تحت عنوان «الوحدة الإسلامية... تاريخ من التفاعل والتقاء الفكر رغم التحديات»، كتب الدكتور عباس خامه يار، المستشار الثقافي في السفارة الإيرانية في بيروت، مقالة في «الأخبار» (06/ 11/ 2020)، عن تجربة الوحدة تاريخياً، وما قدّمت من إسهامات وتفاعلات وإنجازات. ونودّ القول، مع بالغ التقدير والاحترام للكاتب، إنه على الرغم من كثرة الأمثلة والشواهد في المقالة، فإن الواقع لا يشي بجرعات تفاؤل وأمل كثيرة. فأي مفهوم، وبوجه خاص عنوان عريض كـ«الوحدة الإسلامية»، يختصر كل الأنشطة والأعمال الفردية والجماعية العاكسة لمستوى الاهتمام والحضور، ضمن «أمة واحدة» في خضم التحيزات القومية والمذهبية. أي مفهوم من هذا النوع إنما يتطلّب مقاربة أكثر واقعية، أقلها النظر اليوم إلى حال الدول والمجتمعات الـ«إسلامية»، أهي في وحدة حقيقية؟ وهل تحركت من مكانها يا ترى؟ إلا ما وجدناه ولمسناه من تجربة وحدوية ناجحة مع الثورة الإسلامية في إيران، والتي نأمل تفعيلها والحفاظ عليها؛ إذ ليست الوحدة شعاراً أو مجاملة، فيما واقعنا مدمن على التجزئة والتفرق. فقد بقيت الوحدة على مرّ تاريخها حلماً ومثالاً في حدود الأفكار والنداءات والبيانات والمؤتمرات على أهميتها – ولو كانت شكلية – فهي اصطدمت وتصطدم بجملة من التعقيدات والتحديات ليس أقلها المشاريع والحسابات السياسية من داخل الأمة وخارجها بحسب تشكل كل دولة ومجتمع، ومدى ارتباطهما بالخارج.

إذا لم نثبّت كبرى القاعدة كما يقال علمياً، فهناك مشكلة في المصاديق والتفاصيل؛ فعلينا أن نثبت فعلية إسلامنا وانتمائنا إليه عملياً بما يحمل من مفاهيم وقواعد حركية صالحة للحياة نسير وفقها من دون تناقضات، لا أن نكون مسلمين شكلاً، ومضموناً نحن متخلفون وجهالاً نؤكد ذاتياتنا وأنانياتنا وانغلاقنا عن الآخر، حتى داخل المذهب الواحد. فعالمية الإسلام تستوجب وحدة إسلامية حقيقية تتحول إلى مشاريع وآليات تفعّل خط الوحدة، ومن ذلك قبول الآخر، والجدية في الحوار والتواصل من خلال التحديق في الأفق الإسلامي والإنساني الواسع والبعيد الذي لا يخاف من الآخر ولا يتغلف بأي غلاف، بل يستحضر المشتركات ويعمل على المستوى الإعلامي والتربوي والثقافي على تطبيق المفاهيم الوحدوية في الخطاب وإنتاج الرؤى والأفكار كي نحصل على لغة جديدة غير مسقطة حيث أدمنا ثقافة الاستحضار التي لا تنتج ولا تحرك واقعاً.

لقد أصبحنا اليوم في زمن أحوج ما نكون فيه إلى أسلمة المسلمين أنفسهم عبر ربطهم جدياً بأصالة مفاهيمهم وحركيتها وفاعليتها في مواجهة التحديات.
إن الوحدة هي قوة تغييرية توحد الطاقات والمواقف والمشاعر بحيث تنزل إلى أرض الواقع فتوحد القاعدة الشعبية، بحيث لا تبقى شعارات ومجاملات في الصالونات والمؤتمرات بين الأشخاص أنفسهم.
إننا بحاجة إلى تخطيط وعمل مخلص وبرنامج تطبيقي. فإذا ما فكرنا في حجم الإسلام، يمكننا أن ننطلق مستقبلاً بهمة أكبر، ونضع أقدامنا على السكة الصحيحة، وإلا فسنظل أسرى التناقضات والتجاذبات، وتبقى الوحدة حلماً يراود أجيالنا التي تبتعد شيئاً فشيئاً حتى عن دينها وهويتها، إذ تشعر بغبن كبير من جرّاء خطاب ديني أجوف ومؤطر لا يقدم إجابات كافية وشافية.
على الرغم من كل ذلك، وحتى لا يقال إني سوداوي النظرة ومتشائم، لا بد من الوحدة والعمل من أجلها، لأنه لا خيار آخر، ولأنها فريضة تنسجم مع أمر الله وفطرته التي فطر الناس عليها، على حدّ تعبير المرجع الوحدوي الإسلامي السيد محمد حسين فضل الله الذي لم يأتِ ذكره في المقالة ـــ وهذه ملاحظة ـــ نسجّلها ونحن في محضر الوحدة. فليس إنصافاً عدم ذكر شخص وحدوي كالسيد فضل الله الذي عمل طوال حياته على تكريس الوحدة في استقبالاته وبياناته ومواقفه وحركته وخطبه ومؤتمراته وكلماته التي لا تخلو مناسبة إلا ويتكلم فيها عن ضرورة الوحدة.
إن المسألة ليست شخصية، ولكن من باب حفظ الحق والذاكرة، واحتراماً للتاريخ والحقيقة، كان يؤكد السيد فضل الله أهمية الاستفادة من الإيجابيات كنافذة تطل على المواقع المشرقة من مواقع الأمل، والاستفادة من السلبيات في معرفة الأخطار الواقعية في الساحة لنتفاداها... فقد يكون من الضروري أن نفكر في التجربة الواحدة بعد الألف، لأن ذلك هو خيارنا الوحيد في بقاء الإسلام حياً متحركاً في الساحة كفكر وشريعة وكمنهج حياة، وكأمة طليعية تحمل رسالة التغيير للعالم من أجل الحضارة... ولنتذكر دائماً أنه لا معنى للتفكير في وحدة إسلامية على مستوى العاطفة والفكر والشريعة والسياسة من دون إسلام، لأن الصفة التي نحملها في كلمة الإسلام ليست مجرد واجهة تشير إلى المجموعة البشرية العددية التي نمثلها، بل هي كيان متكامل في الفكر والروح والعمل».
أخيرا وليس آخراً نريد للوحدة أن تكون مشروعاً نهضوياً حقيقياً يبلسم تمزق الواقع وتشتته في سير طبيعي مؤثر في مجريات الأحداث المفصلية التي يتعرض لها العالم الإسلامي اليوم، مستهدفة أمنه ووحدته وسيادته واستقلاله وحريته، من السودان والعراق وأفغانستان واليمن وسوريا والبحرين وفلسطين المحتلة.
إن الوحدة تحتاج إلى عمل جماعي دؤوب، وصولاً إلى تحريك الذهنية الشعبية كي تضغط على مواقع صنع القرار السياسي بغية تغيير الخطاب والسياسات التي تسعّر اللغة المذهبية والطائفية والتكفيرية إلى لغة تقارب وحوار، مع أن ذلك صعب التحقق في ظل سياسات استكبارية مانعة لأي توجه وحدوي إسلامي كبير وفعال.
وعلى أمل تبدّد العقبات وتلاشيها، فإن قدرنا هو الوحدة مهما كانت الظروف والتحديات، حتى ولو كان ذلك حلماً، فربما يتحول الحلم واقعاً في لحظة يقظة ضمير عند الحكام أو صحوة من سبات غفلة عند الشعوب ؟

*أكاديمي وحوزوي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا