رحل المناضل الجزائري لخضر بورقعة (1933 - 2020)، أحد ايقونات التحرير والتغيير، والرجل الذي سمى ابنتيه سيناء والجولان، وقال: «لم اسمع يوما بثورة تستدعي الأجنبي إلى بلادها، في وقت كل ثورات العالم قامت بطرد الأجنبي من أرضها». كان سي لخضر بورقعة من الرجال الذين تشعر معهم أنه لا يشيخ أبداً، وحين وصفت الجزائر بأنها بلد الثورة التي لا تشيخ، كنت أستوحي كلامي من هذا الرجل الذي كلما تقدم في السن تقدم به الشباب أيضاً. فهو لحيوية الثورة عنوان، وللصلابة المبدئية رمز، وللتفاني في سبيل وطنه الجزائر وأمته العربية والإسلامية مثال يحتذى به.

عاش شبابه في صفوف الثورة الجزائرية وميادينها، لكنه رفض أن يغادرَه الشبابُ والثورةُ طيلة حياته، فتراه متوجهاً إلى الجولان مقاتلا ابان حرب 1967، وإلى العراق مناصرا عشية الحرب والاحتلال، وإلى سورية منتصرا لوحدتها وعروبتها وخيارها المقاوم، وإلى لبنان معتزا بمقاومته، ودائما إلى فلسطين التي كانت جرحاً لا يغادر قلبه وعقله ووجدانه.
لم تكن مشاركته في ثورة شعبه ضد الاستعمار مجرد تعبير عن حسه الوطني والتحرري فحسب، بل كانت تعبيرا عن ذلك العهد الذي قطعه بينه وبين نفسه أن ينتصر للحق حيثما يراه، يرفض الظلم أينما وجد، وينتصر للمظلوم أيا كانت علاقته به.
والجزائريون يشهدون لبورقعة أنه أمضى ثماني سنوات في سجون بلاده بعد الاستقلال، لأنه أخفى العقيد الطاهر الزبيري بعد فشل محاولة الانقلاب التي قام بها عام 1966. رغم أن خلافا حادا كان بينه وبين الزبيري قبل تلك المحاولة، فوجئ بالزبيري المطارد يأتي إليه طالبا إخفاءه ويقول: رغم ما بيننا من خلاف كبير أعرف أنك من الشهامة والشجاعة بمكان على استعداد لإخفائي. ورغم أن بورقعة كان على خلاف مع الرئيس المجاهد أحمد بن بله بعد ترأسه الجزائر أثر الاستقلال، لكنه أيضا حاول أن يشارك في التحضير لتهريبه من السجن بعد الانقلاب على بن بله عام 1965.
كان ككل الجزائريين مهجوساً بالاستقلال، ورفض اي استقواء بالأجنبي في صراعاته الداخلية، حتى أنه اعتذر من عدد من المحامين الفرنسيين الذين جاؤوا إليه في السجن معلنين استعدادهم للدفاع عنه بعد سجنه الأخير في أواخر يونيو 2019، بسبب موقفه المناصر للحراك الشعبي في الجزائر الذي كان يرفع أعلام فلسطين مع أعلام الجزائر، الذي نوه به الدستور الجزائري في تعديلاته الأخيرة.
وكلنا يذكر كلماته لوفد المعارضة السورية الذي زار الجزائر عام 2012، مروجا لتدخل أجنبي في سورية ضد النظام. قال لللوفد: «أنا ابن ثورة من أعرق ثورات العالم، وأعرف أن كل ثورات العالم تقوم من أجل طرد الأجنبي من بلادها. أما أنتم فتطالبون باسم الثورة بدخول الأجنبي إلى بلادكم».
كانت العروبة في دم بورقعة كما يقول عامة الناس، فلقد سمى ابنتيه التوأم (1977)، بعد سنة على خروجه من السجن الطويل، سيناء والجولان، تأكيدا على ارتباطه بتحرير كل أرض محتلة. وقاد المظاهرات في بلاده، والوفود إلى العراق انتصارا لبلاد الرافدين، ناهيك بحبّه لسورية وفلسطين ولبنان. عن لبنان قال لي على الهاتف، بعد خروجه من السجن: «إن أول بلد سأزوره هو لبنان، فلبنان بنموذجيته الحضارية ومقاومته الباسلة رفع رؤوسنا جميعاً».
ولم تكن عروبته الإنسانية الملتحمة بالإسلام والمفعمة بحس تقدمي عال، حاجزاً بينه وبين مواطنيه وإخوانه الأمازيغ، إذ كان بين الأكثر تفهما لهواجسهم ومطالبهم المشروعة، والأكثر تحذيرا من مخططات تستهدف إخراجهم من وطنهم وأمتهم. لقد كان يدرك أن العروبة إذا لم تكن هوية جامعة متحررة من كل أشكال العنصرية والتعصب، لا تكون عروبة خرج من أرضها وبلغتها الإسلام كأحد أبرز رسالات السماء.
وكم تأثرتُ حين وصلتْني صورة أخيرة له، أخذت في المستشفى قبل ساعات من رحيله. في الصورة التي أرسلها المشرف على علاجه، إلى صديقه وابنه الروحي كريم رزقي، عضو الأمانة العامة لـ «المؤتمر القومي العربي»، يلوّع بيده محييا صديق سنوات عمره الأخيرة.
شعرت وأنا أتأمل الصورة المحزنة أن الراحل الذي كان في شبه غيبوبة، استجمع كل قواه ليقول لكريم ولكل الجزائريين والعرب «سلاماً».
ارقد بسلام أيها المجاهد الكبير الذي شاركت في ثورات، وواجهت السجون، وقدت التظاهرات من أجل السلام الحقيقي القائم على العدالة والحرية.
وداعا يا سي لخضر. ليس من السهل علي أن أزور الجزائر وقد غاب عنها لخضر بورقعة، بعد أن غاب الرئيس أحمد بن بله، والقائد الوطني الكبير سي عبد الحميد مهري، وكانت زيارتنا للجزائر لا تكتمل من دون رؤيتهم.

* كاتب وسياسي لبناني.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا