوراق على صعيد المشهد السياسي الداخلي في فرنسا والغرب عموماً. لم يكن ذلك يحصل سابقاً، على الرغم من الطبيعة الاقتصادية بدورها، للهجرة القديمة. انهيار التقليد السياسي المتمثّل بثنائية اليمين- اليسار التقليديين، وخصوصاً في فرنسا، فاقَمَ من تأثير العامل الجديد المتمثّل بالهجرة الجماعية، وأفضى إلى حصول تحوّل في المشهد السياسي الداخلي نفسه، على ضوء صعود أحزاب اليمين المتطرّف التي كان الإجماع السياسي المتمثّل في نظام الحزبين يمنعها من الحضور سياسياً في المؤسّسات المنتخَبة. تذرُّع هذا النوع من «الفاشية» بالمسألة الاقتصادية، لعب دوراً حاسماً في تأليب الفئات المهمَّشة والعاملة داخل فرنسا - وأوروبا عموماً - على موجة الهجرة الأخيرة، بحيث لم يعد ممكناً استيعابها ضمن الأطر اليسارية والديغولية السابقة، وخصوصاً مع ضعف النقابات، وعجزها هي الأخرى عن توفير أُطُر بديلة لهذه الشرائح التي خرجت من سوق العمل، إثر صعود النيوليبرالية وإتيانها تماماً، عبر سياسات التقشّف وضغط النفقات، على دولة الرعاية الليبرالية. وهذا قاد إلى انقسامات ومواجهات على مختلف المستويات، سواءً بين هذه الفئات والمهاجرين الجدد، أو بين هؤلاء والدولة وأجهزتها، على خلفية عجزها عن حمايتهم من موجة الكراهية المصاحبة لصعود اليمين المتطرّف. حصول الأمر بهذه الطريقة، بخلاف تجربة دولة الرعاية التي كانت تملك تقليداً سياسياً وحزبياً ونقابياً راسخاً لاحتواء أزمات كهذه، جعَلَ الانقسام ينتقل من الحيّز الاجتماعي الاقتصادي، إلى الحيّز الثقافوي، حيث «جاذبية اليمين المتطرّف» وملعبه، ولا سيّما داخل المجتمعات المحلّية التي يمكن استقطابها بسهولة إلى خطاب الهويّة وسياساتها. قبل صعود هذا اليمين مع الجيل الجديد من عائلة لوبين، لم تكن ثمّة أحزاب سياسية تفعل ذلك، أي تعرِّف عن نفسها بالهوية الفرنسية في مقابل هويّات أخرى، جزئية، بل كانت أجهزة الدولة، حتى وهي تتخلّى عن حيادها فعلياً، تجاه الأقلّية الكبرى في البلاد، تعلن رسمياً عكس ذلك، عبر التزامها بالحياد نفسه، ولكن في إطار دستوري، تجاه الهويّات الجزئية. لم تَقُد المواجهة على الرغم من كلّ ذلك إلى صراع هويّات على نطاق واسع، لأنّ نفوذ اليمين المتطرّف داخل المؤسّسات كان لا يزال ضعيفاً، ولكنها أفضت إلى استقطاب غير مسبوق في البلاد على مستوى المجتمعات المحلّية، وفي أوروبا عموماً، بدليل حصول انقسام مماثل لما يحدث في فرنسا، في كلّ الدول التي انتقلت إليها العمالة المهاجرة من الإقليم، بُعَيد انهياره.

تفاقُمُ الأزمة ابتداءً من عام 2005 حين اندلعت انتفاضة الضواحي، ارتَبَطَ ليس بالتهميش وحده بل أيضاً بغياب نموذج دولة الرعاية


البعد الجيوسياسي للأزمة
الجديد حالياً، هو تبنّي الأكثرية السياسية في البلاد المتمثّلة في حزب الرئيس لهذه المواجهة، حتى قبل وقوع جريمتي الذبح الأخيرتين، في شمال غرب فرنسا وجنوبها. الربط بين «الإسلام» كهويّة والانفصالية السياسية التي تميِّز الحركات القوميّة في الباسك وكورسيكا وكاتالونيا وسواها يبدو، للوهلة الأولى، خارج سياق الأزمة برمّتها. اليمين المتطرّف رغم خطورته الشديدة، لا يطرح الأمر بهذه الطريقة، وفي كلّ المحطّات التي أثار فيها موضوع «الإسلام»، وما يمثّله، برأيه، من «خطورة» على المجتمع الفرنسي، لم يتطرّق أبداً إلى موضوع الانفصالية، ولم يُشِر، من قريب أو من بعيد إلى حضوره، كنزعة سياسية لدى خصومه في مجتمع الهجرة. المشكلة بالنسبة إلى هذا اليمين ثقافية وهويّاتية أكثر منها سياسية أو جيوسياسية، ولذلك يتمحور نشاطه، حتى في السياسة المباشرة، حول التوظيف الثقافوي للمسألة، بحيث لا يعطي فرصة لخصومه المنحازين إلى الأقلّيات لمعاودة طرح القضية، بشكلها الفعلي، أي في الإطار الاقتصادي الاجتماعي الخاصّ بالتهميش وفرص العمل و...إلخ. بالمقارنة معه، تبدو سياسات الحزب الحاكم وأجهزة الدولة عموماً، في الأزمة الأخيرة، أقلّ «ماهويةً». لِنَقُل، إنها تضع سياسات الهويّة التي أُعيد إحياؤها على نطاق أوسع من ذاك الخاصّ باليمين المتطرّف، في سياقٍ يخدم، ليس فقط الأكثرية السياسية التي تنحسر شعبيتها تدريجياً، بل ما تعتبره هذه الأكثرية بشخص ماكرون «مصلحة الدولة» في هذه المرحلة. بهذا المعنى، ينزاح الصراع، رُغم بعده الداخلي الانتخابي، صوب فضاء إقليمي تُستخدَم فيه مسألتا الهويّة الثقافية وحقوق الأقلّيات بهذا الاتجاه أو ذاك، للنيل من الخصوم السياسيين، في الإقليم والعالم. هكذا، يحضر بقوّة في هذه المسألة، وبعيداً عن سياقها الفعلي الممتدّ لعقود في الداخل، البعد الجيوسياسي الخاصّ بالخصومة المتصاعدة مع تركيا، على خلفية الصراع على موارد الغاز والنفط في ليبيا وشرق المتوسّط. وهو ما يفسِّر إضفاء أجهزة السلطة الفرنسية، ولأوّل مرّة تقريباً، هذا الطابع على الأزمة الحالية، إذ لطالما اشتكت من مشكلة عدم اندماج الأقلّية المسلمة كما يجب، ولكنها لم تتحدّث يوماً في سياق هذا الصراع عن وجود نزعة انفصالية لديها. وما يؤكّد هذه الفرضية سرعة تبنّي إردوغان من جانبه، ودون غيره من الزعماء الإقليميين للمظلومية الجديدة، واعتباره الحكومة الفرنسية الحالية، رأس حربة في مشروع «الحرب» على الأقلّية المسلمة، ليس في فرنسا وحدها، بل في أوروبا كلِّها، قبل أن يضيف ألمانيا على القائمة، أيضاً.

خاتمة
حين تتدخّل الدول بهذه الطريقة في صراع حول مظلومية الأقلّيات من عدمها، لا يكون ذلك بسبب أحقّية هذه القضية أو تلك، وغالباً ما يفضي إلى تعقيد المشكلة نفسها، عبر إلحاقها بالصراع الجيوسياسي حول مناطق النفوذ. وفي الحالة القائمة الآن بين تركيا وفرنسا، ثمّة ليس فقط صراع على النفوذ، بل أيضاً تنافسٌ محموم على ملء الفراغ الذي خلّفته سياسة الانكفاء الأميركية، حتى عن التذرّع بقضايا الأقلّيات لتبرير التدخّلات على أنواعها. هذا الفراغ الذي تحاول فرنسا ملأه حالياً في ليبيا ولبنان وشرق المتوسط عموماً، يلقى معارضة شديدة من تركيا التي تتحرّك على المسرح الجيوسياسي نفسه. وهو ما يثير شهية الطرفين إلى التدخّل المتبادَل، لا سيّما حين تَضعُف خاصرة أحدهما، وتتوفّر الذريعة للنيل من الخصم، تحت شعار الذود عن الأقليات، سواءً داخل فرنسا أو خارجها.
* كاتب سوري

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا